كيف يُعاد تشكيل العلاقة بين تركيا وسوريا وما تداعياتها الإقليمية؟

من القطيعة إلى التنسيق

شهدت العلاقة بين تركيا وسوريا خلال الأعوام الأخيرة تحوّلًا جذريًا نقلها من حالة صراع مفتوح إلى مسار تقارب حذر ومتدرج، مدفوعًا بحسابات الأمن القومي والتحولات الإقليمية والدولية. هذا التقارب، الذي يجمع بين اتفاقات معلنة وتفاهمات غير مباشرة، أصبح محور اهتمام صناع القرار والمحللين، لما يحمله من انعكاسات على المنطقة بأسرها، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية.

أولًا: التعاون العلني… اتفاقات موثقة وتصريحات رسمية

بدأت ملامح التعاون العلني بالظهور عبر مسارات دبلوماسية وأمنية برعاية روسيا، تُرجمت إلى لقاءات وزارية وتصريحات رسمية.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد في أكثر من مناسبة أن “تحقيق الاستقرار في سوريا يمثل أولوية للأمن القومي التركي”، مشددًا على أن التنسيق مع دمشق “ضرورة لمواجهة التهديدات المشتركة”.

في المقابل، صرّح وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أن أي تقارب “يجب أن يقوم على احترام السيادة السورية وإنهاء الوجود العسكري غير الشرعي”، وهو ما يعكس أن التعاون لا يزال مشروطًا.

وفي سياق الاتفاقات، أشار الباحث التركي سنان أولغن إلى أن “التقارب بين أنقرة ودمشق ليس تحولًا أيديولوجيًا، بل إعادة تموضع استراتيجي فرضته التهديدات الأمنية، خاصة في شمال سوريا”.

ثانيًا: التنسيق غير المعلن… الأمن والاستخبارات في الواجهة

وراء المشهد الرسمي، تتحدث تقارير ومحللون عن قنوات تنسيق غير معلنة، خصوصًا في المجال الأمني.

الباحث في مجموعة الأزمات الدولية جيروم دريفون أوضح أن “هناك مستوى من التواصل الاستخباراتي بين تركيا وسوريا، حتى في ذروة التوتر، بسبب المصالح الأمنية المشتركة”.

أما الأكاديمي السوري فابريس بالانش، فأكد أن “التقارب الحالي مبني أساسًا على العداء المشترك للمشروع الكردي، وهو العامل الأكثر ثباتًا في العلاقة”.

هذا الملف، المتعلق بقوات قوات سوريا الديمقراطية، يمثل نقطة تقاطع رئيسية، حيث ترى أنقرة فيه تهديدًا وجوديًا، بينما تعتبره دمشق تحديًا لوحدة الدولة.

ثالثًا: الأسس الاستراتيجية للتقارب

يرتكز التعاون التركي–السوري على مجموعة من الأسس الواضحة:

الأمن القومي المشترك

يرى الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية جوليان بارنز-داسي أن “البراغماتية الأمنية هي المحرك الأساسي لهذا التقارب، حيث بات الطرفان يريان أن استمرار الصراع يضر بمصالحهما”.

رفض التقسيم

يؤكد المحلل التركي غالب دالاي أن “أنقرة ودمشق تتفقان ضمنيًا على رفض أي صيغة فيدرالية قد تؤدي إلى تقسيم سوريا”.

الضغوط الاقتصادية

يشير الخبير الاقتصادي السوري كمال شيخو إلى أن “الحاجة لإعادة الإعمار وفتح الأسواق تدفع دمشق للانفتاح على تركيا رغم التعقيدات السياسية”.

رابعًا: مقارنة مع العلاقات السورية العربية

شهدت سوريا انفتاحًا تدريجيًا على عدد من الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

الكاتب السياسي عبد الوهاب بدرخان يرى أن “العلاقات العربية مع سوريا تميل إلى الطابع الدبلوماسي والاقتصادي، بينما العلاقة مع تركيا ذات طابع أمني ميداني مباشر”.

من جانبه، يوضح الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر أن “تركيا تمتلك أدوات نفوذ داخل سوريا لا تملكها الدول العربية، ما يجعل دورها أكثر تأثيرًا ولكن أيضًا أكثر حساسية”.

خامسًا: القلق الإسرائيلي… حسابات الأمن والتوازن

تتابع إسرائيل هذا التقارب بقلق واضح.

المحلل في صحيفة هآرتس تسفي برئيل كتب أن “أي تقارب بين تركيا وسوريا قد يعيد تشكيل التوازنات في الشمال ويحد من حرية الحركة الإسرائيلية”.

كما يرى الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي كارميت فالنسي أن “تعزيز الدولة السورية بدعم إقليمي، حتى لو لم يكن معاديًا مباشرة لإسرائيل، يقلص من حالة التفكك التي استفادت منها تل أبيب استراتيجيًا”.

سادسًا: هل يتطور إلى محور إقليمي سني؟

فكرة تشكّل محور يضم تركيا وسوريا ودولًا أخرى تُطرح بقوة، لكنها محل جدل.

الباحث في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط يزيد صايغ يرى أن “الحديث عن محور سني متماسك مبالغ فيه، لأن التناقضات بين الدول المعنية لا تزال عميقة”.

في المقابل، يشير الأكاديمي برهان غليون إلى أن “التقارب قد يفتح الباب لتكتلات اقتصادية إقليمية، حتى لو لم يصل إلى مستوى تحالف سياسي موحد”.

سابعًا: انعكاسات التقارب على الشعوب

الإيجابيات

تحسين الأمن في شمال سوريا
إعادة تنشيط الاقتصاد
خلق فرص عمل

السلبيات

يؤكد الباحث سامر الأحمد أن “أي دور تركي طويل الأمد قد يثير مخاوف من تبعية اقتصادية أو نفوذ مفرط”.

كما يحذر أردا ميليت أوغلو من أن “التقارب السريع دون حل جذري للخلافات قد يؤدي إلى انتكاسات مفاجئة”.

خلاصة

يُظهر التقارب بين تركيا وسوريا نموذجًا واضحًا للبراغماتية السياسية في الشرق الأوسط، حيث تتقدم المصالح الأمنية والاقتصادية على الخلافات الأيديولوجية.

وبينما يفتح هذا المسار آفاقًا للاستقرار وإعادة الإعمار، فإنه في الوقت ذاته يعيد رسم موازين القوى، ويثير قلق أطراف إقليمية، ويضع الشعوب أمام تحديات معقدة بين الاستقرار والسيادة.

هذا التقارب، وفق أغلب التقديرات، سيبقى “هشًا وقابلًا للتبدل”، لكنه في الوقت نفسه يمثل أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة خلال العقد الحالي.
مستفاد من تقنيات الذكاء الاصطناعي