محركات البحث هل ستتوقف عن إرسال الزوار إلى المواقع الإخبارية؟
مخاوف «Google Zero» لم تعد أوهام مع نسبة 43% انخفاض فعلي في الزيارات
- Ali Ahmed
- 26 أكتوبر، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات, تكنولوجيا
تواجه المؤسسات الصحفية والإخبارية تحولًا مهمًّا في طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار؛ فبدلًا من أن يكتب المستخدم كلمات البحث، ثم يضغط على رابط موقع إخباري لقراءة الخبر، أصبحت محركات البحث تطوّر واجهات تقدم ملخصات وإجابات مباشرة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وقد تتيح هذه الإجابات للمستخدم معرفة جانب كبير مما يبحث عنه دون زيارة الموقع الأصلي.
لكن يجب التمييز بين حقيقتين:
– تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث: خطر حقيقي تدعمه دراسات وبيانات منشورة عن تأثير ملخصات الذكاء الاصطناعي في سلوك المستخدمين وحركة الإحالة إلى المواقع.
– توقف محركات البحث توقف نهائي عن إرسال الزوار إلى المواقع الإخبارية.
المسألة إذن ليست بالضرورة أن محركات البحث ستغلق أبوابها أمام المواقع الإخبارية، بل إن عددًا متزايدًا من عمليات البحث قد ينتهي داخل محرك البحث نفسه، بدلًا من الانتقال إلى الموقع الذي نشر المعلومة.
وهذا التحول قد يغيّر اقتصاد الصحافة الرقمية، خصوصًا المؤسسات التي تعتمد على الزيارات والإعلانات والاشتراكات.
ماذا تقول الأرقام والدراسات؟
– معهد رويترز لدراسة الصحافة نشر تقريرا في يناير 2026 ، حيث أظهر استطلاع شمل 280 مسؤولًا رقميًّا وإعلاميًّا في 51 دولة وإقليمًا أن الناشرين يتوقعون انخفاض الزيارات القادمة من محركات البحث بنحو 43% خلال السنوات الثلاث التالية.
– بيانات Chartbeat التي أوردها معهد رويترز مقارنة بين شهري نوفمبر 2024 بنوفمبر 2025 أشارت إلى انخفاض إجمالي الزيارات القادمة من بحث Google إلى أكثر من 2,500 موقع عالمي بنسبة 33%، وبنسبة 38% في الولايات المتحدة.
ولا تثبت هذه الأرقام أن ملخصات الذكاء الاصطناعي وحدها سببت الانخفاض؛ فقد تتداخل عوامل أخرى، منها تغيّر ترتيب النتائج وسلوك المستخدمين.
– مركز بيو للأبحاث حلّل باحثوه بيانات تصفح 900 بالغ أمريكي خلال مارس 2025، شملت 68,879 عملية بحث في Google. وعندما ظهر ملخص ذكاء اصطناعي، نقر المستخدمون على رابط نتيجة تقليدية في 8% من الزيارات، مقابل 15% عندما لم يظهر الملخص. أما النقر على الروابط الواردة داخل الملخص نفسه فلم يحدث إلا في 1% من الزيارات.
-تراجع لدى الناشرين الصغار، موقع Axios نقلًا عن بيانات Chartbeat — 17 مارس 2026 حيث أفاد التقرير بأن إحالات محركات البحث التقليدية انخفضت خلال عامين بنسبة 60% لدى المواقع الصغيرة التي تستقبل بين ألف و10 آلاف مشاهدة صفحة يوميًّا، مقابل 47% لدى المواقع المتوسطة و22% لدى المواقع الكبيرة.
ماذا نستنتج من هذه الأرقام؟
الأرقام لا تصف ظاهرة واحدة بالضبط؛ فبعضها يقيس احتمال النقر بعد ظهور ملخص ذكي، وبعضها يقيس التغير الفعلي في الزيارات على مدى عام أو عامين، وبعضها يعرض توقعات مستقبلية.
لكنها تتفق على وجود مشكلة هيكلية: حتى إذا ظل الموقع ظاهرًا في نتائج البحث، فقد لا يحصل على عدد الزوار الذي كان يحصل عليه سابقًا. وقد تتضرر المواقع الصغيرة التي تعتمد على البحث أكثر من المؤسسات ذات العلامة التجارية القوية والجمهور المباشر.
هل تؤكد التطورات الأخيرة أن عصر الزيارات المجانية يقترب من نهايته؟
تكتسب التطورات المنشورة في أكتوبر 2026 أهمية خاصة؛ لأنها توضح أن المسألة تجاوزت مجرد توقعات مستقبلية، وأصبحت موضوعًا للنقاش المباشر بين Google والمؤسسات الصحفية.
-في 15 أكتوبر 2026 أعلنت Google عن تحديثات تهدف إلى جعل الروابط داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي أوضح وأكثر ظهورًا، وإبراز الأخبار الحديثة ومصادرها، وتسهيل الانتقال إلى المقالات ذات الصلة.
هذه الخطوة مهمة؛ لأنها تُظهر أن الشركة لا تعلن وقف إحالة الزوار إلى المواقع، بل تعمل على تطوير تجربة تجمع بين الإجابات المباشرة والروابط الخارجية. لكن الإعلان وحده لا يثبت أن هذه التغييرات ستعوض الناشرين عن الزيارات المفقودة.
– في 13 أكتوبر 2026 معهد رويترز يناقش مرحلة ما بعد تحسين محركات البحث، حيث نشر المعهد تقريرًا عن كيفية تعامل غرف الأخبار مع التحول إلى البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. ونقل عن بيانات Chartbeat أن الإحالات من Google Search إلى مئات الناشرين انخفضت بنسبة 40% بين يوليو 2025 ويوليو 2026.
ويناقش التقرير مخاوف تُعرف باسم «Google Zero»، أي احتمال أن تصبح Google أقل اعتمادًا على توجيه المستخدمين إلى المواقع وأكثر اعتمادًا على تقديم الإجابات داخل منصتها. والمصطلح هنا وصف لمخاوف واتجاه محتمل، وليس اسمًا لقرار رسمي بإيقاف الإحالات.
– 3 يونيو 2026، وتحديث 31 أغسطس 2026 — أدوات تحكم جديدة للناشرين
أعلنت Google عن أدوات جديدة تتيح لأصحاب المواقع متابعة ظهور صفحاتهم في تجارب البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما أعلنت عن إعداد للتحكم في ظهور محتواهم ضمن هذه التجارب.
ووفقًا للشركة، فإن المواقع التي تختار عدم الظهور في تجارب البحث التوليدي لن تحصل على زيارات أو مرات ظهور من تلك التجارب. ولا يعني ذلك أن الموقع سيختفي بالضرورة من نتائج البحث التقليدية؛ إذ ذكرت Google أن هذا الإعداد لن يكون عامل ترتيب في النتائج التقليدية.
الدلالة الصحفية: لم تعد القضية مجرد احتمال أن يقل عدد النقرات؛ بل أصبحت تتعلق بكيفية ظهور المحتوى الإخباري داخل إجابات المنصات، ومدى قدرة الناشر على التحكم في استخدام محتواه، وما إذا كان الظهور دون زيارة الموقع ذا قيمة تجارية كافية.
دليل تجريبي على تأثير الملخصات الذكية
في دراسة نُشرت على منصة SSRN في 3 أبريل 2026، ثم نُقحت في 8 يوليو من العام نفسه، أجرى الباحثان ساهارْش أغاروال وأنانيا سين تجربة ميدانية قارنت بين نتائج بحث Google بوجود ملخصات الذكاء الاصطناعي وغيابها.
أفادت الدراسة بأن ظهور ملخصات الذكاء الاصطناعي ارتبط، في ظروف التجربة، بالنتائج التالية:
– انخفاض النقرات العضوية إلى المواقع الخارجية بنسبة 39.8%.
– ارتفاع عمليات البحث التي لا تنتهي بالنقر إلى موقع خارجي بنسبة 34.5%.
– عدم ظهور تحسن قابل للقياس في تقييم المستخدمين لجودة البحث أو سهولة العثور على المعلومات.
لماذا تتضرر المواقع الإخبارية تحديدًا؟
هناك خمسة أسباب رئيسية تفسر حجم المخاوف في القطاع الصحفي.
1. اختفاء الحاجة إلى النقر : عندما يبحث المستخدم عن خلفية خبر أو تعريف شخصية أو شرح واقعة، يمكن للملخص الذكي أن يقدم إجابة أولية كافية له، فلا يفتح المقال الأصلي.
2. الضغط على الإيرادات الإعلانية : انخفاض مشاهدات الصفحات قد يقلل فرص عرض الإعلانات وإيراداتها، خصوصًا لدى المؤسسات التي تعتمد على حجم الزيارات أكثر من اعتمادها على الاشتراكات.
3. الاستفادة من المحتوى دون انتقال مماثل للجمهور : تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تلخيص معلومات منشورة في مواقع متعددة. لكن ظهور اسم المصدر أو رابط إليه لا يضمن أن المستخدم سينتقل لقراءة المادة كاملة.
4. تفاوت القدرة على مواجهة الأزمة : تستطيع المؤسسات الكبيرة تنويع مصادر دخلها وبناء جمهور مباشر، بينما قد تجد المواقع الصغيرة صعوبة أكبر في تعويض خسارة الزيارات القادمة من البحث.
5. تحديات الدقة والمساءلة : إذا عرض النظام معلومة خاطئة أو اقتطع سياقًا مهمًّا، فقد يتضرر فهم الجمهور، بينما تصبح مساءلة المصدر الأصلي أصعب عندما لا يزور المستخدم الموقع ولا يقرأ المادة كاملة.
ماذا ينبغي أن تفعل المؤسسات الإخبارية؟
الاستنتاج العملي من هذه البيانات ليس التخلي عن محركات البحث، وإنما تقليل الاعتماد على مصدر واحد للجمهور.
1. بناء جمهور مباشر: تطوير النشرات البريدية، والاشتراكات، والإشعارات، وتطبيقات المؤسسة، بحيث يستطيع الناشر الوصول إلى قرائه دون المرور بمحرك البحث في كل مرة.
2. الاستثمار في الصحافة الأصلية: التحقيقات الميدانية، والمعلومات الحصرية، والوثائق، والشهادات المباشرة، والتحليلات التي لا يمكن اختزال قيمتها في ملخص قصير.
3. تنويع قنوات التوزيع: استخدام الفيديو والمنصات الاجتماعية والصوتيات، مع تجنب استبدال التبعية لمحرك البحث بتبعية كاملة لمنصة أخرى.
4. قياس الظهور والنقرات معًا: متابعة الزيارات العضوية، ومعدل النقر، والزيارات المباشرة، والاشتراكات، وظهور المحتوى في إجابات الذكاء الاصطناعي.
5. مراجعة سياسات استخدام المحتوى: تقييم خيارات التحكم في ظهور المواد داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وموازنة احتمال خسارة بعض الظهور مقابل حماية المحتوى، مع دراسة شروط الترخيص والتعويض حيثما توافرت.
وتنسجم هذه التوصيات مع تقرير معهد رويترز لعام 2026، الذي أشار إلى توجه المؤسسات الإعلامية نحو الاستثمار في الصحافة الأصلية والفيديو والصوت وبناء علاقات مباشرة مع الجمهور.
أما بالنسبة إلى المؤسسات الإخبارية العربية، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم لم يعد فقط: «كيف نتصدر نتائج البحث؟» بل أصبح أيضًا: كيف نحول الظهور في البحث إلى علاقة مباشرة ومستدامة مع القارئ، بحيث لا تتوقف قدرتنا على الوصول إليه على قرارات منصة واحدة؟