ماكرون يسعى لصفقة رافال تاريخية بالهند

في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مومباي في مستهل زيارة تستمر ثلاثة أيام، واضعًا في صدارة جدول أعماله تعميق الشراكة الدفاعية مع الهند. وتتصدر المشهد صفقة محتملة لشراء 114 مقاتلة «رافال» من شركة داسو للطيران، في خطوة وُصفت بأنها قد تكون «عقد القرن» للعلاقات الثنائية. ويرافق ماك٩رون في الزيارة سعيٌ لتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والتصنيع المشترك، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة.

الهند، التي يقود حكومتها رئيس الوزراء ناريندرا مودي، تبدو حريصة على تنويع مصادر تسليحها وتقليص اعتمادها التقليدي على روسيا. ويأتي ذلك بينما تسعى باريس إلى تثبيت موطئ قدم أوسع في أكبر سوق دفاعي ناشئ، مستفيدة من سجل سابق شمل 36 مقاتلة «رافال» للقوات الجوية و26 للبحرية.

«عقد القرن» بين الطموح الصناعي والحسابات السياسية

يرى كريستوف جافريلو، المتخصص في الشأن الهندي، أن الصفقة المحتملة التي قد تبلغ قيمتها نحو 30 مليار يورو «إنجاز بارز» سيكرّس الثقة المتبادلة. ويقول إن تصنيع «معظم» الطائرات داخل الهند يمنح الصفقة بعدًا صناعيًا يتجاوز مجرد الشراء، إذ يعزز برنامج «صنع في الهند» ويخلق وظائف وسلاسل توريد محلية.

من جهته، يعتبر المحلل الدفاعي الهندي أميت كاوشيك أن «نقل التكنولوجيا» سيكون الاختبار الحقيقي. ويوضح أن نيودلهي لن تكتفي بالتجميع النهائي، بل تسعى إلى تعميق المحتوى المحلي وبناء قدرات صيانة وتحديث مستقلة. ويضيف أن نجاح المفاوضات مع «داسو» سيعتمد على مرونة شروط التصنيع ونسب المكوّنات الهندية.

أما في باريس، فيشير مسؤولون إلى أن التفاؤل قائم بإمكانية التوصل إلى اتفاق «تاريخي». ويرى خبير الصناعات الجوية الفرنسي جان-لويس بيرو أن الصفقة، إن أُبرمت، ستعزز مكانة فرنسا كشريك موثوق لا يفرض قيودًا سياسية صارمة على الاستخدام، مقارنةً ببعض الموردين الآخرين.

من المروحيات إلى الذكاء الاصطناعي: توسيع قاعدة الشراكة

لا تقتصر الزيارة على الطائرات المقاتلة. فقد افتتح مودي وماكرون عبر الفيديو خط تجميع نهائي لمروحيات «H125» في ولاية كارناتاكا، في مشروع مشترك بين «تاتا» الهندية وشركة إيرباص. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس انتقال الشراكة من البيع إلى التصنيع المشترك طويل الأمد.

كما تتجه الأنظار إلى قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي، حيث تسعى فرنسا إلى التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الصناعية. وتقول الباحثة الهندية في سياسات التكنولوجيا شروتي مالهوترا إن «التكامل بين القدرات البرمجية الهندية والخبرة الفرنسية في الأنظمة المعقدة قد يخلق قيمة مضافة كبيرة»، خصوصًا في مجالات الدفاع والأمن السيبراني.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 15 مليار يورو سنويًا، فيما يناهز الاستثمار الفرنسي المباشر في الهند 13 مليار يورو. ويرى اقتصاديون أن أي صفقة كبرى في قطاع الطيران ستدفع الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدين إلى شراكات أوسع في سلاسل الإمداد.

حسابات الجغرافيا السياسية: روسيا، الصين وأمريكا

تأتي الزيارة في سياق حساس دوليًا. فالهند لم تُدن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وواصلت شراء النفط الروسي، ما أثار انتقادات غربية. ويقول جافريلو إن «تقليص الاعتماد العسكري على موسكو يمنح نيودلهي هامش مناورة أوسع سياسيًا»، حتى لو استمرت في موازنة علاقاتها مع جميع الأطراف.

من جانبه، يرى الخبير في شؤون آسيا باسكال بونيفاس أن باريس تنظر إلى الهند كشريك محوري في موازنة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ. ويضيف أن «تعميق التعاون الدفاعي يبعث رسالة استراتيجية تتجاوز الصفقة نفسها».

في المقابل، يحذر محللون هنود من الإفراط في التفاؤل. فالمفاوضات التقنية والمالية قد تطول، والبرلمان الهندي سيخضع الشروط للتدقيق، خاصةً في ما يتعلق بالكلفة والجدول الزمني. ومع ذلك، يتفق معظم المراقبين على أن «الانسجام الشخصي» بين ماكرون ومودي يسهّل تجاوز العقبات.

في المحصلة، تبدو زيارة ماكرون اختبارًا لقدرة البلدين على تحويل التقارب السياسي إلى شراكات صناعية عميقة. فإذا أُنجزت صفقة «الرافال» بشروط تصنيع محلي واسعة، فقد تعيد رسم خريطة التعاون الدفاعي في آسيا، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الفرنسية–الهندية تتجاوز السلاح إلى التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.