كيف يمكن لمصر الحفاظ على تدفقات الدولار في أوقات الأزمات؟
تقلبات الأموال الساخنة تعود إلى دائرة الضوء
- mabdo
- 6 أبريل، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- ارتفاع الدولار, ازمة الدولار في مصر, الدولار, سعر الدولار اليوم
الرائد| تواجه مصر اختباراً جديداً لمرونتها الخارجية مع خروج أكثر من 10 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) من السوق، مما يعيد طرح سؤال حاسم لصناع السياسات: كيف يمكن الحفاظ على تدفقات الدولار الأمريكي المستقرة مع تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة شديدة التقلب، خاصة خلال فترات الاضطرابات العالمية والإقليمية؟
دلم تُعوَّض التدفقات الخارجة، التي كانت في معظمها من سندات الخزانة والأسهم منذ أواخر فبراير، إلا جزئياً بتدفقات داخلية متواضعة تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار، مما يُبرز سرعة تغير اتجاه رؤوس الأموال الأجنبية استجابةً للصدمات الجيوسياسية. وقد جددت هذه التطورات الضغط على الجنيه المصري وأعادت إحياء النقاش السياسي حول كيفية تأمين مصادر سيولة دولارية أكثر استقراراً.
يأتي هذا التحول في وقت بالغ الصعوبة بالنسبة للاقتصاد المصري. فقد ارتفعت فاتورة استيراد الطاقة إلى حوالي 21 مليار دولار، بينما اتسعت فجوة التمويل الإجمالية لتتجاوز 100 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، يستمر تراجع قيمة العملة المحلية، وترتفع تكاليف الاستيراد، مما يعكس حالة عدم اليقين العالمية المستمرة وتضييق الأوضاع المالية.
تقلبات الأموال الساخنة تعود إلى دائرة الضوء
قال محللون تحدثوا إلى موقع الأهرام أونلاين إن التدفقات الخارجة الأخيرة تعكس نمطاً مألوفاً شوهد خلال الصدمات العالمية السابقة، مما يسلط الضوء على مواطن الضعف الهيكلية في نموذج التمويل الخارجي لمصر.
قالت هبة منير، المحللة الاقتصادية في شركة إتش سي للأوراق المالية، إن صافي التدفقات الأجنبية الخارجة من سوق الخزينة الثانوية في مصر بلغ نحو 7 مليارات دولار منذ 19 فبراير. وأشارت إلى أنه على الرغم من أهمية هذا الرقم، إلا أنه لا يزال ضمن الحدود المعقولة نسبياً مقارنة بإجمالي الحيازات الأجنبية، التي بلغت حوالي 45 مليار دولار في نهاية سبتمبر.
وقال منير: “كانت هذه التدفقات أكثر تدريجية وأقل حدة من عمليات الخروج الحادة خلال حرب أوكرانيا عام 2022، لكنها لا تزال تعكس الطبيعة المتقلبة لرأس المال قصير الأجل”.
وأضافت أن المخاطر الجيوسياسية أثرت بشكل مباشر على سعر الصرف، حيث فقد الجنيه المصري حوالي 11 بالمائة من قيمته مقابل الدولار منذ منتصف فبراير، مدفوعاً بارتفاع الطلب على العملات الأجنبية وتراجع المستثمرين.
وعلى الرغم من الضغوط، أشار منير إلى علامات على المرونة، بما في ذلك وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى 52.7 مليار دولار في فبراير والتحسينات في صافي الأصول الأجنبية للبنوك، مما ساعد على تخفيف جزء من الصدمة.
التحول في السياسات نحو التدفقات المستدامة
واستجابةً لذلك، يركز صناع السياسات بشكل متزايد على تنويع مصادر العملات الأجنبية بعيداً عن تدفقات المحافظ الاستثمارية قصيرة الأجل نحو تدفقات أكثر استقراراً واستدامة.
تشمل الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية تعزيز الصادرات، وعائدات السياحة، والتحويلات المالية ، ودخل قناة السويس، على الرغم من أن بعض هذه المصادر قد تأثرت أيضًا بالاضطرابات الإقليمية.
يتصدر قطاع خدمات التعهيد والتكنولوجيا، سريع النمو، هذا التحول. فقد بلغت عائدات التصدير من التعهيد 5.1 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مقارنةً بملياري دولار أمريكي في عام 2021، أي بنسبة نمو تتجاوز 150%. وتستهدف الحكومة الوصول إلى 9 مليارات دولار أمريكي في عام 2026 و12 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، إلى جانب خطط لزيادة فرص العمل في هذا القطاع لتتجاوز 630 ألف وظيفة.
التحوط من المخاطر وتعزيز الحواجز
وقالت حنان رامسيس، الخبيرة في أسواق رأس المال، إن المرحلة الحالية تؤكد على ضرورة إعادة التفكير في كيفية إدارة موارد العملات الأجنبية، وليس مجرد تنويعها.
وقالت: “لا يكمن التحدي في توسيع المصادر فحسب، بل في تحسين كيفية نشرها وحمايتها”، مشيرة إلى أن احتياطيات الذهب والاستثمارات في السلع الأساسية لعبت دورًا رئيسيًا في تعزيز الاحتياطيات الخارجية لمصر.
وأضاف رامسيس أن ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في إدارة سعر الصرف في ظل نظام التعويم المُدار، مما يساعد على امتصاص الصدمات دون استنزاف الموارد.
كما سلطت الضوء على أهمية تنويع أدوات التمويل، بما في ذلك السندات الخضراء وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تجذب شرائح جديدة من المستثمرين العالميين، فضلاً عن استخدام استراتيجيات التحوط مثل العقود الآجلة للذهب والمعادن.
الارتقاء في سلسلة القيمة
أكد الخبراء في قطاع التكنولوجيا أن المرحلة التالية يجب أن تتجاوز التعهيد التقليدي.
قال عمرو محفوظ، الرئيس التنفيذي السابق لوكالة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (ITIDA)، إن مصر بحاجة إلى التحول من تصدير الخدمات كثيفة العمالة إلى إنتاج وتصدير البرامج والمنتجات الرقمية عالية القيمة.
وقال: “لم يعد الاستعانة بمصادر خارجية وحده كافياً في سوق عالمية شديدة التنافسية”، مشيراً إلى دول مثل الهند وماليزيا التي نجحت في الانتقال إلى صادرات ذات قيمة أعلى تعتمد على التكنولوجيا.
كما سلط محفوظ الضوء على إمكانات مصر لتصبح مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات ، مشيراً إلى موقعها الاستراتيجي وشبكات الكابلات البحرية وتكاليف التبريد المنخفضة نسبياً والقوى العاملة الماهرة.
قطاع العقارات مصدر سريع للدخل
ويكتسب قطاع العقارات أيضاً زخماً كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية.
ارتفعت صادرات العقارات إلى 1.5 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ 500 مليون دولار في عام 2024، مما يعكس الطلب المتزايد من المشترين الأجانب، وخاصة في الوجهات الساحلية.
قال محمد عامر، الرئيس التنفيذي لشركة الجونة والعضو المنتدب لشركة أوراسكوم للتطوير في مصر، إن العقارات يمكن أن تصبح مصدراً “أساسياً ومستداماً” لتدفقات الدولار، خاصة مع الطلب القوي من مستثمري الخليج والمصريين في الخارج.
وأشار إلى أن حوالي 40 بالمائة من مبيعات مشاريع البحر الأحمر تأتي من خارج مصر، مع تركز المشترين في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
وأضاف أن السماح ببيع العقارات بالدولار يوفر تحوطاً طبيعياً ضد تقلبات أسعار الصرف ويعزز بشكل مباشر تدفقات العملات الأجنبية.
من الاستجابة للأزمات إلى التحول الهيكلي
مع استمرار الضغوط الخارجية، يتفق المحللون على أن مصر تدخل مرحلة حرجة تتطلب التحول من إدارة الأزمات التفاعلية إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة.
سيكون تقليل الاعتماد على تدفقات المحافظ الاستثمارية المتقلبة وتعزيز القطاعات ذات القيمة العالية والموجهة للتصدير أمراً أساسياً لتعزيز قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات المستقبلية، لا سيما في بيئة عالمية تزداد عدم اليقين.