كيف تهدد حرب إيران أمن الخليج الغذائي والاقتصادي؟
مخاوف من تسونامي اقتصادي وغذائي يضرب المنطقة
- معاذ الجمال
- 8 مارس، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- إيران, الخليج, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, حرب إيران, هرمز
في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تسير فوق خيط رفيع بين الحرب الشاملة والاحتواء الصعب، تتصاعد المخاوف في الخليج من أن تتحول المواجهة مع إيران إلى تسونامي اقتصادي وغذائي يضرب قلب الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والتجارة، فدول الخليج التي تمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز، تعتمد في المقابل على شبكة معقدة من التجارة العالمية والممرات البحرية والإمدادات الغذائية القادمة من الخارج.
ومع اتساع نطاق الضربات والردود العسكرية، لم يعد السؤال فقط عن مسار الحرب، بل عن تداعياتها على اقتصاديات الخليج، وعلى المصالح الأميركية نفسها، وعن احتمال تحوّل استهداف المصالح الأميركية أو الخليجية إلى ورقة ضغط سياسية لإجبار واشنطن على إعادة حساباتها، وبين هذه المعادلات المعقدة، يلوح احتمال آخر أكثر خطورة: هل تتحول قواعد الخليج إلى منصات حرب مفتوحة إذا اشتدت المواجهة؟
بين ثروة الطاقة وهشاشة الإمدادات الغذائية
رغم القوة المالية الضخمة لدول الخليج، فإنها وبحسب أغلب التقارير الصادرة عن “منظمة الأغذية والزراعة (FAO)” و”البنك الدولي”و”المراكز الإحصائية الخليجية”، تعد من أكثر مناطق العالم اعتماداً على الواردات الغذائية، فدول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت تستورد ما بين 70% إلى 90% من احتياجاتها الغذائية من الخارج.
الحرب مع إيران تضع هذا النموذج الاقتصادي تحت ضغط كبير لعدة أسباب:
أولاً: أي تصعيد عسكري قد يهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره ما يقرب من 20% إلى 25% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً، وحوالي خُمس إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، بما في ذلك شحنات الغذاء القادمة إلى موانئ الخليج.
ثانياً: ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري في مناطق الحرب،حيث أن مؤسسة “Aon” البريطانية للوساطة التأمينية أشارات فى تقارير (بتاريخ 6 مارس 2026) إلى أن أقساط تأمين “مخاطر الحرب” على السفن قد شهدت قفزات تجاوزت في بعض الحالات 1000%، وهذا بدوره يؤدي إلى قفزة كبيرة في أسعار السلع الغذائية المستوردة، ما يضغط على الميزانيات الحكومية رغم الفوائض النفطية.
ثالثاً: اضطراب سلاسل الإمداد العالمية في حال توسع الحرب قد يؤدي إلى تأخير وصول الإمدادات الغذائية والمواد الأساسية؛ لهذا السبب بدأت بعض دول الخليج بالفعل منذ سنوات في بناء مخزونات استراتيجية من القمح والسلع الأساسية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، السعودية: تمتلك واحدة من أكبر طاقات تخزين الحبوب في الشرق الأوسط، حيث تتجاوز سعة صوامع الغلال لديها 3.5 مليون طن من القمح، وهي كمية تكفي للاستهلاك المحلي لفترات طويلة.
وأيضاً الإمارات: أنشأت “نظاماً وطنياً للأمن الغذائي” يعتمد على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخازن عملاقة (مثل صوامع الفجيرة)، تهدف لتأمين سلع أساسية تكفي لـ 6 أشهر على الأقل، ولكن الحرب الطويلة قد تختبر حدود هذه الاستراتيجيات.
الاقتصاد الخليجي تحت اختبار الحرب
اقتصادات الخليج تعتمد على معادلة دقيقة، وهى الاستقرار الأمني الذي يسمح بتدفق النفط والاستثمارات والتجارة، وأي تهديد مباشر للبنية التحتية النفطية أو الموانئ أو خطوط الملاحة يمكن أن يربك هذه المعادلة.
الهجمات على منشآت الطاقة أو الموانئ قد تؤدي إلى:
- تراجع الصادرات النفطية مؤقتاً.
- ارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات النفطية.
- هروب جزء من الاستثمارات الأجنبية.
- اضطراب أسواق المال في المنطقة.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يرفع إيرادات الحكومات الخليجية على المدى القصير، فإن إطالة أمد الحرب قد يخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي التى تضر بالمشروعات الكبرى والاستثمارات طويلة الأجل، خصوصاً في دول تسعى لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط.
هل تتضرر أميركا إذا اهتز اقتصاد الخليج؟
رغم أن “الولايات المتحدة” أصبحت أقل اعتماداً على نفط الشرق الأوسط مقارنة بالماضي، فإن استقرار اقتصاد الخليج ما يزال يشكل ركيزة مهمة للنظام الاقتصادي العالمي الذي تستفيد منه “واشنطن”، فمع تعطل حركة السفن في “مضيق هرمز”، قفزت أسعار القمح والنفط، حيث وصل سعر برميل “برنت” في تداولات (7 مارس 2026) إلى حوالي 93 دولاراً، مما رفع أسعار الجالون في المحطات الأمريكية إلى 3.32 دولار، وهو أعلى مستوى في عهد الإدارة الحالية، هذا الارتفاع بدوره يقلل من “الدخل المتاح” للأسر الأمريكية، مما يؤدي لتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي (الذي يمثل 70% من الاقتصاد الأميريكي).
فى السياق ذاته.. تُعد دول الخليج (خاصة السعودية والإمارات وقطر) من أكبر المستثمرين في السندات الحكومية الأمريكية والشركات التكنولوجية، وفى ظل الحرب، قد تضطر هذه الدول إلى تسييل (بيع) جزء من استثماراتها الضخمة في أمريكا لتمويل نفقات الدفاع أو إعادة الإعمار أو لدعم ميزانياتها المتضررة من توقف الصادرات، وبالتالى سحب هذه السيولة الضخمة فجأة، وقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في سوق السندات الأمريكية وارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية نفسها.
من جانبه أشارت تقارير “مورجان ستانلي” إلى أن استمرار النزاع لأكثر من شهر، قد يجبر “الفيدرالي الأميركي” على تغيير سياسته النقدية بالكامل،حيث أن التضخم إذا ارتفع بسبب أسعار الطاقة، سيضطر إلى رفع الفائدة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من صدمة حرب، مما قد يؤدي إلى “ركود اقتصادى حاد”.
بمعنى آخر، استقرار الخليج ليس مجرد قضية إقليمية، بل عنصر مهم في توازن الاقتصاد العالمي.
الورقة التى تضغط بها إيران على واشنطن
من منظور استراتيجي، تدرك إيران تمام الإدراك أن واشنطن تراهن على “حرب خاطفة”، لذا تعمد طهران إلى استهداف البنية التحتية النفطية والمدنية في الخليج؛ لرفع تكلفة الحرب عالمياً، وبالتالى دفع حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا للضغط على واشنطن لوقف الحرب فوراً لتجنب انهيار اقتصادي عالمي.
كما أن إيران تقوم بالضغط على دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية (مثل قطر والكويت والبحرين) عبر توجيه ضربات لمدنها وبنيتها التحتية، وهذا بدوره يدفع تلك الدول للضغط على واشنطن رسمياً بمنع استخدام قواعدها لشن هجمات ضد إيران، أو حتى المطالبة برحيل القوات الأمريكية لتجنيب بلادهم الدمار، هذا يخلق “ارتباكاً كبيراً” في التحالف الدولي ويحرم أمريكا من منصات الإطلاق القريبة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة أيضاً، فاستهداف القوات الأميركية أو القواعد العسكرية قد يدفع واشنطن إلى توسيع الحرب بدلاً من إنهائها، خصوصاً بعد سقوط حوالى “ستة قتلى” في صفوف الجيش الأمريكي حسب “رويترز” واستهداف منشآت استراتيجية تخدم المصالح الأميركية.
وبينما يصرّ الرئيس ترامب على “الاستسلام غير المشروط” لإيران، ترى طهران أن قدرتها على “تصدير الفوضى” للخليج وللمصالح الأمريكية هي الضمان الوحيد لمنع سقوط النظام بالكامل.
ماذا يعني دخول أوروبا على خط المواجهة؟
دخول القوى الأوروبية الكبرى (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) على خط المواجهة بجانب أميركا يعد تحولاً استراتيجياً مهماً، لكنه لا يعني بالضرورة الاندماج الكامل في الأهداف الأمريكية، بل هو “تحرك دفاعي” لحماية التوازن الإقليمي ومصالحها الخاصة التي تضررت بشدة من الرد الإيراني.
فبمجرد أن بدأت إيران باستهداف دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر وغيرهم) كبديل للأهداف الأمريكية، أرسلت فرنسا طائرات “رافال” من قاعدة “الظفرة” في أبوظبي لاعتراض المسيرات الإيرانية فوق الأجواء الإماراتية، واعتبرت ذلك حماية لسيادة حليفتها وليس مشاركة في الحرب بشكل كامل.
وأيضاً بعد تعرض القاعدة البريطانية في أكروتيري بـ(قبرص) لهجمات بمسيرات إيرانية، اعتبرت بريطانيا أن الحرب انتقلت إلى “أراضٍ سيادية أوروبية”، وعلى أساسه أعلن رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” رسمياً عن إرسال المدمرة “HMS Dragon” إلى منطقة شرق المتوسط، وذلك لحماية القواعد البريطانية والسيادة القبرصية من التهديدات الجوية الإيرانية.
كما أن أوروبا تعتمد وبشكل حيوي على “الغاز القطري” والنفط الخليجي لتعويض غياب “الطاقة الروسية” فى أعقاب “الحرب الروسية الأكرانية”، وأي توقف طويل في “مضيق هرمز” يعني انهياراً اقتصادياً عميقاً في القارة العجوز.
ولكن وجود دول مثل فرنسا وانجلترا عسكرياً فى المنطقة له أهمية كبيرة فى حماية دول الخليج (الحلفاء الاقتصاديين) ومنع إيران من توسيع دائرة الصراع، وفى المقابل الضغط على واشنطن للحد من ضرباتها لإيران.
هل تتحول قواعد الخليج إلى منصات للحرب؟
إذا تعرضت دول الخليج لضغوط عسكرية مباشرة من إيران، فقد تجد نفسها أمام خيار صعب، وهو السماح باستخدام قواعدها وأراضيها لانطلاق عمليات عسكرية ضد طهران، فبعض هذه القواعد تستضيف بالفعل قوات أميركية كبيرة، ما يجعلها جزءاً من المعادلة العسكرية في أي صراع.
وعلى هذا الأساس فإن السماح باستخدام هذه القواعد بشكل مباشر في الهجمات قد يؤدي إلى عدة تداعيات:
- تحول هذه الدول إلى أهداف عسكرية مباشرة لإيران.
- توسع نطاق الحرب ليشمل البنية التحتية المدنية.
- ارتفاع المخاطر الأمنية داخل المنطقة.
لكن في المقابل، قد ترى بعض الدول أن هذا الخيار ضروري لحماية أمنها، إذا شعرت بأن التهديد الإيراني قد أصبح مباشراً.
مصير المنطقة ما بين الردع أوالحرب الشاملة
تقف المنطقة أمام معادلة معقدة للغاية، فكلما توسعت الحرب، زادت احتمالات تحول الخليج إلى مركز للمواجهة الاقتصادية والعسكرية،كما أن إيران قد تحاول استخدام الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها كورقة سياسية، بينما تسعى واشنطن إلى حماية توازن القوة في المنطقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن التاريخ أثبت أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تسير وفق حسابات دقيقة، وفي حال خرجت المواجهة عن السيطرة، فإن الخليج لن يكون مجرد ساحة للصراع العسكري فحسب، بل محوراً لزلزال اقتصادي عالمي قد يمتد تأثيره من أسواق الطاقة إلى أسعار الغذاء في كل أنحاء العالم.