المحاور الإقليمية “المتصارعة” في الشرق الأوسط

بين تصريحات نتنياهو والضرورات الجيوسياسية

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي، برزت إلى السطح تصريحات إسرائيلية حول ما وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمحاور إقليمية متصارعة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من محاولات إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة عبر السيطرة على الموانئ الاستراتيجية واستغلال القضايا الانفصالية.

نتنياهو ومحور إقليمي جديد

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير 2026 أن حكومته تعمل على بلورة محور إقليمي جديد داخل الشرق الأوسط ومحيطه، يضم الهند ودولا عربية وإفريقية، إضافة إلى اليونان وقبرص. وجاءت هذه التصريحات في إطار ما وصفه نتنياهو بمواجهة المحور الإيراني المتطرف من جهة، ومحور سني قيد التشكل من جهة أخرى، وفق ما نقلته وسائل إعلام عربية ودولية.

وقال مراسل التلفزيون العربي من القدس إن نتنياهو تحدث عن تحالف يتجاوز حدود الشرق الأوسط، مشيراً إلى إدراجه الهند ضمن الطرح، إلى جانب دول آسيوية لم يسمها، ودول عربية وإفريقية، فضلاً عن دول متوسطية مثل اليونان وقبرص.

ديفيد هيرست وتحليلات ميدل إيست آي

في سياق متصل، كتب الصحفي البريطاني ديفيد هيرست رئيس تحرير ميدل إيست آي في مقال نشر في يناير 2026 أن تحولا تكتونيا جاريا في العالم العربي، لا يرتبط بصراعات الأمراء العابرة ولا بالعداء التقليدي لإيران، بل بوعي متأخر لدى دول عربية مركزية بخطر مشروع تفتيت إقليمي تقوده الإمارات وإسرائيل بدعم أميركي.

وأضاف هيرست في تحليله أن السعودية ومعها الجزائر وربما مصر أدركت أن خطة إسرائيل والإمارات تستهدف تفكيك الدول العربية القوية والسيطرة على نقاط الاختناق الحيوية، مثل باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي. ويعتمد هذا المشروع على زرع قواعد عسكرية، وتمزيق الجغرافيا السياسية، وتحويل التفوق العسكري والمالي إلى نفوذ طويل الأمد.

وربط هيرست بين هذه الديناميكيات واعتراف إسرائيل بأرض الصومال، معتبرا أن هذه الخطوة تمنح تل أبيب موطئ قدم استراتيجي في القرن الأفريقي. وأشار إلى أن أبوظبي انتهجت سياسة مماثلة في ليبيا عبر دعم خليفة حفتر، وفي السودان عبر تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وفي جنوب اليمن بدافع الخوف من الإسلام السياسي.

ملف أرض الصومال والسيطرة على الموانئ

في ديسمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بأرض الصومال ككيان ذي سيادة، في خطوة وصفها تقرير صادر عن مركز أبعاد للدراسات بأنها تمثل حلقة في مشروع أوسع لإعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن مصادر أمنية أن إسرائيل تولي اهتماما بالغا لأرض الصومال نظرا إلى ساحلها الممتد وموقعها الاستراتيجي في القرن الأفريقي وقربها من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. واعتبرت أن تعزيز العلاقات مع أرض الصومال يمثل عامل مضاعفة للقوة في الحرب ضد الحوثيين.

ورأت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن فائدة الاعتراف لا تكمن في الجانب الدبلوماسي، بل في الموقع الجغرافي لأرض الصومال، حيث يضع ميناء بربرة الواقع على شواطئ خليج عدن والمطار القريب منه الذي يضم أحد أطول مدارج الطائرات في أفريقيا، هذا البلد في نقطة إشراف محورية على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

الاستثمارات الإماراتية والأبعاد الاستراتيجية

وفق تقارير مراكز الأبحاث، سعت الإمارات إلى توسيع نفوذها في أرض الصومال منذ عام 2016، عندما وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية بقيمة 442 مليون دولار لتطوير وإدارة ميناء بربرة. ويرى الباحث الإيطالي غويدو لانفرانكي المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أن الدوافع الاقتصادية والتجارية المباشرة وراء الاعتراف الإسرائيلي تبدو أقل وزنا من الاعتبارات الجيوستراتيجية، مشيرا إلى أن تل أبيب تسعى بالدرجة الأولى إلى امتلاك نقطة ارتكاز قريبة من مضيق باب المندب واليمن.

وأشار تقرير لمركز أبعاد للدراسات إلى أن المحور الإماراتي الإسرائيلي يهدف إلى فرض سيطرة ونفوذ على الممرات الملاحية الحيوية الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر، مع تركيز خاص على مضيق باب المندب.

التحركات الإقليمية لمصر والسعودية وباكستان وتركيا

على صعيد آخر، أعلنت وزارة الخارجية المصرية في مارس 2026 مشاركة وزير الخارجية بدر عبد العاطي في اجتماع رباعي مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، تناول سبل تعزيز التنسيق المشترك وتوحيد الرؤى إزاء التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط.

وشدد الوزير المصري على ضرورة وقف فوري لجميع إجراءات التصعيد وأهمية إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار. واتفق الوزراء على مواصلة مشاوراتهم.

وأفاد موقع آي 24 نيوز الإخباري بأن تركيا والسعودية ومصر وباكستان دخلت في مشاورات لبحث إنشاء إطار تعاون أمني رباعي يهدف إلى تعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية.

ردود الفعل الرسمية على اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

أصدرت دول عربية وإسلامية بيانا مشتركا يرفض الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، مع امتناع الإمارات والبحرين عن التوقيع على البيان. ووصف رئيس وزراء تركيا الأسبق أحمد داود أوغلو الخطوة الإسرائيلية بأنها استهداف مباشر لمصالح مصر والسعودية وتركيا في المنطقة، وعدّها جزءا من استراتيجية أوسع لتفتيت الدول الإسلامية وتحجيم دول رئيسية عبر تطويقها.

وأعرب الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن عن قلقهما من الخطوة الإسرائيلية، معتبرين أنها تهدد مبدأ وحدة الدول، وتفتح الباب أمام شرعنة الكيانات الانفصالية.

ملاحظات منهجية

يشير هذا التقرير إلى أن مصطلح المحور السني بصيغته الحرفية لوصف تحالف يضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا والجزائر وسوريا بتمويل قطري لم يرد في تصريحات رسمية موثقة أو تقارير مراكز أبحاث معتمدة. كما لم يُعثر في البحث الحالي على وثائق أو تصريحات رسمية تثبت تمويلا قطريا لمحور إقليمي بالمعنى الذي ورد في بعض التحليلات.

واعتمد هذا التقرير على نقل التصريحات والتحليلات من مصادر موثقة شملت وسائل إعلام معتمدة وتقارير مراكز أبحاث وبيانات رسمية صادرة عن وزارات خارجية، مع الالتزام بعدم إضافة تحليلات غير مسندة لمصادر، التزاما بالمعايير الصحفية المهنية.

المحصلة: تظل الديناميكيات الإقليمية في الشرق الأوسط قيد التطور، في وقت تسعى فيه أطراف متعددة إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية.

المصادر: العربي الجديد، فرانس 24، ميدل إيست آي، مركز أبعاد للدراسات، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيانات وزارات الخارجية المصرية والسعودية، تقارير صحفية موثقة.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي