لماذا انتهت محادثات إسلام آباد دون اتفاق؟

خيبة أمل دبلوماسية وآفاق مجهولة

شهدت العاصمة الباكستانية، إسلام آباد ، واحدة من أكثر الجولات الدبلوماسية تعقيداً وحساسية في تاريخ الصراع الإيراني الأمريكي. جاءت هذه المفاوضات في توقيت حرج، محملة بآمال دولية لخفض التصعيد العسكري الذي كاد أن يجر المنطقة إلى حرب شاملة. إلا أن الستار أُسدل على هذه الجولة دون تحقيق خرق حقيقي، لتتحول قاعات التفاوض إلى ساحة جديدة من المواجهة السياسية، تعكس عمق الفجوة بين شروط واشنطن “القصوى” وجاهزية طهران العسكرية التي لم تغادر الميدان.

# أولاً: وقائع المفاوضات المباشرة وإعلان فانس الفشل

تصريح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس
أعلن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، فجر الأحد 12 أبريل 2026، مغادرة الوفد الأمريكي إسلام أباد بعد 21 ساعة من المحادثات المكثفة، مؤكداً: “لقد قضينا 21 ساعة في مناقشات جوهرية مع الإيرانيين، وهذا هو الخبر الجيد. لكن الخبر السيء هو أننا لم نصل إلى اتفاق، وهذا خبر سيء لإيران أكثر مما هو للولايات المتحدة” .

وأضاف فانس: “لقد أوضحنا خطوطنا الحمراء بوضوح تام: ما نوافق عليه وما لا نوافق عليه، واختاروا عدم قبول شروطنا. نغادر هنا بعرض بسيط وواضح هو عرضنا النهائي والأفضل، وسنرى إن قبله الإيرانيون” .

# الموقف الإيراني: “لا نثق، لكننا حاضرون”
صرح محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد الإيراني، لدى وصوله إسلام أباد: “لدينا نوايا حسنة لكننا لا نثق”، مضيفاً: “تجربتنا في التفاوض مع الأمريكيين دائماً ما قوبلت بالفشل والوعود المكسورة” .

وقال كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن طهران دخلت المفاوضات “من موقع قوة”، مؤكداً أن “الحرب على إيران فشلت في تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة للولايات المتحدة”  .

# ثانياً: الموقف الباكستاني الرسمي.. صمت مدروس لا تعليق صريح

# غياب البيان الرسمي بعد الفشل
لم تصدر الحكومة الباكستانية أي بيان رسمي عقب إعلان فشل المفاوضات، في استمرار لسياسة “التعتيم الإعلامي والأمني” التي اتبعتها طوال فترة الاستضافة . وكان رئيس الوزراء شهباز شريف قد وصف المفاوضات مسبقاً بأنها “مصيرية” و”إما أن تنجح أو تفشل”، دون الخوض في سيناريوهات ما بعد الفشل  .

# تحليل: لماذا الصمت الباكستاني؟
يرى مراقبون أن إسلام أباد تتعمد عدم التعليق الرسمي لثلاثة أسباب:
1. الحفاظ على دور الوساطة: تجنب الانحياز الظاهر لأي طرف لضمان استمرار الثقة  .
2.  اعتبارات أمنية داخلية: منع أي ردود فعل شعبية أو سياسية قد تؤثر على الاستقرار الداخلي .
3.  تجنب الضغط الإقليمي: عدم إضفاء طابع رسمي على الفشل قد يفتح الباب لضغوط من دول الخليج أو إسرائيل.

 ثالثاً: هل كانت المفاوضات “فخاً” أمريكياً؟ تحليل ثلاث فرضيات

# الفرضية الأولى: غطاء دبلوماسي لتبرير استمرار العدوان
يشير بعض المحللين إلى أن الإدارة الأمريكية قد تكون استخدمت المفاوضات كغطاء زمني لتبرير استمرار الضغط العسكري، خاصة مع تصريحات ترامب المتكررة بأن “الولايات المتحدة تربح بغض النظر عن نتيجة المحادثات” .

ويرى مراقبون أن توقيت إعلان فشل المحادثات تزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، مما يعزز شكوك طهران في “النوايا الأمريكية الحقيقية” .

# الفرضية الثانية: مطالب إيرانية “تتجاوز الواقع”
من زاوية أخرى، يصف خبراء الخطة الإيرانية بأنها “غير واقعية” في ظل موازين القوى الراهنة، خاصة مطالب السيطرة على مضيق هرمز والاعتراف بحق التخصيب غير المقيد .

ويعلق ألبرت موهلر: “سبع من النقاط العشر الإيرانية ميتة عند الولادة، خاصة السيطرة على هرمز وقبول التخصيب النووي” .

# الفرضية الثالثة: “شروط المنتصر” متبادلة
الأرجح، وفق تحليلات متعددة المصادر، أن كلا الجانبين دخل المفاوضات بعقلية “المنتصر”، حيث رفضت واشنطن التنازل عن “الخطوط الحمراء” المتعلقة بالنووي والصواريخ، بينما أصرت طهران على “حقوق سيادية” تعتبرها غير قابلة للتفاوض. ويخلص تقرير لمركز ألكسندر هاملتون إلى أن “فشل المفاوضات كان متوقعاً بسبب انعدام الثقة الاستراتيجي العميق” .

رابعاً: تعليقات مسؤولين وخبراء في السياق

من الجانب الإيراني
أكد *عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني*، أن “إذا توقفت الهجمات على إيران، ستتوقف قواتنا المسلحة عن عملياتها الدفاعية”، لكن طهران “لا تثق بالجانب الأمريكي”. ويعكس هذا الموقف التناقض الإيراني بين الرغبة في التهدئة والخوف من تكرار تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018.

من الجانب الأمريكي
شدد دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي ، على أن “أولويتي القصوى في إسلام أباد هي ضمان ألا تملك إيران سلاحاً نووياً، هذا يمثل 99% من الملف”. وتُظهر هذه التصريحات تركيز الإدارة الأمريكية على الملف النووي بشكل حصري تقريباً، متجاهلة الملفات الإقليمية الأخرى.

من الجانب الباكستاني
وصف شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني ،المفاوضات بأنها “فرصة حاسمة” قد تكون فاصلة للتوصل إلى وقف نهائي للصراع . ورغم صمت إسلام أباد الرسمي بعد الفشل، يُفسر هذا التعليق المسبق حرص باكستان على إنجاح الوساطة لتعزيز مكانتها الإقليمية.

من مراكز الدراسات
يرى بول ستانيلاند من معهد شيكاغو للشؤون العالمية أن “باكستان تحاول استخدام علاقاتها المتعددة لتعزيز نفوذها، لكن المخاطر عليها محدودة ما لم تُجرَّ لصراع إقليمي أوسع” .

ويُضيف هذا التحليل بُعداً جيوسياسياً لفهم دوافع الوساطة الباكستانية.

من الدبلوماسية الخليجية
أوضح مصدر خليجي مطلع أن “دول الخليج تريد نهاية الحرب، لكنها تطالب أيضاً بحدود واضحة للنفوذ الإيراني في المنطقة”. ويعكس هذا الموقف الهواجس الخليجية من أي اتفاق قد يُضفي شرعية على النفوذ الإيراني الإقليمي.

من مراكز الأبحاث الأوروبية
حذر رمضان أبو جزر من مركز بروكسل الدولي للأبحاث من أن “هدنة الأسبوعين بين واشنطن وطهران هشة ومهددة بالفشل” بسبب استمرار العمليات العسكرية في لبنان. ويُبرز هذا التحليل الترابط الوثيق بين الملف النووي والجبهة اللبنانية.


مستفاد من تقنيات الذكاء الاصطناعي