مؤشرات التحول السياسي للجماعات الجهادية بدول الساحل الإفريقي
من التضحيات إلى بناء الدولة
- abdelrahman
- 8 يوليو، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, الجماعات الجهادية, النيجر, بوركينافاسو, دول الساحل, مالي
الرائد: تشهد الساحة في مالي ومنطقة الساحل الأفريقي تحولاً نوعياً في بنية الجماعات المسلحة ذات المرجعية الجهادية، حيث بدأت هذه الجماعات تنتقل من مرحلة العمل العسكري المحض إلى محاولات بناء هياكل إدارية وسياسية في المناطق التي تسيطر عليها.
وكذلك شهد الخطاب الأيديولوجي لهذه الجماعات، تطورا لافتا فلم يعد يسيطر نهج التضحيات بلا ثمن ، بل غدا يتحدث عن ضرورة ترجمة “التضحيات والدماء” إلى “كيان سياسي”، واعتبار أن غياب البنية السياسية يجعل التجربة “كالقربة المثقوبة التي تثج الدماء دون توقف وبلا هدف”.
ولا شك أن هذا الطرح يفتح باباً واسعاً للتحليل حول مستقبل الصراع في الساحل وطبيعة التهديدات الأمنية في المنطقة، في ضوء التغييرات اللافتة التي شهدها فكر هذه الجماعات .
من الجهاد الأفغاني إلى دولة الساحل
ومن المهم الإشارة إلي جذور الظاهرة الجهادية في منطقة الساحل تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين عاد مقاتلون من الجزائر وأفغانستان إلى مالي والنيجر، مشكلين نواة ما عُرف لاحقاً بـ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”. على مدار ثلاثة عقود، خاضت هذه الجماعات مواجهات مسلحة ضد الحكومات المحلية والقوات الدولية، خاصة العملية الفرنسية “سرخال” ثم عملية “برخان”.
لكن التحول الأبرز جاء بعد عام 2012، حين سيطرت الجماعات الجهادية على شمال مالي لفترة وجيزة، وأعلنت تطبيق الشريعة في مدن مثل تمبكتو وجاو. ورغم طردها لاحقاً، إلا أن تلك التجربة تركت بصمة عميقة في وعي قيادات هذه الجماعات بأهمية البعد الإداري والسياسي إلى جانب البعد العسكري. ومنذ ذلك الحين، تطور الخطاب ليشدد على أن “الكيان السياسي” ليس ترفاً، بل ضرورة لحصاد نتائج المواجهة الطويلة.
من العصابات للإدارة المحلية
وينبغي عفي هذا السياق الوضع في الاعتبار أن ما يحدث في مالي اليوم، وفق تحليلات ميدانية، ليس مجرد عمليات عسكرية، بل محاولات منهجية لبناء إدارة محلية بديلة. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (التابعة لتنظيم القاعدة) و”تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى”، ظهرت هياكل قضائية وشرطية وضريبية. تفرض هذه الجماعات ضرائب على المحاصيل والماشية، وتنظم النزاعات القبلية عبر محاكم شرعية، وتقدم خدمات محدودة للسكان في غياب الدولة.
هذا التحول يعكس قناعة لدى هذه الجماعات بأن الاستدامة تتطلب أكثر من السلاح؛ فهي تسعى لكسب “شرعية” محلية عبر تقديم بدائل إدارية، وهو ما يمثل تحدياً نوعياً مختلفاً عن مرحلة التفجيرات والاغتيالات.
وفي هذا السياق دخلت مراكز البحث الغربية علي خطي هذه الأزمة حيث أشارت مجموعة الأزمات الدولية في تقاريرها الصادرة عام 2025 و2026 حول الساحل إلى أن “الجماعات الجهادية في مالي لم تعد مجرد عصابات مسلحة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً وإدارياً في العديد من المناطق الريفية”.
وحذر المركز من أن “محاربة هذه الجماعات عسكرياً فقط لن تكون كافية، لأنها باتت تقدم لسكان المناطق النائية خدمات لا توفرها الدولة المركزية”.
بدوره، يسلط المعهد الفرنسي للعلاقات الدولي، الضوء على أن “الخطاب الجهادي تطور من خطاب جهادي عالمي إلى خطاب محلي يستثمر المظالم القبلية والاقتصادية”، مشيراً إلى أن محاولات بناء الكيانات السياسية تمثل استراتيجية طويلة الأمد تهدف لتثبيت النفوذ) في دراساته حول الساحل
الجماعات الجهادية وشرعية الدولة
أما معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا، فيؤكد في تحليلاته أن “التحول الإداري للجماعات الجهادية في مالي يمثل أخطر تطور في الصراع، لأنه يستهدف شرعية الدولة ذاتها، وليس فقط أمنها
وعلى الصعيد العربي، يرى مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أن “ظاهرة بناء الكيانات البديلة في الساحل تمثل نموذجاً خطيراً قد يتكرر في مناطق أخرى من العالم الإسلامي”، مشيراً إلى أن “الدول العربية مطالبة بمراقبة هذه الظاهرة عن كثب، لأنها تمس الأمن القومي العربي بشكل غير مباشر عبر تمدد الجماعات المتطرفة”.
من جانبه، يحذر مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية من أن “الفراغ الإداري في الدول الهشة يمثل بيئة خصبة لنمو البدائل الجهادية”، مؤكداً أن “الحل لا يمكن أن يكون أمنياً بحتاً، بل يتطلب بناء دول قادرة على تقديم الخدمات لمواطنيها”.
ردود الفعل السياسي
،علي الصعيد السياسي أكد مسئولون في الحكومة الانتقالية المالية، التي يقودها العقيد عاصمي غويتا، أن “التحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل إداري وسياسي”، مشيرين إلى أن “الجماعات المسلحة تحاول بناء شرعية بديلة عبر تقديم خدمات للسكان، وهو ما يتطلب من الدولة إعادة حضورها في المناطق النائية”.
كما شدد دبلوماسيون أفارقة في تصريحات لوسائل إعلام دولية على أن “مكافحة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والحوار مع المجتمعات المحلية”، محذرين من أن “التعامل مع الجماعات الجهادية كعصابات مسلحة فقط هو تبسيط خطر للواقع”.
وبناء علي اراء مراكز البحث الغربية ، وتصريحات السياسيين الأفارقة يبدو ان هناك عديد من السيناريوهات تسيطر علي المشهد وتحكم علي تطوره خلال السنوات المقبلة في منطقة الساحل .
السيناريو الأول يتمثل في استمرار ، الجماعات الجهادية في تعميق بنيتها الإدارية والسياسية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما يجعل استعادتها من قبل الدولة المركزية مهمة شاقة ومعقدة.
ولا يختلف الأمر فيما يتعلق بالسيناريو الثاني حيث ستواجه الحكومات المحلية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو ضغوطاً متزايدة لتقديم بدائل إدارية وخدمية فعالة، وإلا ستفقد المزيد من الشرعية لصالح البدائل الجهادية.
أما ثالث السيناريوهات فيدور في فلك وجود محاولات من بعض الجماعات للدخول في مفاوضات سياسية محلية، شبيهة بما حدث في بعض مناطق أفغانستان، رغم رفض معظم الحكومات المركزية لهذا المسار.
سيناريوهات المستقبل
وكذلك يمكن أن تبقي منطقة الساحل كما يشير السيناريو الرابع بؤرة توتر إقليمية ودولية، مع استمرار تدفق المقاتلين والأسلحة، وتنامي النفوذ الروسي عبر مجموعة “أفريكا كوربس” بديلاً للوجود الفرنسي السابق.
وبخصوص السيناريو الخامس ، سيظل الخطاب الأيديولوجي لهذه الجماعات يتطور، محاولاً التوفيق بين الطموحات الجهادية العالمية والواقع المحلي، وهو ما قد يخلق انقسامات داخلية في صفوفها بين تيارات براغماتية وأخرى متشددة.
وفي النهاية يمكن القول إن ما يحدث في مالي اليوم يمثل ظاهرة جديدة ومعقدة في تاريخ الحركات الجهادية. فالانتقال من العمل العسكري المحض إلى محاولات بناء كيانات سياسية وإدارية يعكس نضوجاً استراتيجياً لدى هذه الجماعات، يجعل مواجهتها أكثر صعوبة.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد المقاربات الأمنية التقليدية كافية، بل أصبحت الحاجة ملحة لمقاربات شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتمدد هذه الجماعات ، ستظل الدماء تُسفك في حلقة مفرغة، وستظل المنطقة رهينة لصراع لا يبدو أن له نهاية في الأفق.
