معاوية يدافع عن نفسه

محمد الشماع يكتب

هل يمكننا أن نواجه معاوية ونعدُّ عليه كل سيئاته ونتركه يدافع عن نفسه بنفسه؟!

قد كفانا هذا صحابي جليل، فروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (1/ 208) وابن عساكر في تاريخ دمشق (58/ 168) من طريق ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير إن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قدم وافدًا إلى معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟! قال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، فقال معاوية: لا والله لتكلمنَّ بذات نفسك والذي نقمت عليَّ، قال المسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له، فقال معاوية: لا أبرأ من ذنب!! فهل تعد لنا يا مسور مما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب؟!! فإنا نعترف لله بكل ذنبٍ أذنباه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم يعفو الله لك؟!! فقال المسور: نعم، فقال معاوية:

فما جعلك برجاء المغفرة أحق مني؟!! فو الله لما آلي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين أمر لله وغيره، إلا اخترت أمر الله على ما سواه، وإني لعلى دين يُقبل فيه العمل ويُجزى فيه بالحسنات والذنوب إلا أن يعفو الله عنها، فإني أحسب كل حسنة عملتها بأضعافها من الأجر، وألي أمورًا عظامًا لا أحصيها ولا يحصيها من عمل بها لله في إقامة الصلوات للمسلمين، والجهاد في سبيل الله، والحكم بما أنزل الله، والأمور التي لست أحصيها وإن عددتها فتكفي في ذلك.
قال مسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر ما ذكر، قال عروة بن الزبير: فلم أسمع المسور بعد يذكر معاوية إلا صلى عليه!!

فهذه القصة صحيحة ثابتة، قال ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 1422): “وهذا الخبر من أصح ما يُروى من حديث ابن شهاب، رواه عنه معمر وجماعة من أصحابه”.

فهذا الصحابي الجليل المسور بن مخرمة صارح معاوية بكل سيئاته، حتى قال: لم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له. وأقر بها معاوية وقال: لا أبرأ من ذنب!! وأخبر أنه يرجو رحمة الله كما يرجوها كل مسلم، وأنكر معاوية على المسور أنه ذكر سيئاته ولم يذكر حسناته، وقال له: إنا نعترف لله بكل ذنب أذنباه، فهل لك ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم يعفو الله لك؟!! فما جعلك برجاء المغفرة أحق مني؟!! فخصمه معاوية فلم يعد يذكره المسور إلا بخير، وصار يدعو له بعد أن كان يطعن فيه!!

فهل في هذه القصة كفاية لكل ذي عقل؟!

هذا على فرض أن معاوية لم يكن صحابيًّا، ولم يصلِّ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ممن كتب بين يديه، ولنفرض أن معاوية لم يكن ممن جاهد في سبيل الله في الشام، ولم يكن أول من أسس أول أسطول بحري وجاهد الروم في البحار، ولم يكن هو الذي فتح قبرص وقيسارية، ولم يكن صاحب أول جيش غزا القسطنطينية، ولم يكن يغزو في خلافته كل سنة مرتين مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ولم يكن في خلافته حليمًا مقيمًا للعدل أكثر من كثير من الملوك الذين جاؤوا من بعده، فكيف إذا كانت له هذه الفضائل والمناقب وغيرها كما هو معروف في كتب التاريخ؟!! فهل في تلك القصة كفاية لكل منصف؟!!

ألا يستحق من كانت له هذه الفضائل أن نقول عنه: رضي الله عنه؟!! فإن لم تكن له هذه الفضائل ألا يجوز أن نقول لأي مسلم: رضي الله عنه من باب الدعاء لا الإخبار؟!!

ألا يجوز أن ندعو لأي مسلم عاص بالرحمة والرضوان وإن كان عاصيًا؟!!

وهذه مسألة مهمة جدًّا، فنحن عندما نترضى على المبشرين بالجنة؛ كالخلفاء الراشدين الأربعة وبقية العشرة، وأصحاب بدر والحديبية، هو من باب الإخبار والدعاء، أما عندما نترضى على غيرهم ممن لم يثبت بالنص كونهم من أهل الجنة، فهو من باب الدعاء لا الإخبار، وبهذا يزول كثير من الإشكال.

فليس ترضينا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كترضينا عن صحابي قتل نفسه أو ظلم نفسه بالغلول أو الزنا أو شرب الخمر، أو غير ذلك، فترضينا عن الأولين إخبارًا ودعاءً، وترضينا عن الآخرين دعاءً لا إخبارًا

ألا تعلم يا مسلم أن المؤمنين قد يقتتلون، ويحصل بغي من بعضهم على بعض وما زالوا عند الله مؤمنين، وإن كان بعضهم ظالِمًا باغيًا؟! ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 9، 10]، فسماهم جميعًا مؤمنين مع حصول القتال والبغي من بعضهم، وتأمل ما رواه البخاري (2704) عن الحسن البصري قال: استقبل والله الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟! من لي بنسائهم؟! من لي بضيعتهم؟! فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فقالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟! قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، فتأمل يا أخي قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما: (لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فسماهم جميعًا مسلمين، والإمام الحسن رضي الله عنه خير من معاوية، ولم يتنازل عن الخلافة لرجل كافر أو منافق كما يظن الشيعة، وقد كان الحسن معه من الجيوش أمثال الجبال، ومع ذلك تنازل لمعاوية وهو يعتبره مسلمًا، حقنًا لدماء المسلمين، فاجتمعت بحمد الله الكلمة، وكان الصلح خيرًا كما أخبر الله في كتابه، ومن اعتقد أن الحسن تنازل لكافر أو منافق، فقد طعن في الحسن أشد الطعن، وأساء به الظن، وحاشاه أن يترك أمر الأمة لكافر أو منافق، بل استحق بفعله هذا ثناء النبي صلى الله عليه وسلم، وعُدَّ هذا من أعظم مناقبه رضي الله عنه.

وما أحسن الحديث الذي رواه أحمد في مسنده (27410) – وصححه الألباني والأرناؤوط – عن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأيت ما تلقى أمتي بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وسبق ذلك من الله تعالى، كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم، ففعَل).

قال المؤرخ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (8/ 129): روى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقيل له: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي، ورحم الله معاوية، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبدالعزيز، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أُتي بعلي ومعاوية، فأُدخلا بيتًا وأُجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قُضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة، وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليًّا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما، وسئل الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية، فقرأ: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 134]، وكذا قال غير واحد من السلف.
مختصر مقتبس .

اترك تعليقا