لبنان بعد قرن من التأسيس.. أزمة دولة أم صراع هوية؟

"لبنان دولة اخترعتها فرنسا": من الهندسة الاستعمارية إلى التطبيع العلني

بعد أكثر من مئة عام على إعلان قيام “دولة لبنان الكبير”، لا يزال الجدل مستمراً حول طبيعة الدولة اللبنانية ومسارها السياسي، بين من يعتبر التجربة اللبنانية نموذجاً فريداً للتعايش بين الطوائف، ومن يرى أن جذور أزماتها تعود إلى طريقة تأسيسها خلال فترة الانتداب الفرنسي وما رافقها من ترتيبات سياسية واجتماعية تركت تأثيراً مستمراً حتى اليوم.

ففي الأول من سبتمبر عام 1920، أعلن المفوض السامي الفرنسي في سوريا ولبنان الجنرال هنري غورو قيام “دولة لبنان الكبير”، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الحكم العثماني في المنطقة، ضمن ترتيبات الانتداب الفرنسي الذي أقرته عصبة الأمم.

وشملت الدولة الجديدة مناطق جبل لبنان إضافة إلى مدن ومناطق ساحلية وداخلية، وهو ما غيّر التركيبة الجغرافية والديموغرافية للكيان اللبناني مقارنة بجبل لبنان السابق.

ويرى عدد من الباحثين أن هذه المرحلة أسست لنظام سياسي شديد الحساسية بسبب التنوع الطائفي، بينما يعتبر آخرون أن إنشاء لبنان كان استجابة لتعقيدات المنطقة في ذلك الوقت وليس مجرد مشروع منفصل عن سياقه التاريخي.

من الاستقلال إلى الطائفية السياسية

مع استقلال لبنان عام 1943، نشأ “الميثاق الوطني” كاتفاق غير مكتوب بين القوى السياسية الرئيسية لتنظيم شكل الحكم وتوزيع المناصب العليا على أساس التوازن الطائفي.

وبموجب هذا النظام، أصبح منصب رئيس الجمهورية من نصيب الطائفة المارونية، ورئاسة الحكومة للطائفة السنية، ورئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، ضمن صيغة هدفت إلى تحقيق توازن سياسي بين مكونات المجتمع اللبناني.

لكن هذا النموذج واجه أزمات متكررة، خصوصاً مع تغير التوازنات السكانية والسياسية، وتصاعد الخلافات حول هوية الدولة ودورها الإقليمي، حتى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 التي استمرت 15 عاماً وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية ضخمة.

وانتهت الحرب باتفاق الطائف عام 1989 الذي أعاد توزيع بعض الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، ورسخ صيغة جديدة للحكم، لكنه أبقى على جوهر النظام الطائفي.

الجنوب اللبناني والصراع مع إسرائيل

يمثل الجنوب اللبناني أحد أكثر الملفات تأثيراً في التاريخ السياسي الحديث للبلاد، خاصة منذ الصراع العربي الإسرائيلي.

فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فرضت إسرائيل وجوداً عسكرياً في أجزاء من الجنوب، وظهر خلال تلك الفترة “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد، وهو فصيل مسلح حصل على دعم إسرائيلي مباشر، وكان موضع خلاف واسع داخل لبنان.

وفي عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها في الجنوب، باستثناء منطقة مزارع شبعا التي ما زال وضعها محل خلاف.

بعد ذلك برز حزب الله كقوة سياسية وعسكرية رئيسية، حيث اعتبر أن استمرار امتلاكه للسلاح مرتبط بمواجهة إسرائيل، بينما طالبت قوى لبنانية أخرى بحصر السلاح بيد الدولة باعتبار ذلك شرطاً لبناء دولة مستقرة.

هذا الخلاف أصبح أحد أبرز محاور الانقسام السياسي الداخلي في لبنان، خاصة مع استمرار تأثير الصراعات الإقليمية على القرار اللبناني.

لبنان بين الضغوط الدولية والأزمات الداخلية

خلال السنوات الأخيرة، واجه لبنان أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، تمثلت في انهيار مالي كبير، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة، وتصاعد الخلافات بين القوى السياسية.

وفي ظل هذه الظروف، أصبحت علاقة لبنان بالقوى الدولية والإقليمية محل نقاش واسع، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية، دور المؤسسات المالية الدولية، وترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية.

ويرى فريق من السياسيين أن الانفتاح على المجتمع الدولي والتعاون مع المؤسسات الدولية يمثلان طريقاً للخروج من الأزمة، بينما يرى آخرون أن هذه السياسات قد تزيد من اعتماد لبنان على الخارج وتؤثر على استقلالية قراره السياسي.

مستقبل لبنان.. إلى أين يتجه البلد؟

يواجه لبنان عدة احتمالات خلال المرحلة المقبلة؛ فإما أن ينجح في إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، أو يستمر في دائرة الأزمات نتيجة استمرار الخلافات الداخلية والتجاذبات الخارجية.

كما يبقى مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة، إضافة إلى طبيعة العلاقة مع إسرائيل والمجتمع الدولي، من الملفات الأساسية التي ستحدد شكل لبنان خلال السنوات المقبلة.

وبعد مرور قرن على تأسيس لبنان الكبير، لا تزال الأسئلة الكبرى حاضرة: هل تكمن الأزمة في طريقة تأسيس الدولة؟ أم في عجز الطبقة السياسية المتعاقبة عن بناء نظام يتجاوز الانقسامات الطائفية ويحافظ على سيادة القرار الوطني؟

بين التاريخ والجغرافيا والصراعات الإقليمية، يبقى لبنان دولة تبحث عن صيغة توازن جديدة بين هويتها الداخلية وموقعها في منطقة تشهد تحولات متسارعة.

اترك تعليقا