ليبيريا تبدأ مرحلة جديدة في ملف العدالة الانتقالية

محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات

الرائد// فتحت ليبيريا مرحلة جديدة في ملف العدالة الانتقالية بعد أن أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان اليوم الجمعة أن البلاد تمضي نحو محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات التي وقعت خلال حروبها الأهلية، بالتوازي مع خطوات لمواجهة الفساد وتعزيز حقوق العمال في الاقتصاد غير الرسمي.

وتأتي الخطوة بعد أكثر من عشرين عاماً على انتهاء الحروب الأهلية الليبيرية، التي خلفت آلاف الضحايا ودماراً واسعاً في مؤسسات الدولة، فيما ظل ملف محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الكبرى مفتوحاً لسنوات طويلة.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة إلى أن ليبيريا تتحرك حالياً باتجاه إنشاء آليات لمحاكمة جرائم الحرب، إلى جانب إجراءات تستهدف الفساد، وهو تحول مهم في بلد ظل يعاني من صعوبة تحقيق العدالة في الملفات المرتبطة بالحرب والسياسة.

وتكمن أهمية التطور في أن العدالة الانتقالية لا تتعلق فقط بمعاقبة المسؤولين السابقين، وإنما تهدف أيضاً إلى إعادة بناء ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. فغياب المحاسبة بعد الحروب يمكن أن يترك شعوراً دائماً بالإفلات من العقاب، ويضعف قدرة الدولة على منع تكرار الانتهاكات.

وتربط الأمم المتحدة بين هذا المسار وبين إصلاحات أوسع في مجال حقوق الإنسان والحوكمة، بما في ذلك مكافحة الفساد وحماية حقوق العاملين في القطاع غير الرسمي.

وهذا الجانب الأخير مهم بالنسبة إلى الاقتصاد الليبيري، إذ يعتمد عدد كبير من المواطنين على أعمال غير رسمية تفتقر في كثير من الحالات إلى الحماية القانونية والاجتماعية الكافية.

وتحاول السلطات، وفق العرض الأممي، توسيع نطاق الحماية لتشمل هذه الفئات، بما يعكس انتقال النقاش من العدالة المرتبطة بالحرب فقط إلى مفهوم أوسع للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لكن التحدي أمام ليبيريا سيكون في تحويل هذه الالتزامات إلى مؤسسات تعمل بصورة مستقلة. فمحاكم جرائم الحرب ومكافحة الفساد تحتاج إلى قضاء قادر على العمل بعيداً عن الضغوط السياسية، وإلى موارد مالية، وإلى حماية للشهود والضحايا.

كما أن فتح ملفات تعود إلى فترة الحرب قد يواجه مقاومة من شخصيات أو شبكات سياسية واقتصادية ما زالت تمتلك نفوذاً داخل البلاد.

ولهذا فإن نجاح المسار لن يقاس بمجرد إعلان إنشاء آليات قضائية، بل بعدد القضايا التي تصل فعلياً إلى المحاكم، ومدى استقلال التحقيقات، وقدرة الدولة على تنفيذ الأحكام.

وتحمل التجربة الليبيرية أهمية تتجاوز حدود البلاد، لأن عدداً من الدول الأفريقية التي خرجت من حروب أهلية تواجه السؤال نفسه: هل يمكن تحقيق الاستقرار من دون محاسبة المتورطين في الانتهاكات؟

وتشير الأمم المتحدة إلى أن ليبيريا تتحرك في الوقت نفسه على ملفات الإصلاح ومكافحة الفساد وحقوق الإنسان، ما يجعل المرحلة الحالية اختباراً لمدى قدرة الدولة على تحويل انتهاء الحرب إلى بناء مؤسسات أكثر قوة.

والأهم أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى تصفية سياسية؛ فنجاح العدالة الانتقالية يتطلب معايير قانونية واحدة تطبق على جميع المتهمين، بعيداً عن الانتماء السياسي أو النفوذ أو موقع الشخص في السلطة.

وبذلك تدخل ليبيريا مرحلة حساسة: فبعد مرور أكثر من عقدين على انتهاء الحرب، تعود قضية العدالة إلى الواجهة، لكن هذه المرة ضمن مشروع أوسع لإصلاح الدولة ومواجهة الفساد وتوسيع الحقوق. وإذا نجحت هذه العملية بصورة مستقلة وشفافة، فقد تمثل خطوة مهمة في ترسيخ المؤسسات ومنع الإفلات من العقاب.

المصادر:

مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، «ليبيريا تتحرك نحو المساءلة: محاكم جرائم الحرب وإصلاح مكافحة الفساد وحقوق العاملين في القطاع غير الرسمي»، 14 أغسطس 2026.

اترك تعليقا