لماذا لا يحب الانجليز ترامب؟
محمود عبد الغني يكتب
- dr-naga
- 1 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الانجليز, بريطانيا, ترامب, محمود عبد الغني, نفور البريطانيين من دونالد ترامب.
في عام 2021، وُجّه سؤال للأكاديمي والكاتب الإنجليزي “نيت هوايت” حول سبب نفور البريطانيين من دونالد ترامب. وقد شكّلت ترجمة إجابته تحدياً، لكنكم أيها القراء تستحقون هذا العناء:
“يفتقر ترامب إلى العديد من الصفات التي نعتز بها تقليدياً في بريطانيا. فهو يخلو من اللياقة، والكاريزما، والهدوء، والرزانة، والمصداقية، والإنسانية، وخفة الظل، والدفء، والحكمة، والحنكة، والحس المرهف، والوعي الذاتي، والتواضع، والشرف، وأي ذوق رفيع. ومن مفارقات القدر أن سلفه باراك أوباما كان يتسم بكل هذه الصفات ويغدقها ببذل وسخاء.
وبالتالي، فإن هذا التباين الصارخ يجعل عيوب ترامب بارزة بشكل مُحرج ومُزعج.
علاوة على ذلك، نحن البريطانيين نُحب الضحك. ورغم أن ترامب قد يبدو مضحكاً (بالمعنى الذي يُضحك الناس عليه)، إلا أنه لم يأتِ قط بكلمة ساخرة، أو ظريفة، أو تحمل أدنى ذرة من الفكاهة – ولا حتى لمرة واحدة. وأنا لا أقول ذلك مبالغة، بل أقصده حرفياً: ولا مرة واحدة على الإطلاق. وهذه الحقيقة تُقلق الحس البريطاني للغاية، فنحن نرى أن من يفتقر إلى حس الفكاهة يكاد يفتقر لإنسانيته.
لكن في حالة ترامب، هذه هي الحقيقة. فهو لا يدرك حتى ماهية النكتة؛ ففكرته عن الدعابة تنحصر في تعليق سوقي، أو شتيمة جاهلة، أو موقف تنمر عادي.
ترامب هو ‘مُتَنمِّر إلكتروني’ (Troll). وكأي متنمر، لم يكن مضحكاً قط، ولم يضحك قط؛ فهو إما أن يبكي أو يسخر بشكل بشع.
والمُفزع أكثر، أنه لا يتحدث بالشتائم الجلفاء والغبية فحسب، بل إنه يفكر بهذه الطريقة أيضاً. فعقله يشبه خوارزمية روبوتية بسيطة، تتكون من أحكام مسبقة تافهة، وخبث آلي. لا يوجد أي عمق، أو سخرية، أو تعقيد، أو تمييز بين الفروق الدقيقة. كل شيء فيه سطحي.
وربما يرى بعض الأمريكيين في هذا ‘صراحة بلا مواربة’ وميزة إيجابية. أما نحن، فنراه إنساناً جوفاء من الداخل، بلا روح.
وفي بريطانيا، نحن دائماً في صف ‘داود’ لا ‘جالوت’. فأبطالنا هم دوماً المظلومون الشجعان: روبن هود، وديك ويتينغتون، وأوليفر تويست. أما ترامب، فهو ليس شجاعاً ولا مظلوماً، بل هو نقيض ذلك تماماً.
هو ليس مجرد ولد ثري مدلّل، أو قطة سمينة جشعة، بل هو أشبه بيرقة ضخمة سمينة، أو لنقل إنه نسخة واقعية من الوحش الفضائي ‘جابا ذا هت’ (Jabba the Hutt) في تجسيد الامتيازات.
والأسوأ من ذلك، أنه يجسد أسوأ صفة يمكن أن يبغضها البريطانيون: إنه ‘مُتنمِّر’. ولكنه مع ذلك، عندما يكون محاطاً بأمثاله من المتنمرين، يخذله شجاعته ويتحول فجأة إلى تابع جبان يملأ الدنيا عويلاً.
ثمّة قواعد غير مكتوبة للتعامل، تشبه ‘قوانين كوينزبيري’ للأدب واللياقة، وهو يحطمها جميعاً. فهو دوماً يوجه ضرباته لمن هم دونه، متجاوزاً كل ما لا يجوز للرجل النبيل (الجنتلمان) أن يفعله، ولا يقدر عليه، ولا يقدم عليه أبداً. وكل ضربة يوجهها تكون ‘تحت الحزام’. وهو يُعنى تحديداً بركل الضعفاء أو عديمي الصوت، بل ويركلهم وهم على حافة السقوط.
لذا، فإن فكرة أن نسبة كبيرة – ربما ثلث الأمريكيين – ينظرون إلى ما يفعله، ويستمعون إلى ما يقوله، ثم يقولون: ‘هذا هو رجلي’، تُعد فكرة مُحيرة ومزعجة للغاية للبريطانيين، وخاصة لسببين:
* أولاً: يُفترض أن الأمريكيين ألطف منا، والأغلبية العظمى منهم كذلك بالفعل.
* ثانياً: لا تحتاج إلى عين ثاقبة لتلاحظ عيوب هذا الرجل.
وهذه النقطة تحديداً هي ما يُحير ويُحزن البريطانيين، والكثير من غيرهم أيضاً؛ فعيوبه واضحة ولا يمكن إخفاؤها. فمن المستحيل أن تقرأ تغريدة واحدة له، أو تسمعه يتحدث جملتين، دون أن تحدق في الهاوية أمامك. فهو يُحوّل قلة الذوق إلى فن؛ إنه ‘بيكاسو التفاهة’، و’شكسبير الزيف’. وعيوبه تتسم بالطبيعة ‘الكسورية’ (Fractal)؛ أي أنها متشعبة ومتداخلة، فحتى عيوبه تشوبها عيوب أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
والله أعلم، فقد وُجد في الدنيا منذ زمن بعيد أناس أغبياء، وكثيرون غير أسوياء أيضاً. لكن نادراً ما اجتمع الغباء والوساخة بهذا القدر، أو اتسخت العقول بهذا الحجم من الغباء. إنه يجعل ‘ريتشارد نيكسون’ يبدو واثقاً، و’جورج بوش الابن’ يبدو ذكياً.
وفي الحقيقة، لو قرر ‘فرانكشتاين’ أن يصنع وحشاً من كل عيوب البشر، لكانت النتيجة هي ‘ترامب’.
وكان الدكتور فرانكشتاين ليندم، ولينتف شعره من جذوره ويصرخ من الألم قائلاً: ‘يا إلهي… ماذا… فعلت؟!’.
ولو كانت ‘الحمق’ مسلسلاً تلفزيونياً، لكان ترامب هو النسخة الكاملة (Box Set) التي تضم كل حلقاته.”