مسجد يُستهدف كل خمسة أيام في بريطانيا

الإسلاموفوبيا الممنهجة

الرائد/ تحت وطأة إحصائية صادمة تكشف عن هجوم يستهدف مسجداً كل خمسة أيام، تدق الهيئات الحقوقية في بريطانيا ناقوس الخطر أمام موجة غير مسبوقة من “الإسلاموفوبيا”. لم تعد الاعتداءات مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت إلى تهديد أمني منظم يلاحق المصلين ويهدد سلامة دور العبادة. هذا التصاعد الخطير يضع قيم التسامح والتعايش في المجتمع البريطاني على المحك، وسط مطالبات عاجلة للحكومة بفرض إجراءات حماية صارمة ومحاسبة المحرضين قبل أن تتحول الكراهية إلى عنف لا يمكن السيطرة عليه.

حذرت مؤسسة بريتيش مسلم تراست (British Muslim Trust – BMT) من تصاعد مقلق في الاعتداءات التي تستهدف المساجد في بريطانيا، مؤكدة أن المساجد تواجه في الوقت نفسه تأخيرات طويلة في الحصول على التمويل الحكومي المخصص لتعزيز إجراءاتها الأمنية، رغم الارتفاع المستمر في جرائم الكراهية ضد المسلمين (الإسلاموفوبيا).وأوضحت المؤسسة أن بعض المساجد تضطر إلى الانتظار لأشهر للحصول على التمويل بعد تعرضها لاعتداءات، بسبب تراكم طلبات الدعم، في وقت يتزايد فيه شعور أفراد الجاليات المسلمة بالخوف وانعدام الأمان.

ارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين

وأظهرت أحدث بيانات وزارة الداخلية بشأن جرائم الكراهية الدينية التي سجلتها الشرطة في إنجلترا وويلز، والمنشورة في أكتوبر الماضي، أن جرائم الكراهية المعادية للمسلمين ارتفعت بنحو الخُمس، من 2690 جريمة خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في مارس 2024 إلى 3199 جريمة خلال العام المنتهي في مارس 2025.ويصادف هذا الأسبوع مرور عام على تعيين مؤسسة بريتيش مسلم تراست لتلقي تمويل من صندوق مكافحة الكراهية ضد المسلمين.

70 اعتداءً خلال عام

وثقت المؤسسة وقوع 70 اعتداءً على المساجد ودور العبادة الإسلامية في مختلف أنحاء بريطانيا خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يوليو، بمعدل هجوم واحد تقريبًا كل خمسة أيام.وشملت الاعتداءات أعمال تخريب وترهيب، من أبرزها تعرض مسجد بيسهافن في مقاطعة إيست ساسكس لهجوم بالحرق المتعمد في أكتوبر الماضي، إلى جانب إلقاء شرائح من لحم الخنزير المقدد (البايكون) أمام أحد المساجد في مدينة بريستول أثناء صلاة الجمعة، خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان في فبراير الماضي.كما رصدت المؤسسة تصاعدًا في الإساءات عبر الإنترنت، مشيرةً إلى أن المجتمعات التي تنشر تفاصيل الاعتداءات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعرض في بعض الأحيان لتهديدات بالقتل وتحريض على تنفيذ مزيدٍ من الهجمات.

حوادث أثارت قلقًا واسعًا

ولم تقتصر الحوادث على ما وثقته المؤسسة، إذ شهدت بريطانيا وقائع أخرى أثارت استنكارًا واسعًا، من بينها وضع مجسم لمسجد فوق إحدى نيران الاحتفالات التقليدية في إيرلندا الشمالية.كما مثل فتى يبلغ من العمر 14 عامًا أمام المحكمة في وقت سابق من هذا الشهر، بعد اتهامه بارتكاب جريمة مرتبطة بـالإرهاب اليميني المتطرف، إثر عثور الشرطة على خطة مزعومة لاستهداف مسجدين في منطقة ساتون جنوب لندن.وفي يوليو من العام الماضي، صدر بحق رجل حكم بالسجن مع وقف التنفيذ بعد إطلاقه فئرانًا خارج أحد المساجد في مدينة شيفيلد.

أنماط الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا

العنف المادي والاعتداء المباشر على المساجد والمؤسسات الإسلامية؛

حيث تحولت دور العبادة إلى أهداف متكررة لمحاولات الحرق العمد باستخدام قنابل المولوتوف، وتخريب الجدران بكتابة عبارات عنصرية تدعو لتهجير المسلمين، فضلاً عن تدنيس محيط هذه المراكز بإلقاء مخلفات الخنزير بقصد الإهانة الدينية وترهيب المصلين.
وفي الفضاء العام الشوارع ووسائل النقل.
استهداف النساء المسلمات كضحايا رئيسيات للعنف اللفظي والجسدي؛ إذ تشير التقارير إلى أن النساء اللاتي يرتدين الحجاب أو العباءة يتعرضن بشكل متزايد للمضايقات، ومحاولات نزع الحجاب قسراً، وتوجيه عبارات عدائية تطالبهن بالرحيل من البلاد، مما يحد من حريتهن في الحركة ويشعرهن بعدم الأمان في حياتهن اليومية.
التمييز المؤسسي والممنهج الذي يعيق اندماج المسلمين؛ حيث تواجه الجالية عقبات وتفرقة في بيئات العمل وفرص التوظيف، لا سيما في قطاعات حيوية مثل القطاع الصحي (NHS) الذي رصدت فيه ممارسات تمييزية ضد الأطباء المسلمين، بالتوازي مع تصاعد حالات التنمر والمضايقات العنصرية ضد الطلاب الأطفال داخل المدارس.
ويغذي هذه الممارسات على أرض الواقع نمط التنميط الإعلامي والتحريض الرقمي عبر الإنترنت؛ إذ تساهم بعض وسائل الإعلام البريطانية والمنصات الرقمية في شيطنة المسلمين عبر ربطهم المستمر بالظواهر السلبية والتطرف، ووصم احتجاجاتهم السلمية بالتهديد الخارجي، مما يخلق بيئة مشحونة بالكراهية الافتراضية تترجم سريعاً إلى اعتداءات فعلية في الواقع وتدفع المساجد لتنظيم تدريبات طوارئ لحماية روادها.
مطالب بتسريع صرف التمويل الأمني
وقالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بريتيش مسلم تراست، أكيلا أحمد، إن بعض المساجد تنتظر لأشهر للحصول على التمويل الحكومي بعد تعرضها للاعتداءات بسبب تراكم الطلبات.واقترحت نقل إدارة صندوق التمويل الأمني، البالغة قيمته 40 مليون باوند، من وزارة الداخلية إلى السلطات المحلية، وربما عبر سلطات رؤساء البلديات، بما يسهم في تسريع صرف الأموال للمساجد المحتاجة.في المقابل، أكدت الحكومة أنها تعمل على معالجة جميع طلبات التمويل بأسرع وقتٍ ممكن.

الحكومة: رفع التمويل إلى مستوى قياسي
من جهتها، قالت وزارة الداخلية إن المسلمين في بريطانيا يواجهون مستويات مقلقة من جرائم الكراهية الدينية، مؤكدةً أن من الضروري ألا يكونوا آمنين فحسب، بل أن يشعروا بالأمان أيضًا.وأضافت أن الحكومة رفعت التمويل المخصص لتعزيز الحماية الأمنية للمساجد والمدارس الإسلامية والمراكز المجتمعية إلى مستوى قياسي بلغ 40 مليون باوند خلال العام المالي 2026/2027، مؤكدةً أنها تعمل على معالجة جميع الطلبات بأسرع وقتٍ ممكن.

تعريف حكومي جديد للعداء ضد المسلمين
وفي مارس الماضي، كشفت الحكومة البريطانية عن تعريف غير ملزم قانونيًا للعداء ضد المسلمين ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز التماسك المجتمعي.وقال وزير شؤون المجتمعات ستيف ريد إن الحكومة تتحمل مسؤولية التصدي للمستويات القياسية من جرائم الكراهية ضد المسلمين، مشيرًا إلى أنه “لا يمكن معالجة مشكلة إذا تعذر وصفها.”ويهدف التعريف إلى حماية الأفراد من التحيز والتمييز والكراهية غير المقبولة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحق في حرية التعبير.

وبحسب التعريف، يشمل العداء ضد المسلمين التحريض على أو ارتكاب أعمال العنف أو التخريب أو المضايقة أو الترهيب ضد المسلمين بسبب دينهم، أو ضد من يُعتقد أنهم مسلمون، سواء استند ذلك إلى الدين أو العرق أو المظهر، كما يشمل الصور النمطية السلبية والتحريض على الكراهية والتمييز غير القانوني داخل المؤسسات عندما يكون الهدف منه الإضرار بالمسلمين في الحياة العامة أو الاقتصادية.

في الختام، إن مواجهة هجوم يستهدف مسجداً كل خمسة أيام في بريطانيا ليست مجرد قضية أمنية تخص الجالية المسلمة وحدها، بل هي اختبار حقيقي لسيادة القانون وقيم التعايش في المملكة المتحدة. إن الصمت أو التراخي في مواجهة هذا التصاعد المخيف لـ “الإسلاموفوبيا” يمنح الضوء الأخضر لخطاب الكراهية ليتغلغل أكثر في نسيج المجتمع. ولن يتوقف هذا النزيف إلا بتحرك حكومي حازم يتجاوز عبارات الإدانة التقليدية إلى تشريعات صارمة تحمي دور العبادة وتجتث جذور التطرف والعنصرية، قبل أن تحول الكراهية المنفلتة السلم الأهلي إلى رماد.

المصدر: independent+ مواقع اليكترونية+ مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا