مسيّرة مكة تفتح سؤال المستفيد من إشعال المنطقة
بعد استهداف محيط العاصمة المقدسة
- dr-naga
- 17 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الحوثيون, الدفاع السعودي, السعودية, المقدسات, مسيّرة جنوب مكة المكرمة, مسيّرة مكة المكرمة
أثار اعتراض الدفاع الجوي السعودي لطائرة مسيّرة جنوب مكة المكرمة، مساء 15 سبتمبر 2026، أزمة جديدة في المنطقة، بعدما أعلنت الرياض أن جماعة الحوثيين أطلقت المسيّرة باتجاه مكة قبل أن يجري اعتراضها وتدميرها خارج المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة. ووصفت السعودية الحادث بأنه اعتداء خطير واستفزاز لمشاعر المسلمين، مؤكدة أن أمن الحرمين الشريفين «خط أحمر».
لكن الرواية السعودية ليست الرواية الوحيدة. فقد نفى الحوثيون استهداف مكة، وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع إن عملياتهم تستهدف منشآت نفطية وقواعد عسكرية بعيدة عن المقدسات، كما وصف عضو المكتب السياسي حزام الأسد الاتهام بأنه «كذبة» سبق استخدامها. ولم تُنشر حتى الآن أدلة مستقلة علنية تحسم بصورة نهائية هوية الجهة التي أطلقت المسيّرة أو الهدف الذي كانت تتجه إليه.
وهنا تبرز نقطة شديدة الحساسية ينبغي ألا تُدفن تحت ضجيج الاتهامات المتبادلة: إذا كان الحوثيون لا يستهدفون مكة فعلاً، فمن أطلق المسيّرة، ولماذا اختار مساراً يمكن أن يُفهم منه أنها متجهة إلى أقدس مدينة في الإسلام؟
هذا السؤال لا يعني اتهام إسرائيل أو أي طرف آخر بالمسؤولية؛ فلا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تثبت أن إسرائيل أطلقت المسيّرة. لكنه سؤال مشروع في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، لأن حادثاً من هذا النوع يمكن أن يتحول بسهولة إلى شرارة تستثير أكثر من مليار مسلم، وتدفع السعودية إلى توسيع الحرب في اليمن، وتضع دولاً إسلامية أخرى أمام ضغوط شعبية وسياسية متزايدة.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن استهداف المقدسات، أو حتى خلق انطباع موثوق بأن المقدسات أصبحت هدفاً عسكرياً، يخدم بصورة موضوعية أي طرف يريد نقل الصراع من مواجهة سياسية وعسكرية محدودة إلى مواجهة دينية وإقليمية أوسع. ولذلك فإن التحقيق في مصدر المسيّرة ومسارها ونوعها وبياناتها الإلكترونية وبقاياها يجب أن يكون مستقلاً ودقيقاً، لا أن يكتفي بتبادل الاتهامات.
ومن بين الأطراف التي قد تطرحها التحليلات السياسية في هذا السياق إسرائيل، لكن طرح اسم إسرائيل يجب أن يبقى في إطار الفرضية التي تحتاج إلى دليل، لا باعتبارها حقيقة. والسؤال هنا ليس فقط: هل تستطيع إسرائيل تنفيذ مثل هذه العملية؟ بل: ما الذي يمكن أن تجنيه حكومة بنيامين نتنياهو إذا تحولت حادثة مكة إلى حرب إقليمية واسعة؟
أول مكسب محتمل هو تحويل مركز الاهتمام الدولي بعيداً عن غزة. فالحرب الإسرائيلية في القطاع ما زالت تضع حكومة نتنياهو أمام ضغوط سياسية وإنسانية ودبلوماسية كبيرة، وفي 16 سبتمبر الجاري تحدثت تقارير عن مقتل 21 فلسطينياً، بينهم أطفال، إثر انهيار مبنى سبق أن تضرر من غارة إسرائيلية. وفي الوقت نفسه تواجه إسرائيل نقاشات داخل الولايات المتحدة بشأن استمرار تزويدها بأسلحة شديدة التدمير.
المكسب الثاني المحتمل هو إعادة تقديم إسرائيل باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي في مواجهة خطر مشترك. فتصاعد الهجمات الحوثية على السعودية يمكن أن يدفع الرياض إلى إعادة تقييم احتياجاتها الدفاعية وعلاقاتها الأمنية. وقد ذهب تحليل نشرته «جيروزاليم بوست» في 16 سبتمبر إلى أن الخطر الحوثي قد يعيد إحياء التعاون الأمني غير المعلن بين إسرائيل والسعودية، فيما تشير دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن مسألة التطبيع السعودي الإسرائيلي أصبحت أكثر تعقيداً، وأن الحرب الإقليمية جعلت الرياض أكثر حساسية تجاه تكلفة الارتباط بإسرائيل.
أما المكسب الثالث فيتعلق بالحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو. فإسرائيل مقبلة على انتخابات في 27 أكتوبر 2026، وتظهر استطلاعات حديثة سباقاً غير محسوم، مع منافسة شديدة على تشكيل الائتلاف المقبل. كما تشير تقارير صحفية إلى أن نتنياهو يواجه ضغوطاً من داخل معسكر اليمين نفسه.
وفي مثل هذه البيئة، فإن استمرار التوتر الإقليمي يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أكبر لطرح خطاب الأمن والخطر الخارجي، وهو خطاب استخدمه نتنياهو وحلفاؤه في حملاتهم السياسية. لكن وجود فائدة سياسية محتملة لا يثبت أن نتنياهو أو إسرائيل تسببا في حادثة المسيّرة؛ فالفارق بين تحليل المستفيد وبين إثبات المسؤولية فارق جوهري في أي تحقيق صحفي.
وهناك احتمال آخر أكثر تعقيداً: أن يستفيد نتنياهو من إضعاف فرص التقارب السعودي مع أطراف إقليمية ودولية مستقلة عن إسرائيل. فالسعودية كانت قد جعلت القضية الفلسطينية والتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية جزءاً أساسياً من موقفها المعلن بشأن التطبيع مع إسرائيل، وفق تحليلات تشاتام هاوس. ولذلك فإن تحويل البيئة الإقليمية إلى بيئة أمنية مضطربة قد يعيد ترتيب الأولويات من القضية الفلسطينية إلى الدفاع الجوي ومواجهة التهديدات الإقليمية.
لكن المفارقة أن هذا السيناريو قد ينقلب على إسرائيل نفسها. فاستهداف مكة ـ أو ظهور إسرائيل بمظهر الطرف المستفيد من استهدافها ـ يمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً: توحيد الرأي العام الإسلامي ضد إسرائيل، وإسقاط أي فرص قريبة للتطبيع، ودفع السعودية وتركيا وباكستان ودول عربية وإسلامية أخرى إلى تنسيق أمني وسياسي لا تكون إسرائيل جزءاً منه.
وهذا ما يجعل الحادث أخطر من مجرد مسيّرة جرى اعتراضها. فالسعودية أعلنت أن المسيّرة دُمرت قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة، بينما أدانت منظمة التعاون الإسلامي الحادث باعتباره استفزازاً للمسلمين. كما توالت إدانات من دول إسلامية وعربية، في حين بقي النفي الحوثي قائماً.
وفي الوقت نفسه، تتسع الحرب اليمنية نفسها. فقد أعلن الحوثيون خلال الأيام الأخيرة هجمات على أهداف سعودية، بينما تحدثت تقارير عن امتداد سيطرتهم إلى أجزاء واسعة من ساحل البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي يهدد طرق الطاقة والتجارة الدولية. وتقول وكالة أسوشيتد برس إن السعودية تسعى حالياً للحصول على دعم دفاعي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر وسط نقص في صواريخ الاعتراض.
وهنا تتضح الصورة الأكبر: حادثة مكة تقع فوق برميل إقليمي من البارود؛ حرب في غزة، وتصعيد مع إيران، ومواجهة في اليمن، واضطراب في البحر الأحمر، وضغوط على أسواق الطاقة، وانتخابات إسرائيلية وشيكة. ولذلك فإن أي حادث غامض بالقرب من مكة يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة رسم التحالفات وإشعال جبهات جديدة.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: من المستفيد من إشعال حرب سعودية ـ حوثية واسعة، ومن المستفيد من تحويل الصراع السياسي والعسكري إلى صراع يمس مقدسات المسلمين؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال باتهام جاهز، وإنما بتحقيق تقني واستخباراتي مستقل يكشف نقطة إطلاق المسيّرة، ومسارها، ونوعها، ومنظومة توجيهها، ومن يملكها، وما إذا كانت الأدلة الموجودة تتطابق بالفعل مع الرواية السعودية أو الحوثية أو تكشف طرفاً ثالثاً.
وإذا ظهرت مستقبلاً أدلة موثوقة تثبت تورط جهة ثالثة، فسيصبح ذلك تحولاً بالغ الخطورة؛ لأن القضية عندها لن تكون مجرد هجوم على السعودية، وإنما عملية تهدف إلى استخدام قدسية مكة لإشعال غضب إسلامي واسع وإعادة تشكيل الحرب في الشرق الأوسط.
المصادر:
وكالة الأنباء السعودية، 16 سبتمبر 2026، بيان وزارة الخارجية السعودية بشأن المسيّرة.
الجزيرة، 16 سبتمبر 2026، تفاصيل اعتراض المسيّرة والروايتان السعودية والحوثية.
رويترز، 16 سبتمبر 2026، اعتراض المسيّرة جنوب مكة وتصريحات التحالف السعودي.
وكالة أسوشيتد برس، 16 سبتمبر 2026، تطورات الحرب ونقص منظومات الدفاع السعودية.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تحليل العلاقات السعودية ـ الأمريكية وآفاق التطبيع السعودي الإسرائيلي، 2026.
تشاتام هاوس، تحليل الموقف السعودي من الولايات المتحدة والتطبيع مع إسرائيل، أغسطس 2026.
أسوشيتد برس، سبتمبر 2026، الانتخابات الإسرائيلية وحسابات نتنياهو السياسية.
رويترز، 16 سبتمبر 2026، أحدث استطلاعات الانتخابات الإسرائيلية.
جيروزاليم بوست، 16 سبتمبر 2026، تحليل تأثير هجمات الحوثيين على العلاقات الأمنية السعودية الإسرائيلية.