لماذا تكسر الصين سورها العظيم

أحمد مولانا - باحث

تقع الصين عند ملتقى أوراسيا والمحيط الهادئ، وتجمع جغرافيا بين خصائص القوة البرية والقوة البحرية، إلا أن الحضارة الصينية تشكلت تاريخيا حول الزراعة والأنهار الكبرى، حيث وفرت الأراضي الخصبة والموارد المحلية قدرا كبيرا من الاكتفاء الذاتي، فلم تظهر حاجة ملحة إلى التوسع البحري أو البحث عن أسواق وموارد خارجية كما حدث لدى القوى البحرية الأوروبية.

أنتجت هذه البيئة عقلية سياسية واجتماعية تميل إلى الاستقرار والمحافظة والدفاع عن المجال الحيوي القائم. ولهذا ركزت الصين عبر تاريخها على حماية حدودها البرية ومواجهة التهديدات القادمة من الشمال والغرب، بينما ظل البحر في مرتبة ثانوية ضمن أولوياتها الإستراتيجية. وكان سور الصين العظيم التعبير الأوضح عن هذه العقلية الدفاعية، كما ساهم انتشار الفكر الكونفوشيوسي في ترسيخ قيم الاستقرار والنظام وتجنب الفوضى.

ورغم أن الصين عرفت فترات ازدهار بحري، خاصة خلال رحلات تشنغ خه، فقد ظلت الأنشطة البحرية الصينية مرتبطة بأهداف تجارية محدودة، بينما استمرت الدولة في توجيه اهتمامها نحو التحديات البرية. ونتيجة لذلك دخلت الصين العصر الحديث وهي تفتقر إلى التقاليد والمؤسسات والخبرات البحرية التي راكمتها القوى الغربية عبر قرون من الملاحة والاستكشاف.

وتنظر قطاعات كبيرة من النخبة الفكرية الصينية إلى هذا الإرث بوصفه أحد أسباب “قرن الإذلال”. فمع حلول القرن التاسع عشر وجدت الصين نفسها في مواجهة قوى بحرية متفوقة فرضت حضورها على السواحل الصينية، بدءا من حروب الأفيون مع بريطانيا وصولا إلى التوسع الياباني في شرق آسيا. ومن هنا بدأ الاهتمام الصيني المتأخر بدراسة الإستراتيجية البحرية، وإن ظل لفترة طويلة محصورا في إطار الدفاع عن السواحل وحمايتها.

تمتلك الصين نحو 3 ملايين كيلومتر مربع من المناطق البحرية الخاضعة لولايتها، وساحلا يمتد لأكثر من 32 ألف كيلومتر، من بينها 14 ألف كيلومتر من سواحل الجزر. وتحيط بها 4 بحار رئيسية هي بحر بوهاي والبحر الأصفر وبحر شرق الصين وبحر جنوب الصين. كما ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية بغرب المحيط الهادئ. غير أن هذه المساحة البحرية لا تمنح الصين حرية حركة كاملة، إذ تواجه نزاعات إقليمية تشمل نحو 1.5 مليون كيلومتر مربع من المناطق البحرية، كما تصطدم بقيود جغرافية تفرضها “سلسلة الجزر الأولى” كما تعرف في الأدبيات الصينية.

وتعد هذه السلسلة، الممتدة من اليابان مرورا بتايوان والفلبين وصولا إلى إندونيسيا، أحد أهم التحديات الجيوسياسية التي تواجه الصين. فالساحل الصيني الطويل ينفتح على مجموعة من البحار شبه المغلقة التي يمكن عزلها أو حصارها خلال الأزمات، ما يدفع بكين إلى السعي لتأمين منافذ نحو المحيط الهادئ.

ومن هنا تكتسب تايوان أهميتها في التفكير الإستراتيجي الصيني، إذ تقع في قلب سلسلة الجزر الأولى وتشكل سواحلها الشرقية بوابة طبيعية نحو المحيط الهادئ. ولذلك تنظر بكين إلى قضية تايوان على أنها مسألة ترتبط بمستقبل الصين البحري مثلما تتعلق بوحدة الأراضي الصينية. ولذا يشدد “هو بوهو” الباحث في معهد أبحاث المحيطات بجامعة بكين في كتابه “القوة البحرية الصينية في القرن الحادي والعشرين” على أنه مهما بلغت قوة الصين البحرية من تقدم وقوة، فإذا لم تتمكن من حسم مصير تايوان، فإن أي طموحات بحرية ستتحول في نهاية المطاف إلى مجرد أوهام.

اترك تعليقا