كيف أثرت الحرب الأوكرانية على الاقتصاد الروسي؟
لا تزال موسكو تُظهر قدرة على الصمود
- mabdo
- 19 أكتوبر، 2025
- اقتصاد الرائد, تقارير
بالإضافة إلى الجبهة العسكرية في أوكرانيا، انفتحت جبهة أخرى تُكافح روسيا لإدارتها في المجال الاقتصادي، حيث أصبح الجانب الإنتاجي من الاقتصاد مُعسكرًا بشكل كبير. من بين التحديات التي تُشكلها الحرب والعقوبات تأثير زيادة الإنفاق العسكري على القطاعات الأخرى؛ وتراجع معدلات النمو والتجارة الدولية والاستثمار؛ ونقص العمالة؛ والضغوط التضخمية. وبينما تُعيق مشاكل شفافية البيانات الإحصائية وموثوقيتها إجراء تحليلات سليمة للوضع الاقتصادي، يُمكن إجراء بعض التقييمات بالاستعانة بالدراسات التي أُجريت حول هذا الموضوع، بالإضافة إلى بيانات صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الروسي. وفق تحليل البروفيسور جوفين ديليس، رئيس قسم المالية والمصرفية بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة سيواس جمهوريت، عن تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد الروسي.
العقوبات الاقتصادية والمالية
لم تُجدِ العقوبات المحدودة، التي فُرضت بقيادة الولايات المتحدة ردًا على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤، نفعًا في التحذير. ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام ٢٠٢٢، فرض الغرب عقوباتٍ أشد شمولًا وقسوةً لشلّ الاقتصاد الروسي والضغط على بوتين لإنهاء الحرب. وشملت هذه العقوبات استبعاد البنوك والشركات الروسية من النظام المالي الدولي، وتجميد احتياطيات النقد الأجنبي، وتقييد استيراد السلع والخدمات غير الكافية المنتجة داخل البلاد، وخاصةً في القطاعات الاستراتيجية، وخفض صادرات الطاقة الروسية. وكجزء من هذه العقوبات، أوقفت مئات الشركات عملياتها في روسيا، وجُمِّدت أصول العديد من المواطنين الروس في الخارج.
حاولت روسيا مقاومة العقوبات بزيادة الإنفاق العام ومنع تدفقات رأس المال إلى الخارج. ومع توقف الاستثمار الأجنبي، أطلقت روسيا استثمارات واسعة النطاق مدعومة من الدولة في قطاع الدفاع. وطُوّر نظام دفع وطني، وخُفّضت حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي. وأدى تطبيق “القاعدة المالية”، المصممة للحد من تقلبات أسواق الطاقة الدولية، وخاصةً النفط، إلى الحد من تقلبات أسعار الصرف، وساعد في إدارة الضغوط التضخمية. وقد أتاحت الإدارة التكنوقراطية، ومرونة سلاسل التوريد، وإيرادات الطاقة، للاقتصاد الروسي التخفيف من آثار العقوبات، مما سمح له بالتكيف مع الظروف الصعبة التي خلقتها. ومع ذلك، يبدو أن انعكاس هذا الوضع مرجحًا للغاية على المدى الطويل. ففي السنة الثالثة من الحرب، بدأ الاقتصاد الروسي يشعر بآثار العقوبات الدولية بشكل أكثر حدة، وبدأ الاقتصاد، باستثناء قطاع الدفاع، يُظهر علامات ركود.
في حين يبدو الاقتصاد الروسي مرنًا ومستقرًا نسبيًا، إلا أن نقاط ضعفه الاقتصادية تتزايد. علاوة على ذلك، تتزايد وضوح اختلالات الاقتصاد الكلي والمشاكل الهيكلية، مما يُشكّل عائقًا كبيرًا أمام استمرار الحرب.
التوقعات الاقتصادية
وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي، انكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 1.4% في عام 2022، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب، وتحققت معدلات نمو حقيقية إيجابية في عامي 2023 (4.1%) و2024 (4.3%) بفضل التحفيز المالي والإنفاق الدفاعي اللذين طُبّقا كجزء من اقتصاد الحرب. وبسبب العقوبات الغربية القاسية وضوابط رأس المال الروسية، بقي جزء كبير من رأس المال المالي داخل البلاد وموّل الاستثمارات. وأدت زيادة الدخل والائتمان إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وإلى جانب زيادة المعدات العسكرية والاستثمارات ومنع هروب رؤوس الأموال، أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. ومن المفارقات أن الحرب كانت بمثابة محرك للنمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن استدامة هذا النمو وفوائده الاجتماعية محل جدل، مما أدى إلى وصفه بأنه “نمو اقتصادي منخفض الجودة مدفوع بالإنفاق الدفاعي”. وهناك تعليقات تشير إلى أن هذا النمو قد بلغ حدوده القصوى. ومن المتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي الروسي إلى أقل من 1% في عام 2025.
شهدنا خلال هذه الفترة نموًا إيجابيًا مصحوبًا بتزايد مؤشرات الضعف في بعض المؤشرات الاقتصادية الرئيسية. وأصبح ارتفاع التضخم مصدر قلق بالغ. وقد غذّت ثلاث سنوات من زيادة الإنفاق العام وزيادة الأجور الحقيقية التضخم. وفي عام ٢٠٢٤، ارتفع معدل التضخم إلى ٩.٥٪. واضطر البنك المركزي الروسي إلى مكافحة هذا التضخم برفع أسعار الفائدة، مما أدى إلى ارتفاعه إلى ٢١٪ في عام ٢٠٢٤. وهذا أعلى مستوى له منذ عام ٢٠١٣. ويبلغ المعدل حاليًا حوالي ١٧٪.
في حين أن معدلات البطالة منخفضة نسبيًا في البلاد (حوالي 2.3%)، إلا أن هناك أزمة عمالية حادة. فبينما غادرت بعض القوى العاملة الماهرة في سن العمل البلاد بعد الحرب، جُنِّد جزء كبير منها في الجيش الروسي. ويُعتقد أن هذا النقص في العمالة أدى إلى ارتفاع سريع في الأجور، وفي الوقت نفسه، إلى انخفاض الطاقة الإنتاجية لمعظم منشآت الإنتاج.
لا تزال الحصة المرتفعة للإنفاق العام، وخاصةً الإنفاق العسكري، من الناتج المحلي الإجمالي ومعدل نموه السريع تُشكل تحدياتٍ كبيرةً أمام الأداء السليم للاقتصاد. ورغم أن الإنفاق العام المرتفع ساهم في النمو الاقتصادي، إلا أنه فاقم أيضًا التفاوت بين السياسات النقدية والمالية. وتشير المؤشرات الحالية إلى أن روسيا قد تواجه ركودًا اقتصاديًا. ويُبرز مشروع الميزانية الجديد انخفاض مساهمة عائدات النفط والغاز الطبيعي في الميزانية، في حين يتضح انخفاض طفيف في الإنفاق الدفاعي. ويُموَّل عجز الميزانية من خلال الاقتراض المحلي وزيادات الضرائب.
أدى انخفاض صادرات الطاقة إلى زيادة الضغط على المالية العامة. وقد مكّن ارتفاع أسعار النفط، الذي غذته الحرب، من تمويل الإنفاق العسكري دون مشاكل تُذكر لفترة من الوقت. إلا أن الانخفاضات اللاحقة في أسعار النفط أدت إلى انخفاض الإيرادات. وفي ظل العقوبات، انخفض الطلب الأوروبي على النفط الروسي تدريجيًا، مما أجبر روسيا على البحث عن أسواق بديلة مثل الصين والهند.
لا تزال روسيا تواجه مشاكل هيكلية جسيمة تؤثر سلبًا على آفاقها الاقتصادية على المدى الطويل. وتشمل هذه المشاكل، التي تفاقمت بسبب الحرب، ارتفاع حصة الدولة في الاقتصاد، واعتمادها الكبير على أسعار النفط والغاز الطبيعي المتقلبة، وما ينتج عن ذلك من تأثر شديد بالصدمات الخارجية، ونقص استثمارات القطاع الخاص، وانخفاض الإنتاجية. وقد أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتمويل، إلى جانب عزلتها عن الأسواق العالمية، إلى إضعاف نمو وربحية الشركات خارج قطاع الدفاع والقطاعات ذات الصلة بمرور الوقت.
مع ذلك، ورغم تدهور بعض المؤشرات والمشاكل الهيكلية، لا تزال روسيا تُظهر قدرة على الصمود في وجه العقوبات وتكاليف الحرب الباهظة. وبينما تحول الشكوك الإحصائية دون إجراء تقييم دقيق لنقاط الضعف الاقتصادية، يُتوقع أن يكون للمشاكل الناجمة عن الحرب والعقوبات تأثيرٌ أكبر على التوقعات الاقتصادية لروسيا على المدى الطويل.