كيف تحافظ السعودية على استقرار الأسعار رغم الحرب؟
الاقتصاد السعودي يظهر مرونة في استيعاب الصدمات
- mabdo
- 7 أبريل، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- استقرار الأسعار في السعودية, اقتصاد السعودية
الرائد| تختبر الحروب قدرة الاقتصادات على الصمود. فبينما واجهت الولايات المتحدة زيادة بنسبة 30% في أسعار البنزين، اضطرت مصر إلى تقليص ساعات العمل وإغلاق المحلات التجارية مبكراً لترشيد استهلاك الكهرباء، وعانت الدول النامية من انقطاع إمدادات الأسمدة، مما يهدد أمنها الغذائي.
ونظراً لتفاوت حدة هذه الأزمات، بدءاً من اضطرابات سلاسل التوريد وصولاً إلى ارتفاع التكاليف، تبرز تساؤلات حول موقف المملكة العربية السعودية في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
قال إحسان بوهوليجا، مؤسس مركز جوثا للاستشارات، لصحيفة الاقتصادية: “مع دخول الحرب أسبوعها السادس، واستمرار الضربات، يبقى الوضع غامضاً ومتقلباً، مما يجعل من الصعب إجراء تقييم نهائي لنتائجها على المدى الطويل”.
كيف تحافظ السعودية على استقرار الأسعار؟
يواجه العالم إحدى أخطر أزماته الجيوسياسية في السنوات الأخيرة بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مما أدى إلى هجمات انتقامية من جانب طهران في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.
امتدت الصدمة التي أصابت سوق النفط إلى الأسواق المالية.
وأوضح بوهولايغا أن آثار إغلاق مضيق هرمز في الأيام الأولى للحرب لم تقتصر على المنطقة فحسب، بل امتدت إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، وامتدت الصدمة إلى الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق السندات.
الاقتصاد السعودي يظهر مرونة في استيعاب الصدمات
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي محمد مكني لصحيفة الاقتصادية أن المملكة العربية السعودية تتمتع بمستويات تضخم مستقرة ومثالية، تتراوح بين 1.8% و2.2% خلال عام 2025 وتستمر عند نفس المستوى حتى عام 2026.
ويعزى هذا الاستقرار إلى الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها في السنوات الأخيرة، مما يشير إلى أن التضخم سيظل معتدلاً على المدى القصير ما لم تطول الحرب في المنطقة.
تنشر الهيئة الإحصائية مؤشر معدل التضخم الشهري للمملكة، لكن أحدث البيانات المتاحة تعود إلى شهر فبراير، أي قبل الحرب.
وأشار إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنسبة تتراوح بين 15% و50% منذ بداية الحرب، حيث تجاوز سعر خام برنت 120 دولارًا في بعض الأحيان نتيجةً لانقطاع الإمدادات. وقد ساهم ذلك في دعم عائدات النفط السعودية على المدى القصير، لا سيما في ظل نجاحها في إعادة توجيه صادراتها غربًا.
السعودية تتكيف مع إغلاق مضيق هرمز عبر خط أنابيب الشرق والغرب
بحسب بوهوليغا، فإن أحد أبرز العوامل في هذا التكيف هو قدرة المملكة العربية السعودية على استخدام خط أنابيب الشرق والغرب، الذي مكّنها من نقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس. وقد ساهم ذلك في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتخفيف آثار انقطاع الإمدادات.
أشار إلى أن تأثير الحرب على الاقتصاد السعودي سيكون محدوداً إذا انتهت قريباً. إلا أن استمرارها أو توسع نطاق الهجمات قد يؤثر على معدلات النمو، والتي من المتوقع أن تصل إلى حوالي 3.9% للاقتصاد ككل و4.2% للقطاع غير النفطي، مقارنةً بالتقديرات السابقة التي أشارت إلى نمو يتراوح بين 4.5% و4.6% قبل اندلاع الحرب.
كما أوضح مكني، فإن أحد أهم العوامل في كبح التضخم في المملكة، ومنع الآثار التضخمية التي شوهدت في بعض الدول الأخرى من الوصول إلى المستهلكين السعوديين، هو ربط الريال بالدولار، مما يؤدي إلى استقرار أسعار الواردات.
تشمل العوامل الإضافية الدعم الحكومي الواسع النطاق للطاقة والسلع الأساسية، وارتفاع أسعار النفط، مما يسمح للحكومة بزيادة الإنفاق على الدعم لحماية المستهلكين. علاوة على ذلك، تستطيع المملكة العربية السعودية الحفاظ على استقرار صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر، مما يعوض أي تقلبات محتملة في الإنتاج.
في حين أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات الإقليمية قد يزيد من تكلفة السلع والخدمات، فإن الدعم الحكومي للطاقة والسلع الأساسية يعمل كآلية لامتصاص بعض الضغوط التضخمية، وبالتالي حماية المستهلكين من أي تأثير مباشر.
المؤشرات الدورية تُظهر استقرار الأسعار
أفاد أحمد المحلكي، الرئيس التنفيذي لجمعية حماية المستهلك، لصحيفة الاقتصادية، بأن الأسواق المحلية شهدت استقراراً وتوازناً في أسعار السلع الغذائية الأساسية خلال الفترة من 28 فبراير إلى 31 مارس 2026. واستند هذا التقرير إلى بيانات رصد ميداني ومؤشرات دورية.
على الرغم من الظروف الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية المرتبطة بالحرب، لم تشهد المملكة ارتفاعاً عاماً في الأسعار. بل شهدت بعض السلع انخفاضاً طفيفاً، مما يعكس قوة سلاسل التوريد المحلية وتوافر المخزون الكافي.
استهلاك مستقر نسبياً مدعوم بفترتي رمضان والعيد
أكد بوهوليغا هذا الأمر، موضحاً أن الاستهلاك الخاص لا يزال نشطاً، على الرغم من انخفاض طفيف في الإنفاق عبر نقاط البيع. وبلغ الإنفاق حوالي 13 مليار ريال سعودي (3.46 مليار دولار أمريكي) في الأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بـ 14.8 مليار ريال سعودي في الأسبوع السابق. ويعود هذا الانخفاض إلى تراجع الإنفاق على الملابس والإكسسوارات، في حين شهد الإنفاق على المطاعم والمقاهي زيادة ملحوظة، مدفوعةً بعوامل موسمية مرتبطة بعيد الفطر.
أما فيما يتعلق بالسيولة، فقد بلغ المعروض النقدي (M3) مستوى قياسياً بلغ 3.218 تريليون ريال سعودي، مما يدعم استمرار الائتمان والنشاط في القطاع الخاص. وفيما يخص التضخم، ظلت الأسعار تحت السيطرة، حيث استقر مؤشر أسعار المستهلك عند 1.7% على أساس سنوي في فبراير 2026، بينما ظلت أسعار المواد الغذائية والوقود المحلية مستقرة، وفقاً لتصريح بوهولايغا.
القطاع غير النفطي بين النمو والانكماش
شهد مؤشر مديري المشتريات للقطاع غير النفطي في مارس 2020 انخفاضًا ملحوظًا إلى 48.8 نقطة، متجاوزًا عتبة الـ 50 نقطة التي تفصل بين النمو والانكماش. وهذه أدنى قراءة منذ أغسطس 2020، مقارنةً بـ 56.1 نقطة في فبراير، والتي كانت الأعلى بين دول الشرق الأوسط خلال ذلك الشهر.
يُعتبر مؤشر مديري المشتريات أحد أبرز المؤشرات لقياس مستوى النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص. أي قراءة أعلى من 50 نقطة تعكس آفاق النمو، وكلما ارتفعت القيمة، كان النمو أقوى. مع ذلك، ووفقًا لبوهولايغا، يفقد المؤشر بعضًا من قدرته التنبؤية خلال فترات عدم الاستقرار، لا سيما صدمات العرض، لأنه يخلط بين انخفاض كفاءة الإنتاج واتجاهات الطلب.
أظهر الاقتصاد السعودي مرونةً ملحوظةً في التعامل مع تداعيات الحرب، سواءً من خلال استقرار أسعار السلع الأساسية، أو كفاءة سلاسل التوريد، أو القدرة على إعادة توجيه صادرات النفط. وهذا يعزز قدرته على استيعاب الصدمات، على الرغم من أن التحديات لا تزال قائمةً تبعاً للتطورات الجيوسياسية المستقبلية، وفقاً لمؤسس مركز جوثا للاستشارات.
ارتفاع أسعار الغذاء العالمية
بحسب تقرير لوكالة رويترز، تُثير الحرب المرتبطة بإيران مخاوف من موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية. ويعود ذلك إلى اضطرابات في الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية. وإذا قلّل المزارعون من استخدامهم للأسمدة، فقد تنخفض غلة المحاصيل. علاوة على ذلك، يأتي جزء كبير من هذه الإمدادات من دول الخليج، التي تُعدّ من أبرز منتجي ومصدري الأسمدة والمواد المرتبطة بالغاز، مثل الأمونيا واليوريا.
كما حذر بنك أوف أمريكا من أن الصراع يهدد ما بين 65% و70% من إمدادات اليوريا العالمية، وأن الأسعار قد ارتفعت بالفعل بنسبة تتراوح بين 30% و40%.
في المملكة المتحدة، دعا ريتشارد ووكر، مستشار الحكومة لشؤون تكلفة المعيشة، إلى وضع حد مؤقت لأرباح شركات الطاقة والوقود لمنع ما وصفه بـ “التربح المفرط” من ارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط وانقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز.
يأتي هذا وسط مخاوف متزايدة من أن الصراع المستمر سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود وفواتير الطاقة، مما سيفاقم أزمة تكلفة المعيشة في المملكة المتحدة ويضغط على معدلات التضخم، والتي من المتوقع أن تظل فوق 3 بالمائة هذا العام، على عكس التوقعات السابقة بانخفاضها نحو هدف بنك إنجلترا.
تغيرات أسعار المواد الغذائية ضمن النطاق الطبيعي
بحسب تقرير الجمعية، شهدت بعض المنتجات ارتفاعاً في الأسعار مؤخراً. فقد ارتفع سعر لحم الضأن المحلي الطازج وبعض أنواع الأرز، بينما شهدت بعض السلع انخفاضاً طفيفاً، في حين حافظت سلع أساسية أخرى مثل الدقيق والبيض على استقرار أسعارها، مما يؤكد مرونة السوق في مواجهة الضغوط الخارجية.
أشار المحلي إلى أن ارتفاع أسعار أكياس الأرز الكبيرة قد يعكس ميل بعض المستهلكين إلى التخزين، بينما يرتبط ارتفاع أسعار اللحوم بتأثيرات على الواردات وارتفاع تكاليف الشحن. كما أكد أن ارتفاع الأسعار ليس واسع النطاق، وأن التقلبات المحدودة في بعض الأسعار تندرج ضمن النطاق الطبيعي للتغيرات المؤقتة، ولا داعي للقلق أو تصديق الشائعات. ونصح المستهلكين بمقارنة العلامات التجارية والتسوق من منافذ البيع التي تحافظ على استقرار الأسعار.
يتناقض هذا الاستقرار المحلي مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات في بعض البلدان الأخرى بسبب زيادة تكاليف النفط وتأثير الحرب على سلاسل الاستيراد والتوزيع.
يتوقع مكني أن تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً مزدوجاً في مواجهة الأحداث الجيوسياسية.
رغم احتمال تعطل سلاسل التوريد، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات، فإن ارتفاع أسعار النفط يعزز الإنفاق الحكومي ويدعم استقرار التضخم. وأشار إلى أن المؤشرات الدولية، بما في ذلك تقييم صندوق النقد الدولي وتوقعات وكالات التصنيف الائتماني، تُبرز مرونة الاقتصاد السعودي واستمرار نموه في القطاعات غير النفطية، مع بقاء التضخم ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها.