لا تثق سريعًا واختبر أولا

د فيصل البعداني يكتب

من أكثر الأخطاء التي يكررها الناس في حياتهم: أنهم يمنحون الثقة أسرع مما ينبغي، ثم يندمون أعمق مما توقعوا.

فالناس يختلفون في معنى المعرفة؛ فمنهم من يعاشر الرجل زمنًا طويلًا، ثم إذا سألته عنه قال: ما زلت لا أعرفه حقًّا. لأنه يعلم أن للناس جوانب لا تظهر في المجالس العابرة، ولا تكشفها الكلمات الجميلة، ولا تتجلى في لحظات الصفاء.
وفي المقابل، يتساهل آخرون؛ فيلقى أحدهم الرجل لقاءً أو لقاءين، أو يجلس معه مجلسًا لطيفًا، ثم يقول: هذا أعرفه جيدًا، وهذا رجل لا يُخشى جانبه، وهذا أثق به ثقةً تامة.
وهنا تبدأ كثير من المآسي.
فالناس لا يُعرفون، ولا تُكشف حقائقهم من أول لقاء، ولا تُقرأ معادنهم من حسن الابتسامة، ولا من جمال الحديث، ولا من مظاهر التدين العابرة، ولا من كثرة الثناء عليهم.
إنما يُعرف الرجل إذا اختُبر، وتُعرف أخلاقه إذا ضُيّق عليه، ويُعرف صدقه إذا تعارضت مصلحته مع الحق، ويُعرف وفاؤه إذا قدر على الغدر، ويُعرف حلمه إذا أُغضب، ويُعرف دينه إذا خلا، ويُعرف معدنه إذا تبدلت الأحوال.
فالأسفار تكشف، والمعاملات تُظهر، والخصومات تفضح، والمال يمتحن، والسلطة تغيّر، وطول العشرة يرفع كثيرًا من الأقنعة.
ولهذا كان العقلاء لا يمنحون الثقة دفعةً واحدة، بل يبنونها درجةً درجة، على قدر ما يرون من صدقٍ وثبات، لا على قدر ما يسمعون من كلامٍ وإطراء.
ومن القصص المعبرة في هذا الباب، أن رجلًا جاء يخطب فتاة من أسرةٍ صالحة، فلما حضر وقت الصلاة استأذن ليذهب إلى المسجد ويدرك الجماعة.
فأعجب والد الفتاة بهذا المشهد، وعدّه علامة صلاحٍ كافية، فزوّجه ابنته من غير سؤالٍ كافٍ، ولا بحثٍ عن سيرته، ولا رجوعٍ إلى أهل الخبرة بحاله.
ثم لم تمضِ إلا أشهر، حتى ظهر أن الرجل بعيد عن دروب الاستقامة، سيئ السيرة، مضيّع للفرائض، فكانت الصدمة بعد فوات وقت الاحتياط.
وخطأ هذا الأب لم يكن في حسن ظنه، بل في أنه بنى حكمًا كبيرًا على مشهدٍ صغير.
فزواج ابنته قرار عمر، لا يصح أن يُبنى على صلاةٍ واحدة، ولا على عبارةٍ حسنة، ولا ابتسامة مصطنعة، ولا على هندامٍ مستقيم، بل على معرفةٍ متأنية، وسؤالٍ واسع، واختبارٍ كافٍ.
ولهذا كان عمر بن الخطاب من أفقه الناس في هذا الباب؛ إذ قال لرجل زكّى آخر: أسافرت معه؟ أخاصمته؟ ائتمنته على مال؟ فلما قال: لا، قال له ما معناه: أنت لا تعرفه، وإنما رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد.
وهذا من أعظم الفقه؛ لأن الناس يعرف بعضهم بعضًا على الحقيقة في المواطن التي تظهر فيها الطباع، لا في المواطن التي يتجمّل فيها الجميع.
وليس المقصود من هذا الكلام الدعوة إلى سوء الظن، ولا تحويل حياة الناس إلى ريبةٍ دائمة، ولكن المقصود: ألا تكون ساذجًا، وألا تثق عاجلًا، فتجعل في يد غيرك زمام قرارك من حيث لا تشعر.
فالثقة ليست موقفًا عاطفيًا، بل قرارٌ يحتاج إلى بيّنات.
وليس كل الناس سواء؛ فقد تثق بإنسان في عملٍ صغير، ولا تثق به في شراكةٍ مستديمة، وتثق به في المال، ولا تثق به على سرك، وتثق به صديقًا، ولا يصلح أن تصاهره.
فالثقة أبواب، وليست بابًا واحدًا.
ومن قلة الحكمة أن تمنح إنسانًا قدرًا واسعًا من الثقة لم يصنعه الخبرة به، أو أن تعطيه من الاطمئنان ما لم يبنه الاختبار المتكرر.
وكم من الناس خُدعوا لأنهم رأوا الصورة، ولم ينتظروا انكشاف الحقيقة.
ولذلك، فعلى العاقل أن يتمهّل، ويراقب، ويختبر، ويتحرى، ويسأل، قبل أن يتخذ قرارًا أو يبني حكمًا.
فإن أكثر الندم ليس لأن الناس تغيّروا، بل لأننا صدّقناهم قبل أن نعرفهم.
والله الهادي.