محادثات إسلام آباد اختبار حاسم بين واشنطن وطهران

في محاولة لاحتواء حرب امتدت لأسابيع

تشهد إسلام آباد اليوم السبت لحظة مفصلية في تاريخ الصراع الإقليمي، مع انطلاق مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء حرب امتدت لأسابيع وأعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. هذه المحادثات، التي وُصفت بأنها “لحظة النجاح أو الفشل”، لا تعكس فقط رغبة في وقف التصعيد، بل تكشف عن صراع إرادات عميق بين طرفين يحملان تاريخاً طويلاً من عدم الثقة.

منذ اللحظة الأولى لوصول الوفود، بدا المشهد محمّلاً بالرمزية السياسية. فقد التقى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بحضور شخصيات نافذة مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

وفي المقابل، وصل الوفد الإيراني بقيادة محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في رسالة واضحة بأن طهران تتعامل مع هذه الجولة بأعلى مستوى سياسي ممكن.

أزمة ثقة متجذرة منذ عقود

رغم هذا الزخم، لم تُخفِ إيران شكوكها. فقد عبّر قاليباف بوضوح عن أزمة الثقة التاريخية، مشيراً إلى أن التجارب السابقة مع واشنطن “اتسمت بنكث الوعود”.

هذا الموقف يعكس إرثاً ثقيلاً منذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، مروراً باتفاق الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018، ما عمّق فجوة الثقة بين الجانبين.

شروط طهران وعقدة لبنان

المطالب الإيرانية بدت واضحة ومحددة: وقف إطلاق النار في لبنان، تخفيف العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأصول المجمدة.

هذه الشروط تعكس محاولة طهران ربط المسارات العسكرية بالسياسية، خصوصاً في ظل التصعيد بين حزب الله وإسرائيل. لكن واشنطن وتل أبيب ترفضان هذا الربط، ما يجعل نقطة لبنان إحدى أعقد العقد التفاوضية.

خطاب أمريكي بين التشدد والمرونة

في المقابل، تبنّى ترامب خطاباً حاداً، معتبراً أن إيران “لا تملك أوراقاً رابحة”، في إشارة إلى الضغط العسكري والاقتصادي المفروض عليها.

هذا التصريح يعكس استراتيجية أمريكية قائمة على التفاوض من موقع القوة، مستندة إلى التفوق العسكري والعقوبات، إضافة إلى الضغط عبر تعطيل إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تسبب في اضطراب غير مسبوق بأسواق الطاقة العالمية.

من جهته، أبدى فانس نبرة أكثر توازناً، حيث توقع “نتيجة إيجابية” لكنه حذر من محاولات المراوغة، ما يعكس توزيع أدوار تفاوضي داخل الإدارة الأمريكية.

باكستان وسيط يبحث عن دور دولي

الدور الباكستاني كان محورياً في هذه اللحظة. فقد سعت إسلام آباد، بقيادة شهباز شريف وبدعم من المؤسسة العسكرية بقيادة عاصم منير، إلى تقديم نفسها كوسيط موثوق.

ويقول وزير الخارجية محمد إسحاق دار إن بلاده تأمل في “انخراط بنّاء” يقود إلى حل مستدام، وهو ما يعكس طموح باكستان لتعزيز دورها الدبلوماسي إقليمياً ودولياً.

تفاوض على النفوذ لا الحرب

يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور كريم سليم أن “المفاوضات الحالية ليست فقط لوقف الحرب، بل لإعادة تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة”، مؤكداً أن ربط إيران بين لبنان والعقوبات “يعني أنها تفاوض على حزمة نفوذ كاملة”.

أما الخبيرة الأمريكية سارة جونسون، فتعتقد أن واشنطن قد تقدم تنازلات جزئية، خاصة فيما يتعلق بتخفيف محدود للعقوبات، إذا ضمنت تهدئة في مضيق هرمز.

في المقابل، يحذر المحلل الإيراني رضا موسوي من أن أي اتفاق بلا ضمانات حقيقية “سيكون مصيره الفشل”، مستحضراً تجارب سابقة.

ردود الفعل الدولية والقلق العالمي

دعت الأمم المتحدة إلى اغتنام الفرصة لتحقيق السلام، بينما أبدت عواصم أوروبية قلقها من انهيار المحادثات، لما لذلك من تأثير مباشر على أسواق الطاقة والأمن الإقليمي.

وفي الشارع العربي، تباينت التفاعلات بين التفاؤل الحذر والخشية من أن تكون هذه المفاوضات مجرد هدنة مؤقتة.

سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات

السيناريو الأول يتمثل في اتفاق مرحلي يشمل وقف إطلاق النار وتخفيفاً محدوداً للعقوبات، وهو الأكثر ترجيحاً.

أما السيناريو الثاني فهو فشل المفاوضات وعودة التصعيد، خصوصاً إذا تمسك كل طرف بمواقفه.

بينما يبقى السيناريو الثالث، الأقل احتمالاً لكنه الأكثر تأثيراً، هو التوصل إلى اتفاق شامل يعيد تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط.

اختبار إرادة السلام

في النهاية، تبدو مفاوضات إسلام آباد اختباراً حقيقياً لإرادة السلام. فبين لغة القوة الأمريكية وإصرار إيران على شروطها، يقف العالم أمام لحظة قد تحدد ليس فقط مصير الحرب الحالية، بل مستقبل المنطقة بأكملها.