محادثة إبستين.. إيهود باراك ونهاية الحلم الديموغرافي لإسرائيل

باراك يحذر من سيناريو يصفه بالانحدار السريع للكيان

لم تكن محادثة عابرة، ولا نقاشاً نظرياً في ندوة مغلقة. ما كشفه التسريب المنسوب إلى حديث مطوّل بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك والملياردير الأميركي جيفري إبستين، هو اعتراف صريح ومجرّد من الزينة بواحد من أعمق مخاوف المشروع الصهيوني: الخوف من البشر، من الأرقام، ومن المستقبل.

في هذا الحديث، الذي يُرجّح أنه جرى عام 2014، لا يظهر باراك كرجل دولة سابق فحسب، بل كأحد أبناء النخبة المؤسسة القلقة من فقدان السيطرة على “الدولة التي صمموها”، دولة يخشى أن تنقلب – خلال جيل واحد – إلى كيان بأغلبية عربية، أو مجتمع يهودي لا يشبه صورته الذهنية عن إسرائيل.

الكابوس الديموغرافي: دولة واحد.. وأغلبية عربية

يحذّر باراك في المحادثة من سيناريو يصفه بالانحدار السريع: دولة واحدة ثنائية القومية، تنتهي فيها “يهودية الدولة” ديموغرافياً، لا بفعل حرب أو هزيمة عسكرية، بل بفعل الزمن والولادات.

هذا الهلع ليس جديداً في الخطاب الإسرائيلي، لكنه هنا يُقال بوضوح غير مسبوق: الأغلبية العربية ليست احتمالاً بعيداً، بل مساراً شبه حتمي إن لم يتم “الاستيقاظ قبل فوات الأوان”. الديموغرافيا، في هذا المنطق، ليست علماً إحصائياً، بل تهديد وجودي يعادل الصواريخ والجبهات.

ليس العرب وحدهم: الحريديم داخل دائرة الخطر

المفاجأة في التسريب أن باراك لا يضع العرب وحدهم في خانة “الخطر الديموغرافي”، بل يوجّه سهامه أيضاً إلى الحريديم، اليهود المتدينين المتشددين، الذين يرى أنهم ينجبون أكثر من العرب، ويغيّرون شكل المجتمع الإسرائيلي من الداخل.

في هذا التصور، يصبح “الإسرائيلي الطبيعي” – العلماني، المنتج، المرتبط بسوق العمل – أقلية صامتة، بينما تتكاثر الفئات التي يراها عبئاً اقتصادياً وثقافياً. حديث باراك الساخر عن عدد الأطفال، وعن “فخ التأمين الوطني”، يكشف استخفافاً واضحاً بشرائح كاملة من المجتمع، وكأن الدولة مشروع خاص خرج عن سيطرة مهندسيه الأوائل.

كسر الحاخامية.. أم كسر المجتمع؟

حين يدعو باراك إلى كسر احتكار الحاخامية الأرثوذكسية لتعريف “من هو اليهودي”، لا يبدو الأمر إصلاحاً ليبرالياً خالصاً، بل محاولة لاستعادة السيطرة على بوابة الهوية. فمن يحدد اليهودية، يحدد من يحق له الانتماء، الزواج، الدفن، والهجرة.

الصراع هنا أعمق من مؤسسة دينية؛ إنه صراع على روح الدولة نفسها: هل تبقى إسرائيل دولة نخبوية علمانية ذات طابع غربي، أم تتحول إلى كيان محافظ، ديني، تقوده جماعات سكانية سريعة النمو لا تشبه صورة المؤسسين؟

“يمكننا أن نكون انتقائيين”: اعتراف طبقي بلا مواربة

أكثر مقاطع المحادثة صدمة هو حديث باراك عن الهجرة. فبعد أن يعترف بأن إسرائيل استوعبت يهود أفريقيا والعالم العربي بعد نكبة 1948، يضيف ببرود: “أما اليوم فيمكننا أن نكون انتقائيين”.

هنا يسقط القناع بالكامل. فالهجرة، التي لطالما قُدّمت كحق قومي لليهود، تتحول إلى عملية فرز واختيار، قائمة على “الكفاءة” و”مراقبة الجودة”. إنها إعادة إنتاج واضحة للتسلسل الهرمي العرقي الذي وضع اليهود الشرقيين في أسفل السلم، وكرّس تفوق النخبة الأشكنازية ثقافياً وسياسياً.

الروس نموذجاً: تغيير يمكن ضبطه

إشارة باراك إلى “المليون الروسي” تكشف الكثير. فهو يعترف بأن هذه الهجرة غيّرت إسرائيل جذرياً، لكنه يتحدث عنها كنموذج يمكن تكراره بشروط، وكأن المجتمع مختبر اجتماعي قابل لإعادة الضبط.

حتى التحول إلى اليهودية، في حديثه، ليس مسألة إيمان أو قناعة، بل أداة ديموغرافية يجب إدارتها “بذكاء ولطف”، وبما يخدم التوازن السكاني المطلوب.

توقيت خطير وأزمة أعمق

يكتسب هذا التسريب خطورته من توقيته. فإسرائيل تعيش اليوم أزمة مركّبة: انقسامات داخلية حادة، صراع على طبيعة النظام، وتراجع غير مسبوق في معدل النمو السكاني، كما أظهرت تقارير إسرائيلية حديثة.

الهجرة السلبية، وتراجع الخصوبة لدى العلمانيين، مقابل نمو مرتفع لدى الفلسطينيين والحريديم، تجعل من الديموغرافيا ساحة الصراع المركزية القادمة. ولهذا، لا تبدو سياسات التضييق على الفلسطينيين، ولا الهوس بتشجيع الهجرة اليهودية، إجراءات منفصلة، بل أجزاء من معركة واحدة: معركة على الأرقام، وعلى من يبقى ومن يُدفع إلى الهامش.

ما بعد التسريب: شهادة على عقل الدولة

في النهاية، لا تكشف محادثة إبستين–باراك مجرد آراء شخصية، بل تفضح طريقة تفكير نخبة كاملة ترى في السكان مشكلة يجب إدارتها، وفي المجتمع مادة قابلة للانتقاء والتشكيل.

إنه حديث عن “نهاية” لا تُقال علناً، لكنه حاضر في صلب السياسات الإسرائيلية. نهاية لا تأتي فجأة، بل تزحف بهدوء، طفلًا بعد طفل، وجيلاً بعد جيل.