ما بعد الحرب الإيرانية.. كيف تتغير معادلة النفط؟

الأسواق تتخوف من مخاطر جيوسياسية دائمة حتى بعد الحرب

تتجه أسواق النفط العالمية نحو مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل “موازين الطاقة الدولية”، مع تزايد الحديث والأنباء عن اتفاق أمريكي–إيراني مرتقب، يهدف إلى إعادة فتح “مضيق هرمز” واستئناف “المحادثات النووية”، في خطوة قد تضخ ملايين البراميل الإضافية إلى الأسواق العالمية بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الاضطراب والتوتر العسكري.

ووفق تقرير معمق نشره موقع “أكسيوس الأمريكي”، فإن هذا التحول يأتي في وقت بالغ الحساسية، بعدما أدت الحرب والتوترات الإقليمية إلى استنزاف المخزونات النفطية العالمية بوتيرة قياسية، ما جعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات ورفع مستوى القلق بشأن أمن الإمدادات، ورغم التفاؤل الحذر بإمكانية عودة الملاحة عبر “مضيق هرمز”، إلا أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها لن تكون سريعة أو سهلة على الإطلاق، فشركات الشحن ومالكو الناقلات ما زالوا يواجهون حالة من الضبابية تتعلق بمستوى الأمان داخل المضيق، إلى جانب احتمالات فرض رسوم جديدة على السفن العابرة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية.

ويرى محللون متخصصون، أن أي ترتيبات جديدة قد تمنح إيران نفوذًا اقتصاديًا إضافيًا، خاصة إذا مضت في “فرض رسوم عبور” على ناقلات النفط، وهو ما قد يدر على البلاد “مليارات الدولارات سنويًا”، دون أن يشكل عبئًا كبيرًا على شركات الطاقة العالمية مقارنة بقيمة الشحنات المنقولة، وفي المقابل.. تتوقع “وكالة الطاقة الدولية” أن تحتاج الأسواق إلى “عدة أشهر” قبل استعادة تدفقات التصدير بشكل مستقر، خصوصًا بعد الأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد وتراجع إنتاج بعض دول الخليج خلال الأزمة.

كما دفعت التطورات الأخيرة العديد من الدول الخليجية إلى تسريع مشاريع البنية التحتية البديلة للمضيق، تحسبًا لأي اضطرابات أو إغلاقات قد تعطل صادرات النفط العالمية، ففي السعودية.. يعد خط أنابيب “شرق–غرب” من أبرز هذه البدائل، إذ ينقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتكون الوجهة “أوروبا” أو “أميركا” عن طريق “قناة السويس” أو “سوميد”، بطاقة تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، ما يمنح الرياض قدرة على تصدير جزء كبير من إنتاجها بعيدًا عن “مضيق هرمز”.

أما الإمارات العربية المتحدة، فقد طورت خط أنابيب حبشان–الفجيرة أو مايعرف “خط غرب-شرق” حيث ينقل النفط من حقول أبوظبي الغربية إلى ميناء الفجيرة شرقًا، المطل على بحر العرب، متجاوزًا بذلك المضيق بالكامل، بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، فيما تعمل أبوظبي حاليًا على زيادة قدرات التصدير، عن طريق توسعة هذا الخط، ومضاعفة الطاقة التصديرية عبر الفجيرة إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، وتعزيز قدرة التخزين والمرافئ النفطية في الفجيرة.

وفي العراق، تعتمد بغداد جزئيًا على خط أنابيب “كركوك–جيهان” الذي ينقل النفط إلى “ميناء جيهان التركي” على البحر المتوسط، رغم التحديات الأمنية والتشغيلية التي واجهها خلال السنوات الماضية، كما تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز دور موانئها الواقعة خارج “مضيق هرمز”، خاصة “ميناء الدقم” المطل على بحر العرب، كمركز إقليمي لتخزين وتصدير النفط، بينما تواصل الكويت وقطر دراسة خيارات لوجستية إضافية تحسبًا لأي تصعيد مستقبلي في المنطقة، وتعكس هذه المشاريع إدراكًا متزايدًا لدى دول الخليج بأن أمن الطاقة العالمي لم يعد يعتمد فقط على حجم الإنتاج، بل أيضًا على تنويع مسارات التصدير وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمضيق.

وفي الولايات المتحدة، بدأت شركات النفط الصخري بالفعل في تعديل خططها الاستثمارية للاستفادة من ارتفاع الأسعار وتشديد السوق، وسط توقعات بزيادة الإنتاج الأمريكي خلال العام المقبل إلى مستويات قياسية جديدة، ورغم احتمالات انفراج الأزمة، يؤكد خبراء الطاقة أن الأسواق دخلت مرحلة مختلفة عنوانها “المخاطر الدائمة”، حيث باتت التوترات الجيوسياسية عنصرًا ثابتًا في تسعير النفط، ما قد يُبقي الأسعار مرتفعة حتى في حال استقرار الإمدادات، وبين احتمالات التهدئة واستمرار الحذر، يبدو أن العالم يقف أمام عامل حاسم هو مدى قدرة السوق على استيعاب “عدم اليقين”، يقف أمام “نظام نفطي جديد” تُعاد فيه صياغة قواعد التجارة والطاقة والنفوذ الجيوسياسي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.