«مضيق هرمز» على فوهة البركان..

المسار العُماني وبيان المنامة يعيدان رسم خريطة تحالفات الخليج

في خضم أخطر أزمة بحرية تشهدها “منطقة الخليج” منذ عقود، تحوّل “مضيق هرمز” من مجرد ممر مائي حيوي يعبره “خُمس النفط العالمي” إلى ساحة مواجهة مفتوحة تعيد تعريف موازين القوى في المنطقة، وبينما تسعى “سلطنة عُمان” جاهدة للحفاظ على توازنها الدقيق، تدفعها التطورات المتسارعة نحو خيارات صعبة قد تضع نهاية للحياد التقليدي الذي اشتهرت به لعقود.

من الوسيط إلى خط المواجهة..

لطالما اعتُبرت «سلطنة عُمان» “سويسرا الدبلوماسية” في «الشرق الأوسط»، بعدما نجحت عبر سنوات طويلة في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، من “واشنطن” إلى “طهران”، ومن “الرياض” إلى “تل أبيب”، إلا أن المعطيات الجديدة المتعلقة بـ”مضيق هرمز” تضع “مسقط” اليوم في قلب العاصفة.

فـ”المسار البحري العُماني”، الذي تفسره السلطنة بأنه محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سيادة القانون الدولي وتأمين الملاحة البحرية، يكسر عملياً “الاحتكار الإيراني” لـ”مضيق هرمز”،  ويدفع هذا التوجه “مسقط” قسراً نحو ما يمكن تسميته بـ”الحياد الملحوظ”، حيث لم تعد قادرة على ممارسة وساطتها الهادئة بعيداً عن الأضواء.

بيان المنامة والمظلة الخليجية الجديدة..

لم يكن “البيان الخليجي” الصادر عقب اجتماعات “المنامة” مجرد بيان روتيني، بل حمل تأكيداً واضحاً على الترابط الأمني غير القابل للتجزئة بين دول “مجلس التعاون الخليجي”.

ويصب هذا البيان، إلى جانب المسار البحري العُماني، في اتجاه واحد يتمثل في دفع “إيران” نحو مواجهة مفتوحة، لكن هذه المرة تحت مظلة خليجية واضحة وصريحة، وربما عُمانية أيضاً، بدلاً من المظلة الإسرائيلية التي كانت مطروحة في سيناريوهات سابقة.

 تساؤلات جوهرية تفرضها التطورات..

هل يعيد مضيق هرمز الحرب تحت مظلة عُمانية خليجية؟

تشير المعطيات إلى أن المضيق قد يصبح السبب المباشر لعودة الحرب على “إيران”، وليس “مشروعها النووي” كما كان متوقعاً، وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فإن المنطقة ستكون أمام حرب مدمرة يشترك فيها الجميع، بينما تكتفي “إسرائيل” بالمراقبة أو بتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي.

هل تخلت سلطنة عُمان عن حيادها التقليدي؟..

تضع التطورات الحالية “مسقط” في موقف بالغ الحساسية، إذ إن أي خطوة تتخذها، حتى وإن كانت ذات طابع إنساني بحت، مثل إجلاء البحارة أو تأمين الملاحة، تُفسر فوراً في “واشنطن” و”طهران” باعتبارها موقفاً سياسياً، وكان “الحياد العُماني” يعتمد دائماً على القدرة على التواصل مع جميع الأطراف، إلا أن هذا الهامش يضيق بصورة متسارعة.

هل ترى طهران المسار العُماني اختراقاً لسيادتها؟..

تعتبر “إيران” «مضيق هرمز» شرياناً حيوياً لاستراتيجيتها الدفاعية والاقتصادية، ولذلك فإن أي تحرك دولي أو إقليمي لإعادة رسم المسارات الملاحية أو تغيير قواعد المرور قد يُفسر في “طهران” على أنه محاولة لتحجيم نفوذها أو تجاوز سيادتها على الممر.

هل ستتواجد قوات أمريكية؟..

ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن إنشاء قاعدة عسكرية لحماية المسار العُماني تحديداً، فإن المظلة الأمنية الأمريكية والتحالفات البحرية الموجودة في المنطقة توفر حماية ضمنية لأي مسار تعترف به الدول الحليفة باعتباره ممراً آمناً، وهو ما يزيد من احتمالات تكثيف الدوريات البحرية الأمريكية.

الحياد العُماني تحت الضغط..

تحاول “سلطنة عُمان” الحفاظ على توازن القوى في المنطقة، لكنها تدرك أن تكلفة هذا الحياد أصبحت مرتفعة مع تصاعد الأحداث العسكرية، ورغم أن السلطنة لا تزال ترفض الانجرار إلى المحاور العسكرية، وتؤكد أن فتح الممر البحري يهدف إلى حماية سيادة القانون الدولي وليس إلى الانخراط في أي تحالف عسكري، فإن هذه الخطوة بحد ذاتها تضعها في خط المواجهة.

فعندما تفتح “عُمان” ممراً بحرياً وتدعو السفن إلى العبور تحت مظلة دولية، فإنها عملياً تكسر الاحتكار الإيراني للمضيق، ما يجعلها عرضة لضغوط مباشرة من “طهران”، كما ترى القوى الدولية أن قواعد اللعبة تغيرت بعد النزاع الأخير، ولم يعد هناك متسع للوسيط الذي يقف في المنتصف، بينما تحمل الهجمات الإيرانية الأخيرة على السفن رسالة مفادها أنه لا توجد مسارات آمنة خارج المظلة الإيرانية.

الموقف الإيراني.. التهديد الوجودي..

تراقب “إيران” حركة السفن في المنطقة بدقة، وأي مسار جديد قد يُنظر إليه باعتباره محاولة لتقليل الحاجة إلى التنسيق مع قواتها البحرية أو الالتفاف على رقابتها، كما تعتبر “طهران” أي وجود عسكري أجنبي، ولا سيما الأمريكي، تهديداً وجودياً، وإذا ارتبط أي مسار جديد بحماية عسكرية أجنبية، فإنها ستعتبر ذلك ذريعة لتثبيت وجود عسكري دائم بالقرب من سواحلها.

ثلاثة سيناريوهات للمستقبل..

السيناريو الأول: تصعيد محدود يتحول إلى مواجهة شاملة، إذ قد يؤدي أي حادث بحري، مثل استهداف سفينة شحن، إلى حرب استنزاف بحرية وجوية يكون عنوانها “حرية الملاحة أكثر من الملف النووي”.

السيناريو الثاني: تراجع فرص التوصل إلى اتفاق نهائي، مع احتمال توسع الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، وهو ما قد يدفع “طهران” إلى تشديد موقفها ويقلص فرص الوصول إلى تسوية شاملة، خاصة في ظل تعارض ذلك مع مطالبها السابقة المتعلقة بخفض الوجود العسكري الأمريكي في محيطها.

السيناريو الثالث: انجرار “سلطنة عُمان” بصورة أكبر إلى المحاور العسكرية، بما قد يؤدي إلى فقدان أهم أوراقها الدبلوماسية كوسيط محايد، في ظل إدراكها أن قواعد اللعبة الإقليمية تغيرت بصورة جذرية.

نهاية عصر الوسيط..

لم يعد السؤال المطروح يدور حول إمكانية بقاء الوضع على ما هو عليه، بل أصبح يتعلق بالصراع على الهوية السياسية للمنطقة، فهل ستستمر واشنطن في قبول الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز، أم ستنجح في فرض معادلة تقوم على حرية الملاحة المطلقة بدعم خليجي وعُماني؟.. الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الخليج فحسب، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام العالمي لعقود مقبلة.

وما يبدو مؤكداً ..أن “سلطنة عُمان”، التي لطالما افتخرت بدورها كجسر للتواصل بين الشرق والغرب، تجد نفسها اليوم أمام خيار بالغ الصعوبة.. إما الانجرار إلى المحاور العسكرية وفقدان دورها التاريخي، أو مواصلة محاولة الحفاظ على حياد قد يصبح ثمنه باهظاً للغاية.

اترك تعليقا