لماذا قبِل ترامب اتفاقاً يرى أنه غير مضمون؟

ومنتقدون يرون أنه لا يرقى إلى مستوى الأهداف المعلنة

مع انتهاء المواجهة العسكرية بين “الولايات المتحدة” و”إيران”، وجد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” نفسه يدافع عن اتفاق مؤقت مع طهران يراه مؤيدوه خطوة ضرورية لتجنب أزمة اقتصادية عالمية، بينما يعتبره منتقدوه تراجعاً واضحاً عن الأهداف الطموحة التي أعلنها قبل الحرب وخلالها.

وخلال مؤتمر صحفي مطول الأربعاء الماضي، أكد “ترامب” أن الاتفاق يحقق أهدافاً رئيسية تتمثل في إنهاء الحرب، وإعادة فتح “مضيق هرمز”، وتهدئة أسواق الطاقة العالمية، لكنه أقر في الوقت ذاته بأن الاتفاق النهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني ما يزال غير مضمون، ملوحاً بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات المقبلة.

من «الاستسلام الكامل» إلى اتفاق مرحلي..

قبل اندلاع الحرب وأثنائها، وضع “ترامب” سلسلة من الشروط الصارمة لأي تسوية مع “إيران”، شملت إنهاء برنامج “التخصيب النووي” بالكامل، وتفكيك البنية النووية الإيرانية، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم “طهران”  لحلفائها الإقليميين، من الجماعات المسلحة أو المليشيات الذين تعمل من خلالهم في المنطقة، غير أن “مذكرة التفاهم” التي تم التوصل إليها جاءت أقل بكثير من تلك المطالب.

فالوثيقة تركز على إعادة فتح “مضيق هرمز”، وتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، مع منح الطرفين مهلة تمتد “60 يوماً” للتفاوض على اتفاق نووي أكثر شمولاً، وبموجب التفاهم الحالي، تحصل “إيران” على إعفاءات تسمح باستمرار صادراتها النفطية، فيما تلتزم بالإبقاء على الملاحة مفتوحة في المضيق والتفاوض حول قيود مستقبلية على برنامجها النووي، كما أقر “ترامب” بأن الاتفاق الحالي ليس سوى إطار أولي، وأن فرص الوصول إلى اتفاق نهائي لا تزال غير مؤكدة.

كما أوضح “ترامب” أنه لم يكن يسعى إلى التسبب في “أزمة اقتصادية عالمية”، أو أن يجد نفسه في موقع يشبه الرئيس الأمريكي الأسبق “هربرت هوفر”، الذي ارتبط اسمه باندلاع “الكساد الكبير”، وأكد أن الأهداف العسكرية الأمريكية في المواجهة مع “إيران”، ومن بينها إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات البحرية الإيرانية، قد تحققت بالفعل خلال العمليات الأخيرة.

كما اعتبر أن “مذكرة التفاهم” الحالية تفتح مساراً تدريجياً نحو فرض قيود طويلة الأمد على “البرنامج النووي الإيراني”، بما يمهّد لإمكانية التوصل إلى اتفاق أشمل في المستقبل، وأضاف “ترامب” أن عدداً من حلفاء “الولايات المتحدة” في “أوروبا” و”الشرق الأوسط” كانوا يفضلون إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية، مع استثناء محتمل لمواقف بعض الأطراف وفي مقدمتهم “إسرائيل”، التي أبدت تحفظات على الاتفاق.

تنازلات تثير انتقادات داخل واشنطن..

أثار مضمون الاتفاق انتقادات من أطراف سياسية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خاصة أنه تجاهل ملفات طالما اعتبرتها “واشنطن” أساسية في أي تفاوض مع “إيران”، فالمذكرة لا تتضمن أي التزامات تتعلق بالصواريخ الباليستية الإيرانية أو الدعم الذي تقدمه “طهران” للجماعات المسلحة في المنطقة، كما أنها تسمح باستمرار تخفيف بعض العقوبات طوال فترة التفاوض.

وزادت تصريحات “ترامب” من حدة الجدل عندما أبدى تفهماً لامتلاك “إيران” قدرات صاروخية وبرنامجاً للطاقة النووية السلمية، معتبراً أن “الصواريخ ليست المشكلة الأساسية”، وفي المقابل.. نجحت الإدارة الأمريكية في احتواء جزء من المعارضة الجمهورية، بعدما أعلن عدد من المحافظين دعمهم للاتفاق عقب اتصالات مباشرة مع كبار مسؤولي البيت الأبيض، فيما واصل آخرون انتقاد ما وصفوه بأنه تنازل استراتيجي كبير لصالح “طهران”.

هرمز والاستثمارات في قلب التفاهم..

يتضمن الاتفاق بنداً يلزم “إيران” بالحفاظ على حرية الملاحة في “مضيق هرمز” لمدة 60 يوماً على الأقل، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية خطوة ضرورية لاستقرار التجارة العالمية وأسواق النفط، كما تنص المذكرة على إعداد خطة لإنشاء “صندوق استثماري ضخم” لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة تصل إلى “300 مليار دولار”،

وتؤكد “واشنطن” أنها لن تساهم بشكل مباشر في تمويل الصندوق، وأن الأمر يتعلق باستثمارات محتملة من دول وشركات أجنبية في حال نجاح المفاوضات النووية ورفع العقوبات بشكل كامل، ورغم تأكيد “البيت الأبيض” أن جميع التسهيلات الاقتصادية مرتبطة بالتزام “إيران” بالتفاوض، يرى منتقدو الاتفاق أن “طهران” حصلت بالفعل على مكاسب اقتصادية مهمة قبل تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الأكثر حساسية.

محطة حاسمة لتحديد المسار..

تتجه الأنظار الآن إلى الاجتماع المرتقب في “سوسيرا” بين وفدين “أمريكي-إيراني” رفيعي المستوى، والذي تصفه الإدارة الأمريكية بأنه محطة حاسمة لتحديد مستقبل المسار التفاوضي، وتقول “واشنطن إن هناك تفاهمات أولية بشأن خطوات نووية قد تقدم عليها “إيران”، لكنها تؤكد أنها ستختبر جدية “طهران” خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

وفي المقابل، يبدي عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين بينهم مسؤولون أمنيون واستخباراتيون، شكوكاً كبيرة بشأن استعداد “إيران” لتقديم التنازلات المطلوبة، وبينما يراهن “ترامب” على أن الاتفاق يمنع اتساع الحرب ويجنب الاقتصاد العالمي صدمة جديدة، يرى منتقدوه أن النتيجة النهائية لا تعكس الأهداف الكبرى التي أعلنها في بداية الأزمة، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت مذكرة التفاهم تمثل بداية تسوية دائمة أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد.

اترك تعليقا