لماذا يدخل الغربيون الإسلام ويبتعد أبناؤه؟

الجيل الثاني و الثالث.. شمس تُشرق وأبناءٌ يغتربون

رغم أن السنوات الأخيرة شهدت دخول أعداد متزايدة من الأوروبيين والأميركيين إلى الإسلام، سواء بدافع البحث الروحي أو الاقتناع الفكري أو التأثر بالقيم الأسرية والاجتماعية للمسلمين، فإن هذا التقرير يرصد جانباً آخر أقل تناولاً في الإعلام، وهو بعض مظاهر وأسباب الخروج من الإسلام أو الابتعاد عنه بين المسلمين الجدد وبعض أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في أوروبا. ومع ذلك، يبقى الإسلام بالنسبة لكثيرين ديناً جاذباً لأنه يقدم إجابات عن الأسئلة الوجودية الكبرى، ويمنح شعوراً بالسلام النفسي والانضباط الروحي، ويملأ فراغاً روحياً تعاني منه مجتمعات غربية عديدة في ظل تصاعد النزعة الفردية والعزلة الاجتماعية.

الإسلام ما يزال من أكثر الأديان نمواً عالمياً

تقرير “Religious Switching into and out of Islam” الصادر عن مركز Pew Research Center الأميركي في مارس 2025 أشار إلى أن الإسلام ما يزال من أكثر الأديان نمواً عالمياً، لكنه لفت أيضاً إلى وجود حركة خروج أو تراجع عن الالتزام الديني بين بعض المسلمين في الغرب، خاصة بين المولودين في بيئات أوروبية علمانية أو بين المعتنقين الجدد الذين يواجهون صعوبات اجتماعية وثقافية بعد التحول الديني. (pewresearch.org)

الباحث الإيطالي ستيفانو ألييفي Stefano Allievi، أحد أبرز المتخصصين في “الإسلام الأوروبي”، كتب في دراسته الحديثة “The New Faces of European Islam” المنشورة عبر Springer عام 2025 أن كثيراً من المسلمين الجدد يدخلون الإسلام نتيجة بحث روحي عميق أو رغبة في إيجاد معنى للحياة، لكن بعضهم يصطدم لاحقاً بـ”ثقل العادات الاجتماعية” داخل بعض المجتمعات الإسلامية المحلية، أو يشعر بأنه انتقل من عزلة ثقافية إلى عزلة أخرى. ألييفي يرى أن المشكلة ليست غالباً في العقيدة نفسها، بل في صعوبة الانتقال الاجتماعي الكامل من بيئة إلى أخرى. (link.springer.com)

الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالمؤسسات الدينية التقليدية

وفي دراسة بعنوان “Religious Identity among Second and Third Generation Muslims in Europe” نشرتها الباحثة الروسية ليديا أندريفا Lydia Andreeva خلال 2025، جرى تحليل التحولات الدينية بين أبناء المهاجرين المسلمين في فرنسا وألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية. الدراسة خلصت إلى أن الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالمؤسسات الدينية التقليدية، وأكثر تأثراً بالقيم الفردية الأوروبية، خصوصاً في المدن الكبرى والجامعات. (journals.rcsi.science)

أما الباحث البريطاني من أصل تركي تولغا تزجان Tolga Tezcan، فقد نشر دراسة حديثة في مجلة Ethnic and Racial Studies خلال 2025 اعتمدت على بيانات مشروع EURISLAM الأوروبي، وركزت على أبناء المهاجرين المسلمين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا. الدراسة أوضحت أن الجيلين الثاني والثالث يعيشان حالة تفاوض مستمرة بين الهوية الدينية ومتطلبات الاندماج الاجتماعي، وأن هذا الصراع يدفع بعض الشباب إلى الابتعاد عن الممارسة الدينية أو الاكتفاء بهوية “مسلمة ثقافياً” دون التزام فعلي. (sciencedirect.com)

وفي فرنسا، التي تضم أكبر تجمع مسلم في أوروبا الغربية، تشير نقاشات ديموغرافية وأكاديمية حديثة إلى ارتفاع نسبة أبناء المهاجرين المغاربة والجزائريين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم “غير متدينين”. بيانات جرى تداولها في أوساط بحثية أوروبية خلال 2025 أظهرت أن نحو ثلث أبناء المهاجرين من أصول مغاربية في فرنسا لا يمارسون الشعائر الإسلامية بانتظام أو لا يعتبرون الدين عنصراً مركزياً في هويتهم الشخصية. (reddit.com)

المسلمون الجدد و الهوية الثقافية الغربية 

الباحثة الفرنسية آن صوفي لامين Anne-Sophie Lamine، المتخصصة في علم اجتماع الأديان، تؤكد في تحليلاتها الحديثة أن بعض المعتنقين الجدد للإسلام يواجهون ضغوطاً قوية من الأسرة والمحيط الاجتماعي، خصوصاً في فرنسا وبلجيكا، حيث يُنظر أحياناً إلى التحول للإسلام باعتباره خروجاً عن “الهوية الثقافية الغربية” للعائلة. وتوضح أن كثيراً من حالات العودة عن الإسلام لا تأتي نتيجة نقاشات لاهوتية، بل بسبب العزلة الاجتماعية أو فقدان العلاقات العائلية أو صعوبة التكيف مع البيئة الجديدة.

وفي ألمانيا وهولندا والسويد، رصدت مراكز أبحاث الاندماج خلال 2024 و2025 ظاهرة ما يسمى “العلمنة الصامتة”، حيث يحتفظ بعض أبناء المهاجرين المسلمين بالهوية الإسلامية شكلياً لكنهم يبتعدون تدريجياً عن الممارسة الدينية. الباحثون ربطوا ذلك بارتفاع مستويات التعليم والاستقلال الاقتصادي وتراجع تأثير الأسرة التقليدية.

الصورة السلبية عن الإسلام في الإعلام الأوروبي

أما المسلمون الجدد، فتشير تقارير اجتماعية إلى أن بعضهم يدخل الإسلام بحماس روحي كبير، لكنه يواجه لاحقاً تحديات تتعلق بالعادات اليومية أو العلاقات الأسرية أو الصورة السلبية عن الإسلام في الإعلام الأوروبي. دراسة لمركز Bridge Initiative الأميركي خلال 2025 تحدثت عن حالات لمعتنقين جدد عادوا إلى أنماط حياتهم السابقة بعد تعرضهم لضغوط نفسية أو اجتماعية، خصوصاً في البيئات التي تشهد تصاعداً في الإسلاموفوبيا.

الإسلام ما يزال يجذب أعداداً متزايدة

وفي المقابل، تؤكد أغلب الدراسات أن هذه الظاهرة لا تعني تراجع جاذبية الإسلام في الغرب. فالباحث ستيفانو ألييفي يرى أن الإسلام ما يزال يجذب أعداداً متزايدة من الباحثين عن المعنى الروحي والانضباط الأخلاقي، خاصة في المجتمعات الغربية التي تعاني من تصاعد العزلة الفردية والقلق النفسي. كما يشير تقرير Pew Research Center إلى أن الإسلام يظل من أسرع الأديان نمواً ديموغرافياً على مستوى العالم، وأن غالبية المسلمين في أوروبا ما زالوا محافظين على هويتهم الدينية بدرجات متفاوتة.

وتخلص الدراسات الحديثة إلى أن ظاهرة الخروج من الإسلام في أوروبا مرتبطة غالباً بعوامل اجتماعية وثقافية وضغوط بيئية أكثر من ارتباطها بالجانب العقائدي المباشر، سواء لدى أبناء المهاجرين أو لدى المعتنقين الجدد، في وقت يستمر فيه الإسلام في جذب فئات أخرى تبحث عن اليقين الروحي والمعنى الوجودي والاستقرار النفسي.

مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا