ما الذي تخطط له إسرائيل للفلسطينيين؟
مخطط لتغيير الوضع في فلسطين بشكل جذري
- mabdo
- 21 فبراير، 2026
- تقارير
- الضفة الغربية, غزة, فلسطين
تشكل السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وفي غزة جزءاً من رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تغيير الوضع في فلسطين بشكل جذري بطريقة يصعب التراجع عنها.
تشير الإجراءات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، إلى جانب سلسلة متواصلة من التصريحات التي لم يسبق لها مثيل في وتيرتها منذ بدء الحرب في غزة قبل عامين ونصف تقريبًا، إلى استراتيجية إسرائيلية متماسكة تجاه الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وتجاه القضية الفلسطينية ككل.
من خلال تتبع هذه الأفعال والتصريحات، التي تكشف مجتمعةً عن النوايا الكامنة، يُمكننا كشف النقاب عن النهج الإسرائيلي المتكامل تجاه الفلسطينيين. لا يُمكن اعتبار السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وفي غزة، سياساتٍ مؤقتة أو عابرة، بل هي جزءٌ من رؤية استراتيجية متكاملة موجهة نحو الفلسطينيين ومستقبل وجودهم على أرضهم في كلا المنطقتين.
لا يمكن فهم التطورات في الضفة الغربية بمعزل عما يجري في غزة. وتهدف هذه التطورات مجتمعة إلى ترسيخ واقع يصعب تغييره، مع تمهيد الطريق أمام خطط أعلن عنها مسؤولون إسرائيليون بصراحة غير معتادة.
تتجلى التحولات السريعة في ظل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال أدوات تُستخدم على نطاق واسع وبدرجة غير مسبوقة من التزامن. ومن أبرز هذه التحولات التدمير الواسع النطاق للبنية التحتية في المدن والقرى الفلسطينية، ليس فقط في غزة، بل أيضاً بشكل متزايد في الضفة الغربية، بما في ذلك المنطقتين (أ) و(ب) الخاضعتين لإدارة السلطة الفلسطينية.
في خضم الأزمة الداخلية المتفاقمة في إسرائيل، والناجمة عن الخلافات حول الميزانية وقانون الإعفاء من التجنيد الإجباري، وتهديدات أحزاب الائتلاف بإسقاط الحكومة، يناضل نتنياهو للحفاظ على تماسك حكومته. وفي حال فشل إقرار الميزانية أو حلّ الكنيست، ستُجرى انتخابات مبكرة. وبموجب القانون الإسرائيلي، يجب إجراؤها قبل نهاية أكتوبر من هذا العام.
لذا، يسعى نتنياهو إلى تهيئة الظروف التي ستمكنه من البقاء في منصبه. وفي الوقت نفسه، يواصل صراعاته على جبهات متعددة، أبرزها مع لبنان، حيث لا يزال يهدد بنزع سلاح حزب الله، ومع إيران، حيث يصر على أن إسرائيل لن تسمح له بإعادة تنظيم صفوفه، ومع الفلسطينيين، الذين يشن ضدهم حملة مفتوحة في غزة والضفة الغربية.
لقد بات من الواضح أن نتنياهو وحكومته اليمينية يسعون إلى استغلال تحالفهم الحالي مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تدعم بقوة السياسات الإسرائيلية، لترسيخ واقع في فلسطين يصعب تغييره في المستقبل.
لا يزال حزب الليكود بزعامة نتنياهو متصدراً استطلاعات الرأي الرئيسية في إسرائيل، حيث تتراوح التوقعات بحصوله على ما بين 26 و31 مقعداً، مما يجعله الحزب الأكبر والأكثر ترجيحاً لتشكيل الائتلاف الحكومي المقبل. وبينما تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة انخفاضاً طفيفاً في شعبية الليكود، وتراجعاً ملحوظاً في شعبية حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، حافظت الأحزاب الحريدية المتشددة، شاس وتوراة اليهودية الموحدة، إلى جانب حزب القوة اليهودية اليميني المتطرف بزعامة إيتامار بن غفير، على استقرار نسبي.
تتجلى هذه التوجهات في ظل تيار أوسع في الرأي العام الإسرائيلي. وتشير استطلاعات رأي متعددة إلى أن ما بين 57 و59 بالمئة من اليهود الإسرائيليين يعارضون قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف. بينما يؤيد ما بين 58 و70 بالمئة توسيع السيادة والسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، في حين يؤيد 42 بالمئة ضمّها دون منح الفلسطينيين حقوقاً متساوية.
أجندة غزة: انتهت أزمة الرهائن في غزة فعلياً بعد عودة آخر جثة رهينة إسرائيلية، مما أنهى المرحلة الأولى من خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة.
بحسب الخطة، تهدف هذه المرحلة الجديدة إلى معالجة مستقبل إدارة قطاع غزة ووضع الأسس لإعادة إعماره. وقد أوضح نتنياهو أن أي خطوة نحو إعادة بناء غزة مشروطة بنزع سلاحها، عارضاً ما وصفه بمسارين: مسار “أسهل” عبر الامتثال الطوعي، أو مسار “أصعب” بالقوة.
كما أصرّ على أن إسرائيل لن تسمح للسلطة الفلسطينية بالعمل في غزة، وأنها ستحتفظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على الأراضي الممتدة “من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط”، بما في ذلك قطاع غزة تحديداً. وقد صوّر هذه السيطرة كضمانة لأمن إسرائيل. وتترافق هذه المواقف مع إصرار نتنياهو المتكرر على عرقلة قيام دولة فلسطينية.
أعلنت الحكومة الإسرائيلية سابقاً أنها لن تموّل أو تنفذ عملية إعادة الإعمار بنفسها، وهو موقف يتنصل عمداً من مسؤوليتها عن الدمار الذي لحق بالقطاع. في الوقت نفسه، أمضت القوات الإسرائيلية الشهرين الماضيين في تسوية الأراضي وتجريفها في جنوب قطاع غزة، ومواصلة إزالة الأنقاض على نطاق واسع، لا سيما في شرق رفح.
في يوليو الماضي، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه أصدر تعليمات للجيش بتجهيز مخيم في رفح لإيواء سكان غزة. وتأتي هذه التحركات وسط نقاش متزايد حول خطط إسرائيلية لإنشاء مخيم كبير للفلسطينيين جنوب القطاع، مزود بتقنيات مراقبة متطورة، إلى جانب تصريحات إسرائيلية متكررة تُشير إلى رغبتها في مغادرة أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين غزة.
تطرق نتنياهو مؤخراً إلى مسألة معبر رفح، قائلاً إنه سيكون “مفتوحاً في كلا الاتجاهين”، مؤكداً أنه لا توجد نية لمنع أي فلسطيني من مغادرة القطاع. وفي الوقت نفسه، أوضح أنه لن يكون هناك “وصول مفتوح” إلى غزة. سيخضع الفلسطينيون لتفتيش إسرائيلي دقيق، بينما يحتفظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة الأمنية الكاملة على رفح.
أما فيما يتعلق بالأوضاع على الأرض في غزة، فبالرغم من وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر من العام الماضي، إلا أن القصف والاعتداءات والقتل والتدمير ما زالت مستمرة في جميع أنحاء القطاع، الذي لا يزال معظمه تحت السيطرة الإسرائيلية. ويواجه الفلسطينيون في غزة، الذين دمرهم عامان من الهجمات الإسرائيلية، قيوداً مشددة على حركتهم، إلى جانب مراقبة أنشطتهم على الإنترنت واتصالاتهم الهاتفية من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية.
تنتشر القوات الإسرائيلية في شمال وجنوب قطاع غزة، في مناطق تشمل بيت حانون ورفح، وكذلك على طول مناطقه الشرقية، مما يُجبر المدنيين على ترك منازلهم والتجمع في المناطق الغربية باتجاه الساحل. وقد حدث هذا إما تحت وطأة القصف المتواصل والدمار، أو بموجب أوامر إخلاء. وتسعى إدارة ترامب إلى نزع سلاح غزة، وقد حذر ترامب نفسه من “عواقب وخيمة” في حال رفض مقاتلو حماس والفصائل الأخرى إلقاء أسلحتهم.
تستعد غزة، بالتالي، لفترة من المصاعب الجسيمة والمخططات المعقدة. فالسعي الحثيث لحصر سكان غزة في الجزء الغربي الضيق من القطاع، واستمرار شلل أي عودة إلى الحياة الطبيعية، واستكمال تسوية الأراضي في رفح تمهيداً لاستقبال الفلسطينيين النازحين، والظروف المتنامية التي تحكم إعادة فتح معبر رفح، كلها تشير إلى أن مرحلة حاسمة قد بدأت تتكشف، تهدف إلى تحديد مستقبل سكان غزة الفلسطينيين.
ويحدث هذا وسط توسع سيطرة القوات الإسرائيلية على الأراضي وجهودها لتأمين الأمن في المستقبل.
إن ما يجري في غزة يُعدّ إعادة هندسة شاملة للقطاع، أمنياً وديموغرافياً، بطرق تهدف إلى استبعاد أي شكل حقيقي للسيادة الفلسطينية. ويتجلى ذلك في ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح غزة، إلى جانب رفض أي دور سياسي أو إداري للسلطة الفلسطينية أو حماس.
بدلاً من ذلك، يجري الترويج لهيئة إدارية فلسطينية تكنوقراطية تقتصر على تقديم الخدمات، وتُبنى وفق معايير أمريكية وإسرائيلية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى وعد إعادة الإعمار كالتزام إنساني بقدر ما يُنظر إليه كأداة للضغط السياسي والأمني. تُدمج المعاناة الإنسانية اليومية الناجمة عن الحرب في استراتيجية أوسع، تسعى إلى تحقيق أهداف إسرائيل المعلنة من خلال إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي على الأرض.
لا تقتصر أهداف إسرائيل في غزة على السيطرة على الأراضي والهيمنة الأمنية فحسب، بل تشمل أيضاً إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع. وتشير خطط إخلاء المناطق المكتظة بالسكان، وحصر السكان في مناطق محدودة، وإنشاء مخيمات مراقبة في أقصى جنوب القطاع قرب الحدود المصرية، إلى استراتيجية تتجاوز بكثير مجرد إدارة السكان المدنيين.
أجندة الضفة الغربية: لقد تصاعدت السياسات والإجراءات الإسرائيلية الموجهة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل مطرد منذ وصول الحكومة اليمينية الحالية بقيادة نتنياهو إلى السلطة في نهاية عام 2022.
أصبحت هذه السياسات أكثر وضوحاً في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023 في العام التالي، وأصبحت قابلة للتنفيذ بشكل متزايد مع عودة ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، وهو تحول رحب به وأيده نتنياهو وأعضاء حكومته وقاعدتهم السياسية علناً.
مع أن هذه الإجراءات لا تنفصل عن السياسات الهيكلية التي رسّختها السلطات الإسرائيلية تدريجياً في الضفة الغربية على مدى العقود الماضية، إلا أن تطورها الأخير قد جمعها في منظومة متماسكة. وبالنظر إليها ككل، فإنها تُحدد رؤية إسرائيل الناشئة لمستقبل الضفة الغربية، وهي رؤية لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن رؤيتها لمستقبل غزة.
يبدو أن السلطات الإسرائيلية تنتهج سياسة مدروسة تهدف إلى تقويض مكانة السلطة الفلسطينية، وإضعافها اقتصادياً، مع تجريدها تدريجياً من صلاحياتها الإدارية في المناطق الخاضعة لسيطرتها اسمياً. ويتجلى ذلك أيضاً في التوغلات العسكرية المتواصلة في المدن والبلدات الفلسطينية، سواءً لأغراض الاعتقالات أو عمليات الهدم أو استعراض القوة، إلى جانب تسارع وتيرة هجمات المستوطنين على أرواح وممتلكات الفلسطينيين.
في مثل هذه الظروف، تضاءلت قدرة السلطة السياسية على الاستجابة، ناهيك عن فرض السيطرة، بشكل مطرد.
في الضفة الغربية والقدس الشرقية، سعت السلطات الإسرائيلية إلى خنق عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). فقد هُدم مقرها في القدس، ومُحي وجودها هناك فعلياً، وسُحبت منها امتيازاتها في الضفة الغربية.
تعرضت مخيمات اللاجئين لهجمات مباشرة، حيث دُمرت المدارس والعيادات الصحية والمنازل، ونُزح عشرات الآلاف من الفلسطينيين قسرًا من هذه المخيمات. تُمثل هذه الإجراءات ضربة قاصمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين والحقوق المرتبطة بها، وهي جزء من جهد أوسع لإنهاء نضال دام عقودًا بشروط يمليها المحتل، وإنكار حقوق السكان الأصليين.
يُعدّ التصعيد خطيراً بشكل خاص في مخيمات اللاجئين الواقعة في المناطق المصنفة ضمن المنطقة (أ)، والتي تُدار اسمياً من قبل السلطة الفلسطينية. وتُشير عمليات الهدم الجماعي والتهجير القسري التي نُفذت هناك إلى تحول خطير، يُنذر باتخاذ إجراءات أكثر قسوة في المستقبل.
إن الارتفاع الحاد وغير المسبوق في عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا وجُرحوا واعتُقلوا وسُجنوا خلال هذه الفترة يُشير إلى سياسة إسرائيلية جديدة. ويعكس هذا الارتفاع استهتاراً عميقاً بأرواح الفلسطينيين ومستقبلهم، وهو واقع لا ينفصل عن الجرائم المرتكبة ضد مئات الآلاف من المدنيين في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة.
تقويض السلطة الفلسطينية: إن نشر نقاط التفتيش والبوابات الحديدية مؤخراً، والتي تقطع الاتصال الجغرافي بين المدن والقرى في جميع أنحاء الضفة الغربية وتشل الحياة اليومية للفلسطينيين، لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تهدف بشكل مباشر إلى تقويض مكانة السلطة الفلسطينية نفسها وتعقيد حياة الشعب.
يقف اقتصاد الضفة الغربية اليوم على حافة الانهيار. فقد فرضت هذه الحواجز، وما تُسببه من ازدحام مزمن، اضطراباً اقتصادياً حاداً على السكان. وتزامن ذلك مع إلغاء معظم تصاريح العمل للفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر، والذين يتجاوز عددهم مئة ألف عامل. ونتيجةً لذلك، فقدت الضفة الغربية ما يقارب خُمس دخلها.
في الوقت نفسه، استهدفت إسرائيل السلطة الفلسطينية عمداً عبر ضغوط اقتصادية، إذ تواصل حجب عائدات المقاصة التي تمثل أكثر من ثلثي ميزانية السلطة. بدأت المرحلة الأخيرة من هذه السياسة تدريجياً عام ٢٠١٩، ثم تصاعدت بشكل حاد بعد ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣، مبررة بذرائع متغيرة وغير مقنعة. ونتيجة لذلك، تراكمت الديون، وحُرم الموظفون العموميون والمتقاعدون، الذين يتجاوز عددهم مئة ألف، من رواتبهم كاملة لسنوات.
تتضح الصورة أكثر مع إغراق إسرائيل البنوك الفلسطينية بفائض الشواقل، ومنعها في الوقت نفسه من تحويل هذا الفائض أو التصرف فيه. فمن خلال فرض قيود مشددة على التحويلات المالية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، تُخنق السلطات الإسرائيلية النظام المالي برمته. كما تُعيق هذه الإجراءات قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه شركات الطاقة والكهرباء والمرافق الإسرائيلية، مما يُفسر النقص المتكرر في إمدادات هذه الخدمات الأساسية للفلسطينيين.
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تمارس ضغوطًا متواصلة لإضعاف السلطة الفلسطينية، مسترشدةً برؤيتين متنافستين تتبناهما فصائل مختلفة داخل الائتلاف الحاكم. الرؤية الأولى يتبناها نتنياهو والمؤسسة العسكرية، وهي لا تعارض استمرار وجود السلطة، بل تعارض تقليص صلاحياتها بشكل حاد وتجريدها من سلطاتها حتى في حدود اتفاقية أوسلو. من شأن هذا الترتيب أن يحرم السلطة من التمثيل الشعبي الفعال، وهو عنصر أساسي في الدولة، في عملية تتكشف بالفعل تدريجيًا.
أما الرؤية الثانية فيتبناها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يرفض السلطة الفلسطينية رفضاً قاطعاً ويدعو إلى إنهاء دورها بالكامل. وبدلاً من ذلك، يقترح نموذجاً يقوم على منح الفلسطينيين المحصورين في المناطق المكتظة بالسكان في الضفة الغربية شكلاً من أشكال الحكم الذاتي المحدود. ورغم اختلافهما، يتفق النهجان على هدف مشترك، وهو هدف يُشابه إلى حد كبير ما تسعى إسرائيل إلى فرضه في غزة.
الفكرة الأساسية هي السماح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم اليومية، ولكن فقط ضمن القواعد والشروط التي يمليها الاحتلال.
التوسع الاستيطاني: تتكشف هذه التطورات في ظل مسار إسرائيلي واضح نحو الضم الكامل للضفة الغربية، وهو مسار تسعى إسرائيل من خلاله إلى تسوية مسألة فرض السيادة على الأرض عملياً حتى بدون إعلان رسمي.
على مدى العامين الماضيين، تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بشكل فاق المراحل السابقة، مما يمثل تحولاً نوعياً لا استمراراً للوضع الراهن. منذ البداية، صُمم مشروع الاستيطان في الضفة الغربية كعملية تدريجية وهيكلية. وعلى مدى عقود، صاغ هذا المشروع واقعاً جديداً يمنح الأولوية للمستوطنين اليهود الوافدين على حساب السكان الفلسطينيين الأصليين.
فشلت اتفاقيات أوسلو في تغيير هذا المسار، بل على العكس، رسّخته بتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث فئات إدارية، حيث صُنّفت معظم أراضيها كمنطقة (ج) ووضعت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ورغم أن هذه الترتيبات كان من المفترض أن تكون مؤقتة، ومقتصرة على فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي عام ١٩٩٩، إلا أن السيطرة الإسرائيلية لم تستمر فحسب، بل توسعت وتعمقت في السنوات اللاحقة.
على مدى العامين الماضيين، لم تصدر السلطات الإسرائيلية أي ترخيص بناء للفلسطينيين في المناطق المصنفة كمنطقة “ج”. وفي الوقت نفسه، تقوم بهدم المنازل والمؤسسات التي تم بناؤها بدون تراخيص بشكل منهجي – والتي من المستحيل عملياً على الفلسطينيين الحصول عليها في هذه المناطق.
تجاوزت أوامر الهدم السنوية التي تستهدف المباني الفلسطينية في المنطقة (ج) الألف أمر. ويتكرر نمط مماثل في القدس الشرقية، حيث تتصاعد عمليات مصادرة الأراضي والهدم بشكل يشكل تهديداً خطيراً للنسيج الديموغرافي الفلسطيني للمدينة.
في القدس أيضاً، بدأت السلطات الإسرائيلية بتنفيذ مشروع E1 المتعثر منذ فترة طويلة، وهو مشروع جُمّد لعقدين من الزمن بسبب معارضة أمريكية ودولية. ويؤدي هذا المشروع فعلياً إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين، وفصل المدينة عن المناطق الفلسطينية المحيطة بها، ووضع مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية.
ما وراء أوسلو: تشير القرارات التي أصدرها المجلس الوزاري الأمني والسياسي الإسرائيلي قبل أيام إلى تحول نوعي في إدارة الضفة الغربية. فما كان يُوصف لفترة طويلة بأنه نموذج “إدارة عسكرية مؤقتة” يفسح المجال الآن لسيطرة مدنية وقانونية راسخة.
إن تداعيات هذه القرارات بعيدة المدى: فوضع الأراضي والممتلكات، ونطاق صلاحيات السلطة الفلسطينية، وجدوى حل الدولتين، بل وحتى الطابع القانوني للاحتلال نفسه، كلها أمور ستتأثر. ولكن على الرغم من خطورتها، فإن هذه القرارات لا تأتي بمعزل عن غيرها، بل تعكس سلسلة متصلة، بدءًا من السياسات العسكرية والاستيطانية التي سبقت اتفاقية أوسلو، مرورًا بالنهج الأمني والتوسعي الذي تلاها، وصولًا إلى التصعيد الحاد الذي شهده الوضع مؤخرًا منذ نهاية عام 2022 مع صعود حكومة نتنياهو اليمينية.
يشير المسار إلى فرض واقع حاسم في الأراضي الفلسطينية، واقع يصعب عكسه بشكل متزايد.
تركز القرارات الإسرائيلية بشكل خاص على إلغاء القانون الأردني الساري قبل عام 1967 الذي كان يحظر بيع الأراضي في الضفة الغربية لغير الفلسطينيين. ويُتيح إلغاؤه الآن للإسرائيليين الاستحواذ على الأراضي الفلسطينية في المنطقة. كما تُجيز هذه الإجراءات فتح ونشر سجلات الأراضي الفلسطينية، التي كانت مغلقة سابقًا أمام الإسرائيليين. وتُسهّل هذه الخطوة عمليات البيع والشراء، والمراقبة المنهجية لإجراءات الملكية من قِبل السلطات الإسرائيلية.
في الواقع، بات بالإمكان الآن إخضاع الأراضي الفلسطينية للإطار القانوني الإسرائيلي الذي ينظم الملكية وتسجيل الأراضي، ما يدمجها في نظام السجل العقاري الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، توسع هذه القرارات صلاحيات السلطات الإسرائيلية لتطبيق القانون الإسرائيلي في المناطق المأهولة بالفلسطينيين. فقد نُقلت صلاحيات التخطيط والبناء في بعض المناطق الفلسطينية إلى هيئات إسرائيلية، بما في ذلك في الخليل والمنطقة المحيطة بالمسجد الإبراهيمي. ويُمكّن هذا التحول إسرائيل من تحديد نطاق وحدود التنمية العمرانية الفلسطينية، بينما يفتح الطريق أمام التوسع الاستيطاني في مواقع لم يكن مسموحاً فيها بهذا التوسع سابقاً.
كما توسع هذه القرارات سلطة إسرائيل في تنظيم الشؤون البيئية والآثار والموارد المائية، وحتى مخالفات البناء في المنطقتين (أ) و(ب)، وهما منطقتان تخضعان، بموجب اتفاقية أوسلو، لإدارة السلطة الفلسطينية. عملياً، يُجرّد هذا القرار السلطة من صلاحياتها الإدارية الأساسية في أراضٍ كانت مصنفة رسمياً ضمن نطاق اختصاصها.
تأتي هذه الخطوات في سياق مسار إسرائيلي راسخ: تقليص الطابع العسكري العلني للحكم في الضفة الغربية المحتلة، مع تعزيز نظام السيطرة المدنية والإدارية على الفلسطينيين. وقد سبق أن تم تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين المقيمين في الضفة الغربية؛ وما يحدث الآن يشير إلى ترسيخ تدريجي لهياكل الحكم الإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة، نحو شكل أكثر ديمومة ومنهجية للحكم.
تُعدّ هذه الإجراءات بمثابة تغيير أحادي الجانب لإطار أوسلو. وباعتبارها اتفاقية ثنائية، تقوم أوسلو على التزامات متبادلة، ويثير أي تغيير جوهري يفرضه أحد الطرفين تساؤلاً قانونياً حول ما إذا كان للطرف الآخر الحق في الانسحاب من الاتفاقية.
على نحوٍ متناقض، قد تُعزز القرارات الإسرائيلية الحجة القانونية الفلسطينية القائلة بأن الإطار الانتقالي الذي أرسته اتفاقية أوسلو قد استنفد غرضه فعلياً. إلا أنها لا تُغير من الوضع الأساسي المتمثل في تقليص السيادة المفروضة بالاحتلال. فالسيادة، في الحالة الفلسطينية، تستمد جوهرياً من التمثيل الشعبي، من شعب يعيش تحت الاحتلال، وليس من الصلاحيات الإدارية المحدودة التي تُحددها الترتيبات المؤقتة.
تؤثر هذه الإجراءات على الحدود الوظيفية للحوكمة التي مُنحت للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو، ولا تلغي الأساس القانوني الأوسع الذي تقوم عليه الشرعية الفلسطينية.