ما في النفس من (علم النفس)!
د سامي عامري يكتب
- dr-naga
- 22 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الجسد, الصحة, الطب النفسي, العقل, النفس, علم النفس
أُثير على الشبكة الأسبوع الماضي جدلٌ واسع حول الطب النفسي وأثرِ ما هو غير ماديٍّ في الأمراض النفسية. وبعيدًا عن حواشي المسائل وتعقُّب التفاصيل، فوجئتُ بأن يكون موضعُ النزاع أصلَ الإقرار بأثر ما هو غير ماديٍّ فينا على الجسد والعقل والنفس، من جهتَي الصحّة والاعتلال.
ومنذ قرابة خمسة عقود طُرح البحثُ في (علم النفس الإسلامي)، وكانت لبعض المجتهدين محاولاتٌ لتأسيس منهج إسلامي، لكنّ المشروع لم يتقدّم كثيرًا؛ لأنّ المنهج التلفيقي السائد في هذه المباحث لا يُنتج رؤيةً جديدة، ولأنّ الأسئلة المطروحة تحتاج عقليةً متشبّعةً بالشريعة، وواعيةً بطبيعة البحث العلمي الغربي وخلفياته وحدوده. ثم إنّ الروّاد لم يجدوا بيئةً علمية تحتضن مشاريعهم الجادّة؛ فكان المشروع أقرب إلى الأماني.
والنقلُ المسطري للتجربة الغربية لن يُنتج إلّا تجربةً جديدة تحمل العلل نفسها، مع الاغتراب عن الرؤية الكونية الإسلامية. والجدل العلمي لن يُثمر على يد الاختزاليين والتبسيطيين؛ فالموضوع مركّب، وله خصوصية عالية في الرؤية الإسلامية.
والمشروع العلمي لا بدّ أن يتأسّس على الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأوّلية:
-ما الحدُّ الفاصل بين العلمي والفلسفي في علم النفس المعاصر؟ وهو سؤالٌ يُقصد به التمييز بين إنجازات علم الأعصاب والكيمياء العصبية والتصوير العصبي الوظيفي (وهي أمور ثبت نجاحها في فهم الظواهر الفسيولوجية) وبين ما هو موقفٌ فلسفي يعود إلى الرؤية المادية الصمّاء.
-وهل الطبيعانية المنهجية ضمانةٌ تمنع دخول الخرافة إلى العلم، أم هي تأسيسٌ لرؤية لادينية للإنسان؟
-وهل هناك فاصلٌ حقيقي بين الطبيعانية المنهجية والطبيعانية الأنطولوجية؟ بمعنى: هل يمكن أن يتعاطى الطبيبُ مع المريض باعتبار علّته ماديةً صرفة وعلاجِه ماديًّا صرفًا، مع احتفاظه بإيمانه الديني بعوالم الغيب؟
-وما الفارق العملي بين الطبيب الملحد والطبيب الذي يؤمن بأمور غيبية لا يراها ناجعةً في فهم العالم رغم منصوص الوحي على خلاف ذلك؟
– وكيف يحمي الطبيب جهدَه من الوهم الذي قد ينشأ عن إقحام عوامل غير مادية لا تقبل الرصد العلمي؟ وما حدود استدعاء الغيبي في فهم المادي، مع إقرارنا بأثر الأسباب المادية والغيبية في حركة هذا العالم؟
– وكيف يتحقق التكامل الحقيقي بين التوصيف المادي وغير المادي للظاهرة الواحدة؟
هذه أسئلة جادّة لا بدّ أن تنطلق من داخل رؤية كونية إسلامية، ومنهجيةٍ قادرة على الإفادة من العلمي وتمييز الأيديولوجي منه. وهذا مجالٌ للاجتهاد الجماعي بين المتخصصين، دون انسحاقٍ أمام الرؤية اللادينية للإنسان المادي.
إنّ الاحتفاء بشعار (العلم في مواجهة الخرافة) في هذا المقام، موقفٌ ساذج؛ لأنه مصادرة على المطلوب أصلًا. فإنّ السؤال الأوّلي هو: ما العلم؟ وتلك مشكلة الترسيم (demarcation) التي لا تزال تُرهق فلاسفة العلوم.
ووضعُ العالِم إيمانَه خارج غرفة الدرس ليس حيادًا، وإنما هو انحياز للرؤية المادية الصرفة. كما أنّ إنكار الأسباب المادية مكابرةٌ في جحد المحسوس.
إنّ أسلمة الوعي مشروع كبير يستكشف فيه الإنسانُ العالَم من زاويته الكونية، ولا يتخلى فيه عن رؤيته لصالح رؤيةٍ تصادمها. وأما (الرؤية من لا مكان) (view from nowhere) فخرافة.
(وقد تحدثتُ عن بعض أصول هذه المسائل في كتاب: العِلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان)
#حتى_لا_تكون_فتنة
