ميلاد أمريكا ودعوات تخلي مصر عن فلسطين
خالد فؤاد يكتب
- dr-naga
- 8 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- أمريكا, فلسطين, مصر
كتير من المؤرخين بيعتبر نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا في عام 1898 هي نقطة ميلاد أمريكا كقوى عظمى أو بشكل أدق اللحظة اللي أمريكا أعلنت نفسها قدام العالم انها قوى عظمى وده الحقيقة وراه قصة مثيره مرتبطة بالثورة الكوبية ضد الاسبان في الوقت ده واللي صاحبها قمع وانتهاكات كبيرة من الاسبان لكن اللحظة دي كانت فريدة بالنسبة للمجتمع الأمريكي اللي كان مقرر منذ زمن وبغض النظر عن قوته اللي بتزيد انه لا يتدخل ابدا في شيء خارج حدوده فيما عرف تاريخيا بعقيدة العزلة لكن الغريب ان المجتمع الأمريكي تفاعل بشكل كبير مع المظالم الكوبية وتعاطف بشكل أكبر مع الثورة خاصة ان كان في لاجئين كتير كوبيين في نيويورك وقدروا ينقلوا الفظائع اللي بتحصل معاهم للمجتمع الأمريكي للدرجة ان تحول الموضوع لرأي عام واصبح كتير من الصحف الأمريكية بتعرض اخبار الثورة الكوبية وفظائع الأسبان وبتعبر عن قضية مظلومية واستحقاق الكوبيين لحريتهم
في اللحظة دي أمريكا بتاخد قرار هايتعرف فيما بعد عند كتير من المؤرخين بلحظة ولادة القوى العظمى الأمريكية لان أمريكا ولأول مرة تقرر انها تتدخل في شأن خارج حدودها وتقرر انها ترسل جيشها لتحرير كوبا وانتصارا للثورة الكوبية خللي بالك ان كتير من الدوافع اللي كانت موجودة في اللحظة دي كانت دوافع أخلاقية حقيقية مع شعور بالمسؤولية كدولة كبيرة انها لازم يكون لها دور في محيطها (في سردية أخلاقية ودينية موجودة بشكل واضح في بداية التاريخ الأمريكي ممكن نختلف في تفسيرها لكن الحقيقة انها كانت موجودة وبوضوح).
اللي حصل بعد كده كان مفاجئ للجميع لان الجيش الأمريكي اللي راح كوبا عشان يواجه الأسبان اللي هما في الوقت ده من من ضمن أقطاب القوى المهيمنة على العالم يقدر الجيش الأمريكي يهزمهم ويحقق انتصار ساحق في 3 شهور تقريبا وينهي فيهم تماما الوجود الأسباني في كوبا ومعاها بورتوريكو والموضوع ما يقفش عند حدوة الثورة الكوبية لكن يكمل الجيش الأمريكي مطاردته للأسبان في آسيا وعند الفلبين اللي كان فيها ثورة برده ضد الاسبان ويروح هناك الاسطول الأمريكي ويحقق انتصار تاني ساحق على الاسطول الاسباني وبشكل سريع جدا (هاتتحول الحرب دي لمأساة فيما بعد لما ينخرط الأمريكان في حرب ضد الفلبينيين نفسهم) وبالشكل ده أمريكا تلحق الهزيمة بأسبانيا في وقت سريع جدا عشان تتعرف المعارك دي تاريخيا بالحروب القصيرة البديعة اللي كشفت ان القوة الاقتصادية اللي العالم كله كان بيتكلم عنها هي في الحقيقة تمتلك الة عسكرية وجيش حديث وقوي وقادر على فرض نفسه على رقعة التنافس الدولي بين القوى العظمى وتبقى لحظة ولادة الولايات المتحدة الأمريكية.
طبعا اكيد مش المقصود اننا نحصر أسباب تنامي القوة الأمريكي وبروزها كقوى عظمى وقوة مؤثره في اقليمها وفي العالم فقط في حربها وموقفها من الثورة الكوبية لكن نقدر نقول ان العامل ده كان جوهري في تأسيس أمريكا كقوى عظمى وانه كان أثره أكبر من أمور كتير اتبنت على المستوي الداخلي.
طيب ايه اللي عايز اشاور عليه بوضوح انه فكرة ان أي دولة تنكفأ على نفسها وانه مايكونش لها دور مهم في القضايا الرئيسية (تحديدا قضايا احتلال الأرض والاستعمار) في محيطها ده كلام مش عملي ولا عمره حقق مكانة ودور ريادي لدولة بالعكس دي سياسة اللي اتعامل بيها على مدار التاريخ اتسبب انه يقزم حجم بلده ومكانتها ويخصم من رصيدها ويفقدها نفوذها التاريخي ده مش معناه بالتأكيد ان كل دولة تروح تدخل حروب عشان تبني وتعزز مكانتها أكيد مش هي دي الفكرة اللي بشاور عليها لكن بشكل عام بشاور ان التجربة الأمريكية في كوبا واللي كانت نقطة انطلاق أمريكا والتحول التاريخي من عقيدة العزلة إلى عقيدة التدخل الخارجي وبناء النفوذ (عقيدة مونرو) كانت دليل كبير على خطأ رهان الانكفاء على الذات وخلينا في نفسنا وملناش دعوة بحد وأهم حاجه بلدنا دي كلها شعارات في الحقيقة بتخبي وراها خيبات كبيرة وبتخبي وراها انحسار للدور والقيمة والتاريخ والجغرافيا وانتقاص من القيمة والقدر لدولة لها شأن في محيطها واقليمها.
ليه بقول الكلام ده لأن الحقيقة أي دعوات بتَخلي مصري عن القضية الفلسطينية ومحاولات عزلها عن فلسطين القضية والشعب والعلم تحت شعارات رنانة زي مصر تهتم بشؤنها فقط نرفع علم مصر مش علم فلسطين الخ دي دعوات بشوفها انها بتضر مصر بشكل مباشر وانا مش عايز أتكلم هنا عن العمق الاستراتيجي لمصر ومحيطها الحيوي والكلام الكبير بتاع السياسة ومش عايز احول الموضوع لمعادلات الجغرافيا السياسية لكن تاني الموضوع أبسط حتى من التصورات دي مفيش حد بيتخلى بسهولة عن مكسب كبير جاي لحد عنده مفيش كبير عيلة له اسمه ووزنه بيقول للناس لا انا مش كبيركم انا حجمي صغير وزي زي أي حد فيكم محدش الناس بتكبره وبتشوفه كبير وعظيم وبيقولهم يا جماعة شكرا انا صغير وماشي في حالي!!
وبمعنى ادق مفيش دولة في الدنيا تفرط في قضية جوهرية أسست دورها الإقليمي وساهمت بشكل كبير في فرض نفسها في الإقليم وفرض نفسها في أي مفاوضات او تفاهمات إقليمية ولا دولية عن القضية وأظهرت للعالم كله أهميتها وحجمها وريادتها الإقليمية وعشان كده مصر عمرها ما هاتحافظ على مكانتها الإقليمية والدولية لو فكرت تتخلى عن القضية الفلسطينية أو تتخلى عن مشاكل دول المنطقة وتكون جزء من حلها مصر مش هاتكون عظيمة وكبيرة لو انكفأت على نفسها وبصت لمحيطها نظرة متعالية بتنفي انتمائها لمحيطها العربي والافريقي…مصر مش هاتكون عظيمة ولو طورت اقتصادها وحققت مستويات تنمية قياسية وهي منعزلة عن منطقة بتتشكل حواليها وقوى بتحاول توجد لنفسها ربع الدور اللي مصر بتقوم بيه… فتاني الأصوات اللي بقي صوتها عالي وبتظهر من وقت للاخر وبتحاول تظهر ان فصل مصر عن القضية الفلسطينية من مصلحة مصر دي أصوات لا يمكن براجماتيا ولا أخلاقيا ولا بأي بعد تكون شايفه يعني ايه مصلحة مصر.
مصر هاتفضل كبيرة وعظيمة وجميلة بدورها مش بس بتاريخها فأي كلام عن ان مصر ملهاش علاقة بفلسطين والكلام الصغير بتاع نشيل علم مصر فقط وما نشيلش علم فلسطين ده كلام بيقزم مصر ودورها ومكانتها ده كلام بدون مبالغة مهين لمصر واللي يعرف يعني ايه مصر عظيمة يعرف ان قضية فلسطين قضيتنا والعلم الفلسطيني ده جزء من علمنا وزي ما بنتشرف برفع علم مصر بنتشرف برفع علم فسطين ده شرف وكرامة وعزة.
