“مصر” تتحرك لتخفيف كلفة تمويل مشروعات البنية الأساسية

آلية ضمان جديدة تستهدف جذب تمويل طويل الأجل بالعملة المحلية

تتحرك مصر لإعادة صياغة معادلة تمويل مشروعات البنية الأساسية، عبر تطوير آلية لضمان التمويل تستهدف جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل بالعملة المحلية، وتقليل الضغوط المباشرة على الموازنة العامة، مع توسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وتمويل مشروعات حيوية، خصوصًا في الطاقة المتجددة والمياه. ويأتي التحرك في وقت تحاول فيه القاهرة زيادة كفاءة استخدام الموارد العامة، وتحويل القطاع الخاص إلى شريك أكبر في تمويل التنمية بدل الاعتماد بصورة أساسية على الإنفاق الحكومي.

ضمانات بدلًا من التمويل المباشر..

قال أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ومحافظ مصر لدى مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، الأحد 6 سبتمبر، إن مصر تعمل على تطوير آلية لضمان تمويل مشروعات البنية التحتية من خلال «مرفق ضمان تمويل البنية التحتية في مصر» (IFGF)، بهدف تعبئة تمويلات طويلة الأجل بالعملة المحلية، وتخفيف الضغوط على الموازنة العامة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ المشروعات، خاصة في قطاعي الطاقة المتجددة والمياه.

وتقوم الفكرة على استخدام أدوات الضمان لتقليل المخاطر الائتمانية أمام الجهات الممولة والمستثمرين، بما يتيح توجيه مزيد من التمويل الخاص إلى مشروعات تمتد آجالها الاستثمارية لسنوات طويلة. وكانت الحكومة قد بحثت الآلية مع مجموعة البنك الدولي خلال الأشهر الماضية، حيث استهدفت المناقشات تعزيز قدرة القطاع الخاص على المشاركة في تطوير وتمويل مشروعات البنية التحتية من خلال أدوات تمويل وضمانات طويلة الأجل بالعملة المحلية.

ولا تعني الخطوة أن الحكومة تتخلى عن دورها في تمويل البنية الأساسية، وإنما تشير إلى تحول تدريجي في طبيعة هذا الدور؛ إذ يصبح توفير الضمانات والأطر التمويلية جزءًا من أدوات الدولة لجذب رأس المال الخاص، مع تحسين كفاءة استخدام الموارد العامة. وتبرز أهمية التمويل المحلي في الحد من مخاطر تقلبات سعر الصرف التي قد تواجه المشروعات المقترضة بالعملات الأجنبية، خصوصًا عندما تكون إيراداتها أو تدفقاتها النقدية بالجنيه المصري.

وتضع مصر المياه والطاقة والأمن الغذائي ضمن أولوياتها التنموية، وهو ما يفسر التركيز على مشروعات الطاقة المتجددة والمياه ضمن الآلية. كما سبق أن عرضت الحكومة تصورًا لمشروعات استرشادية للبنية الأساسية يمكن تنفيذها خلال الفترة من 2028 إلى 2038، بما في ذلك مشروعات للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومشروعات في الطاقة المتجددة، إلى جانب مشروعات بين شركات القطاع الخاص، خصوصًا في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.

إصلاح أوسع للاقتصاد..

تأتي الخطوة في إطار مسار أوسع يستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري وتحسين إدارة الاستثمارات العامة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن استمرار السياسة النقدية الملائمة، والانضباط المالي، وتسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، تمثل عناصر أساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات. وفي الوقت نفسه، يرى الصندوق أن خفض دور الدولة وخلق مساحة أكبر أمام الاستثمار الخاص ما زالا بحاجة إلى مزيد من التسريع.

وأظهرت أحدث مراجعة للصندوق أن الاقتصاد المصري حقق نموًا حقيقيًا قدره 5 بالمئة في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما بلغ النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية نحو 5.2 بالمئة. ورفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد خلال السنة المالية 2025/2026 إلى 4.6 بالمئة، قبل أن يتباطأ إلى 4.4 بالمئة في السنة المالية 2026/2027، نتيجة تأثيرات الحرب الإقليمية، وارتفاع تكاليف المدخلات، وضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف التمويل واستمرار حالة عدم اليقين.

ويعني ذلك أن تطوير قنوات تمويل محلية طويلة الأجل لا يرتبط فقط بتمويل مشروعات جديدة، وإنما يتقاطع أيضًا مع هدف أوسع يتمثل في تقليل تكلفة ومخاطر تمويل الاستثمار، في وقت تواجه فيه الشركات والمشروعات تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الاقتراض. ومن هذه الزاوية، يمكن للضمانات الائتمانية أن تساعد في تحسين شروط التمويل إذا نجحت في خفض المخاطر التي يتحملها المقرضون، من دون أن تتحول الضمانات الحكومية إلى التزامات مالية كبيرة على الدولة مستقبلًا.

ويرى الخبير الاقتصادي بلال شعيب أن التعاون بين مصر ومؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، يعكس ثقة في الإجراءات والإصلاحات التي نفذتها الدولة، مشيرًا إلى أن إصلاحات السياسة النقدية انعكست على استدامة موارد النقد الأجنبي وقدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات. كما أشار إلى انتقال التركيز تدريجيًا من مرحلة إنشاء البنية الأساسية وتطويرها إلى تعظيم العائد الاقتصادي من هذه الاستثمارات.

وفي الاتجاه نفسه، أكد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد أن الحكومة تستهدف تحفيز الاستثمارات المحلية لتعزيز الإنتاج وزيادة معدلات الادخار، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك شبكة واسعة من الشراكات والاتفاقيات التجارية مع أسواق وتكتلات في أفريقيا وآسيا وأوروبا، بما يمنح المستثمرين فرصة للتصنيع محليًا والتصدير إلى أسواق متعددة.

اختبار لنموذج التمويل..

تكمن أهمية الآلية الجديدة في أنها لا تستهدف توفير أموال إضافية للموازنة بقدر ما تسعى إلى تغيير الطريقة التي تُجمع بها الموارد اللازمة لتنفيذ مشروعات التنمية. فإذا نجحت الضمانات في جذب البنوك والمؤسسات الاستثمارية إلى مشروعات البنية الأساسية، يمكن للحكومة أن توسع نطاق المشروعات المنفذة مع تقليل الحاجة إلى تحمل التكلفة التمويلية كاملة من الموازنة منذ البداية.

لكن نجاح النموذج لن يقاس فقط بحجم التمويلات التي يمكن تعبئتها، وإنما بقدرة المشروعات على الوصول إلى الإغلاق المالي وبدء التنفيذ وتحقيق تدفقات نقدية تسمح بخدمة الدين وتغطية تكلفة التمويل. كما سيظل توزيع المخاطر بين الدولة والقطاع الخاص عاملًا حاسمًا؛ فكلما تحمل المستثمر مخاطر التشغيل والطلب والإيرادات بصورة حقيقية، اقترب النموذج من شراكة فعلية، بينما يؤدي نقل المخاطر بصورة واسعة إلى الدولة إلى تقليص أثر الآلية على المالية العامة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مشروعات المياه والطاقة المتجددة، التي تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة وفترات استرداد طويلة. فالتمويل بالعملة المحلية يمكن أن يخفف مخاطر سعر الصرف، لكن ارتفاع تكلفة الاقتراض المحلي يظل تحديًا أمام الجدوى الاقتصادية لبعض المشروعات. ومن ثم، تحتاج الآلية إلى الجمع بين الضمانات، وطول آجال التمويل، ووضوح الأطر التنظيمية، ونماذج تعاقدية قادرة على توزيع المخاطر بصورة متوازنة.

ويتزامن هذا التحرك مع اهتمام حكومي أوسع بإعادة تموضع مصر داخل سلاسل القيمة والإمداد العالمية. فقد أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في 6 سبتمبر عددًا جديدًا من مجلته «آفاق اقتصادية معاصرة» بعنوان «تغيرات في السياسات التجارية»، تناول التحولات المتسارعة في النظام التجاري العالمي والفرص التي تتيحها للاقتصادات الناشئة لإعادة التموضع داخل سلاسل القيمة والإمداد.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تمويل البنية الأساسية باعتباره جزءًا من استراتيجية اقتصادية أوسع، وليس مجرد أداة لتخفيف الضغط عن الموازنة. فالبنية الأساسية الحديثة، إلى جانب الطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية، تمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة مصر على جذب الاستثمارات الصناعية وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الخارجية.

ويبقى الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة في قدرة مصر على تحويل الآلية من إطار تمويلي وضماني قيد التطوير إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم تراكم التزامات طارئة غير محسوبة على الدولة. وإذا نجحت القاهرة في تحقيق هذا التوازن، فقد يصبح مرفق ضمان تمويل البنية التحتية إحدى الأدوات الرئيسية لإعادة توزيع أدوار الدولة والقطاع الخاص في تمويل التنمية، مع توسيع الاستثمار في قطاعات تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وآجال تمويل طويلة.

اترك تعليقا