كوريا الجنوبية تدفع الذكاء الاصطناعي إلى المختبرات الحيوية
لإعادة تشكيل مستقبل البحث العلمي
- dr-naga
- 10 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- البحث العلمي, الحاسوب, الذكاء الاصطناعي, الطاقة النووية, المختبرات الحيوية والكيميائية, كوريا الجنوبية
الرائد:تخوض كوريا الجنوبية سباقاً تكنولوجياً محموماً لإعادة تشكيل مستقبل البحث العلمي، عبر نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي من غرف البرمجة الرقمية إلى قلب المختبرات الحيوية والكيميائية. ولم تعد هذه المبادرات مجرد تجارب تقنية عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية وطنية مدعومة حكومياً تهدف إلى أتمتة الاكتشافات العلمية، وتسريع تطوير الأدوية والمواد المتقدمة، وضمان ريادة سيول في الثورة الصناعية الرابعة وسط منافسة عالمية شرسة.
انتقلت كوريا الجنوبية إلى مرحلة أكثر طموحاً في سباق التكنولوجيا، بعدما بدأت الحكومة تسريع برنامج «كي-مونشوت» لتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تجارية إلى جزء أساسي من البحث العلمي وحل المشكلات الوطنية، مع تركيز خاص على الحوسبة الكمية، تطوير الأدوية، واجهات الدماغ والحاسوب، والطاقة النووية والاندماج.
وأفادت صحيفة «آسيا إي» الكورية 10 أغسطس الجاري بأن الحكومة تعمل على تسريع تنفيذ 12 مهمة كبرى ضمن برنامج «كي-مونشوت»، مع تحويل مديري هذه المهام إلى زملاء بحث وطنيين، بما يمنحهم دوراً أكثر استقلالاً ومسؤولية في تنفيذ مشروعات التكنولوجيا الاستراتيجية.
والخبر مهم لأنه يكشف تحولاً في طريقة إدارة كوريا الجنوبية للبحث العلمي. فبدلاً من توزيع التمويل على مشروعات منفصلة، تحاول الحكومة بناء منظومة تقودها أهداف محددة يمكن قياس نتائجها، وتربط الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات بالمشكلات التي تعتبرها الدولة ذات أولوية استراتيجية.
وتؤكد وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية أن برنامج «كي-مونشوت» يستهدف استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث بمجالات التكنولوجيا الاستراتيجية، ضمن خطة أوسع لرفع موقع كوريا إلى مصاف القوى العالمية الكبرى في العلوم والتكنولوجيا. كما رفعت الحكومة موازنة البحث والتطوير إلى 35.5 تريليون وون في 2026، مقابل 29.6 تريليون وون في 2025، بينما ارتفعت موازنة الذكاء الاصطناعي إلى 9.9 تريليون وون مقابل 3 تريليونات وون.
ومن أبرز الملفات التي وضعتها الحكومة في قلب البرنامج تطوير حاسوب كمي محلي بقدرة 50 كيوبت خلال 2026، ثم الوصول إلى نظام كمي مصحح للأخطاء بقدرة 100 كيوبت بحلول 2029. وتخطط سيول كذلك لإنشاء تجمعات إقليمية متخصصة في التكنولوجيا الكمية وربط البحث العلمي بالتطبيقات الصناعية.
وفي مجال الأدوية، بدأت كوريا منذ أبريل بناء بنية تحتية للتجارب الذاتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات لاختبار المرشحين الدوائيين الذين تصممهم أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتستهدف الحكومة بدء تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متخصص في السرطان عام 2027، على أن تظهر نسخة أولية منه بنهاية 2028.
أما أحد أكثر المشاريع إثارة للاهتمام فيتعلق بواجهات الدماغ والحاسوب. فقد أعلنت وزارة العلوم أنها ستطلق في أغسطس ائتلافاً يضم الشركات والجامعات ومعاهد البحث والمستشفيات، بهدف تطوير تقنيات يمكن أن تفسر إشارات الدماغ وتتيح التحكم في الأجهزة، مع استهداف إثبات منتج يساعد المصابين بالشلل الرباعي بحلول 2030.
وتربط سيول هذه المشروعات أيضاً بأمن الطاقة. فالحكومة تعمل على تقنيات المفاعلات النووية الصغيرة، وتدرس مفاعلات الملح المنصهر والمفاعلات المعيارية الدقيقة، إلى جانب تصميم مفاعل تجريبي للاندماج النووي بهدف الوصول إلى توليد الكهرباء خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
واللافت أن البرنامج لا يركز فقط على التكنولوجيا نفسها، وإنما على تغيير بيئة البحث. فقد أعلنت الوزارة إصلاحات تسمح للباحثين بخوض مشروعات أكثر مخاطرة، مع اعتبار جودة مسار البحث عاملاً في التقييم حتى عندما لا تحقق التجربة النتيجة الأصلية المتوقعة.
وهذه النقطة تعكس مشكلة تواجهها كثير من الدول الآسيوية المتقدمة: ارتفاع الإنفاق على البحث لا يؤدي بالضرورة إلى اكتشافات كبرى إذا ظل الباحثون يعملون تحت ضغط النتائج السريعة وتجنب المشروعات عالية المخاطر.
كما تسعى الحكومة إلى تخفيف العبء الإداري عن الباحثين ودمج أنظمة المعلومات البحثية، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم المشروعات ومراقبة التمويل وإدارة البيانات العلمية.
وتحاول كوريا في الوقت نفسه ربط البحث العلمي بالاقتصاد. فقد أعلنت أنها ستوسع الاستثمار العام والخاص في شركات الذكاء الاصطناعي إلى تريليوني وون خلال العام، مع إنشاء صندوق متخصص بقيمة 20 مليار وون لدعم الشركات الناشئة في مراحلها الأولى.
المغزى الأوسع أن سيول لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعاً منفصلاً، بل باعتباره بنية تحتية للبحث والصناعة والطاقة والصحة والدفاع والاقتصاد. وإذا نجحت الخطة، فقد تمنح كوريا قدرة أكبر على إنتاج التكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء بشرائها أو دمجها في صناعاتها التقليدية.
لكن النتيجة لن تُقاس بحجم الموازنات أو عدد البرامج المعلنة. المعيار الحقيقي سيكون عدد التقنيات التي تنتقل من المختبر إلى السوق، وعدد الشركات التي تستطيع المنافسة عالمياً، وما إذا كانت الاستثمارات الضخمة ستنتج اختراقات علمية حقيقية.
المصادر:
10 أغسطس 2026: صحيفة «آسيا إي» الكورية، متابعة تسريع الحكومة تنفيذ 12 مهمة رئيسية ضمن برنامج «كي-مونشوت» وتطوير نظام الباحثين الوطنيين.
16 يوليو 2026: وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية، خطة النصف الثاني من 2026 لتسريع الذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا وبرنامج «كي-مونشوت».
وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية، خطة العمل الوطنية لعام 2026 وموازنة البحث والتطوير والذكاء الاصطناعي.
وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية