موسى عليه السلام ومؤسسة “مجتمع الزنادقة”
د سامي عامري يكتب
- dr-naga
- 29 يونيو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الزنادقة, قصة موسي عليه السلام, مجتمع الزنادقة, موسي عليه السلام
نشرت منصة “مجتمع” لقاءً مع علا العجيزي للتشكيك في قصة موسى عليه السلام. وكعادته، يدفع باسم الجمل ضيوفه إلى التصريح بتكذيب القرآن، أو يهيئ لهم الطريق لإظهار ما يضمرونه تجاه هذا الدين.
وقد اشتملت الحلقة على عدد من المغالطات، منها:
قال باسم الجمل:
> “وهناك من يقول إن هذا الحدث الجغرافي [قصة موسى] لا علاقة له بمصر الحالية، وإنما وقع في جغرافيا مختلفة.”
والواضح أنه يقصد أساسًا أطروحة (الصحفي!) الماركسي فاضل الربيعي، و(مهندس الاتصالات!) عمر شوتر، اللذين نقلا أحداث التوراة إلى اليمن. والأول عضو في الهيئة المؤسسة لمنصة “مجتمع”، والثاني ضيف عليها. ومع ذلك، فإن علماء الآثار والمؤرخين اليمنيين أنفسهم يرفضون هذه الأطروحات ويعدونها من اللغو الصرف.
ومن أراد الوقوف على الردود العلمية فليراجع مقال الأستاذ الدكتور عبدالله أبو الغيث، أستاذ التاريخ القديم بجامعة صنعاء: “إسرائيل التوراتية كانت في اليمن.. تاريخ تلفيقي يصنعه الربيعي!” وكذلك كتاب الدكتور عارف أحمد إسماعيل المخلافي، أستاذ تاريخ وآثار الشرق والجزيرة العربية: “التاريخ المقنع”.
ثم قال باسم الجمل:
> “المصري القديم لم يترك شيئًا إلا وكتبه.”
وهذه دعوى لا يقول بها من له أدنى اطلاع على علم المصريات. فالتاريخ المصري الذي وصلنا ليس سجلًا شاملًا، بل هو تاريخ انتقائي كُتب لخدمة السلطة والدعاية الملكية، وما أُهمل أو مُحي منه كثير، والتلاعب بالسجلات التاريخية أمر معروف عند المتخصصين.
ومن أشهر الأمثلة:
1. صوّر رمسيس الثاني معركة قادش وكأنه حقق فيها انتصارًا ساحقًا، بينما تدل المصادر الحيثية، ثم معاهدة السلام سنة 1259 ق.م، على أن الأمر لم يكن كذلك.
2. شُطب اسم توت عنخ آمون من القوائم الرسمية بسبب ارتباطه بالعصر “الهرطوقي”، ولم يُكتشف قبره إلا سنة 1922.
3. حُذفت أسماء الملكة حتشبسوت من معابد الكرنك والمسلات بعد وفاتها، حتى ظن بعض الباحثين أنها شخصية أسطورية.
4. تعرّض أخناتون لمحاولة محو ممنهجة بسبب ثورته الدينية “التصحيحية” لعبادة آتون.
وهكذا فإن ما وصلنا هو تاريخ البلاط والكهنة، لا تاريخ عامة المصريين أو الشعوب الأجنبية. أما الحياة اليومية فمصدرها الرئيس البرديات، ومعظمها اندثر.
وقد أشار عالم المصريات الكبير K. A. Kitchen في كتابه On the Reliability of the Old Testament إلى ضياع أغلب البرديات المصرية حتى لم يبق منها إلا القليل.. حتى شعرتُ بالضجر لكثرة تأكيده هذه الحقيقة في كتابه. والبرديات هي المصدر الوحيد الممكن لمعرفة حياة الشعب المصري والأجانب بصورة محايدة أو شبه محايدة.
ويلاحظ أن طرح باسم الجمل يقوم عمليًا على دليل الصمت (Argumentum ex silentio)، أي اعتبار غياب الأثر دليلًا على عدم وقوع الحدث، وهي مغالطة منهجية معروفة في الدراسات التاريخية.
وفي هذا السياق يقول أستاذ التاريخ اليهودي، والأركيولوجيا الكتابية، والمشرف على عدد كبير من الحفريات الأركيولوجية Richard Freund
> “ليست قصة الخروج نفسها هي التي تثير الجدل عند علماء الآثار، بل المشكلة أننا لا نملك مادة أثرية كافية للمقارنة… تعلمت أن أحذر مما أجده ومما لا أجده.”
(Digging Through the Bible: Modern Archaeology and the Ancient Bible, p.56):
ويقول عالم المصرياتJames K. Hoffmeier
> “دلتا النيل لم تقدم لنا أي وثائق تاريخية أو إدارية يمكن أن تسلط الضوء على الفترة التي يذكرها الكتاب المقدس.”
(Biblical Archaeology Review 33.1, 2007):
بل إن علم المصريات نفسه يقدم أمثلة على شخصيات كبيرة بقيت مجهولة حتى وقت قريب. فالوزير السامي Aper-El، الذي كان من كبار رجال الدولة في عهد أمنحتب الثالث وأخناتون، لم يُكتشف قبره إلا سنة 1987 على يد عالم المصريات الفرنسي ألان زيفي، رغم مكانته الرفيعة ودفنه في سقارة، وهي من أكثر المناطق تنقيبًا في مصر.
ويعلّق هوفماير على هذا الكشف بقوله إن اكتشاف شخصية بهذه المكانة بعد أكثر من قرن من التنقيب يجعل من الخطأ المطالبة بدليل أثري مباشر على شخصية مثل يوسف عليه السلام، خاصة أن منطقة الدلتا نفسها ما تزال ضعيفة التنقيب مقارنة بغيرها.
ويعلّق Hoffmeier (Israel in Egypt, pp. 94–95):
> “اكتشاف موظف رفيع لم يكن معروفًا رغم التنقيب الطويل يدل على أن غياب الدليل لا يصلح وحده لنفي وجود شخصيات تاريخية مثل يوسف، خاصة في مناطق قليلة التنقيب كدلتا النيل.”
ذكرت العجيزي إحدى القصص المذكورة في بردية Westcar Papyrus ، لتوهمنا أنّها أصل قصة خروج موسى عليه السلام. وهي قصة لا تشابه قصة خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر في شيء. وأما ما فيها في شأن الخارقة؛ فليس هو شق البحر إلى نصفين ليمر الناس بينهما، وإنما هو أنّ الساحر وضع نصف ماء بحيرة القصر فوق النصف الآخر حتى يجد القلادة الضائعة. والخوارق المتعلقة بالماء والتماسيح في التراث المصري القديم كثيرة، لارتباط الحياة في مصر القديمة بالنيل وما جاوره من مسطحات مائية. ولذلك لم يربط بين قصة الخروج وما جاء في هذه البردية بدعوى الاقتباس سوى قلة من الكتّاب الغربيين، رغم ولع المكتبة الغربية بفكرة الاقتباس.
ثم قالت العجيزي:
“اللي مثبت هو خروج الهكسوس فقط… ولوحة مرنبتاح التي يُقال إنها تذكر إسرائيل، الأبحاث الحديثة تقول غير ذلك.”
قلتُ: استقرائيا، كلام العجيزي كذب. بل إنّ جماهير النقاد على أنّ الكلمة لا بد أن تقرأ على أنها “إسرائيل”. قال عالم الآثار اللاأدري الشهير والذي تدرّس كتبه في الأقسام التخصصية William G. Dever: “*يتفق جميع العلماء* على أن التاريخ محدد في هامش أقل من خمس سنوات بحساب فلكي، وأنّ قراءة *”إسرائيل” مؤكدة*؛ وأنّ “إسرائيل” متبوعة بعلامة مصرية للأمم أو علامة محددة لـ “شعوب”، بدلاً من علامة مملكة أو دولة-مدينة أو ما شابه ذلك” (William G. Dever, What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It?, p.118.). فالقول المخالف هو قول أقلية وليس هو القول الغالب بين النقاد.
وأخيرًا، الادعاء الذي كرره باسم الجمل بأن علماء الآثار الغربيين متأثرون بدوافع دينية لإثبات قصة موسى غير دقيق؛ إذ إن الاتجاه السائد في الدراسات الغربية منذ عقود هو الاتجاه النقدي ورموزه ملاحدة ولاأدريين، مع صعود تيار Biblical Minimalism منذ العقد الثامن من القرن الميلادي الماضي، وانهيار مدرسة ويليام فوكسويل أولبرايت إثر موته قبل ذلك بسنوات.
وأما عنوان الحلقة على منصة “مجتمع”: “هل يمكن العثور على… سيدنا موسى؟” فظريف في استعماله عبارة “سيدنا موسى” الذي تسعى الحلقة في جوهرها إلى التشكيك في وجوده.
لقد هزلت!
بيان علميّ..
#حتى_لا_تكون_فتنة
