كشمير تحت النار.. يوم اللاعنف يحيي ذاكرة الانتهاكات

في ظل صراع سياسي وأمني طويل

في اليوم الدولي للاعنف، الذي يوافق 2 أكتوبر من كل عام تزامناً مع ذكرى ميلاد المهاتما غاندي، تعود قضية جامو وكشمير إلى الواجهة من بوابة حقوق الإنسان، وسط استمرار اتهامات حقوقية للسلطات الهندية بارتكاب انتهاكات بحق السكان، تشمل الاعتقالات التعسفية والتضييق على الحريات والقيود المفروضة على النشاط السياسي والإعلامي.

وتقول كشمير للخدمات الإعلامية إن المناسبة تحمل مفارقة واضحة بالنسبة إلى سكان جامو وكشمير، الذين عاشوا لعقود في ظل صراع سياسي وأمني طويل. وتورد الخدمة أرقاماً تقول إن 96 ألفاً و507 كشميريين، بينهم رجال ونساء وأطفال، قتلوا منذ عام 1989، في حصيلة تنسبها إلى القوات الهندية، بينما لا تتوافر مصادقة مستقلة على هذا الرقم تحديداً.

إرث طويل من الانتهاكات

ولا تقتصر الانتقادات على التقارير الصادرة عن جهات كشميرية، إذ وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقارير سابقة اتهامات بانتهاكات خطيرة في الجزء الخاضع للإدارة الهندية من كشمير، بينها الاستخدام المفرط للقوة والاحتجاز التعسفي والتعذيب وحالات قتل خارج نطاق القضاء، إضافة إلى غياب المساءلة عن عدد من الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الأمن.

وأشارت المفوضية إلى أن قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة يمثل عقبة رئيسية أمام المساءلة، موضحة أن السلطات الهندية لم تمنح، منذ دخول القانون حيز التطبيق في كشمير عام 1990، إذناً بمحاكمة أفراد من قوات الأمن أمام محاكم مدنية في القضايا التي تناولتها المفوضية.

كما دعت إلى مراجعة قانون السلامة العامة الذي يسمح بالاحتجاز الإداري لفترات طويلة من دون توجيه اتهام أو إجراء محاكمة.

وترى ميناكشي جانجولي، المديرة السابقة لجنوب آسيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن معالجة الوضع في كشمير تتطلب مواجهة الانتهاكات السابقة وضمان المساءلة، بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات الأمنية. وقالت في تصريحات سابقة إن استمرار غياب العدالة بشأن الانتهاكات يغذي دورة العنف ويعمق مظالم السكان.

5 أغسطس.. نقطة تحول

ويظل الخامس من أغسطس 2019 محطة أساسية في تطورات القضية، بعدما ألغت الحكومة الهندية الوضع الدستوري الخاص الذي كان يتمتع به إقليم جامو وكشمير، وأعادت تنظيمه إلى وحدتين إداريتين خاضعتين للحكومة الاتحادية.

وسبق القرار ورافقه فرض قيود واسعة على الاتصالات والحركة، واحتجاز عدد من القادة السياسيين، وتعليق خدمات الإنترنت والاتصالات لفترة، في إجراءات قالت السلطات الهندية إنها ضرورية للحفاظ على الأمن ومنع الاضطرابات.

وأثارت تلك الإجراءات انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، إذ قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الهندية اتخذت خطوات تهدد الحقوق الأساسية في الإقليم، فيما اعتبرت جانجولي أن اعتقال القيادات السياسية وفرض القيود على التجمعات وإغلاق الاتصالات أثار مخاوف جدية بشأن الحريات العامة.

كما تناولت الأمم المتحدة في اتصالاتها اللاحقة مخاوف بشأن القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع السلمي، والاعتقالات التعسفية، إضافة إلى أوضاع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في الإقليم.

قوانين الأمن في مواجهة الحريات

وفي السنوات الأخيرة، ظل استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي محوراً رئيسياً في الجدل الحقوقي. وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن قانون الأنشطة غير المشروعة وقانون السلامة العامة استُخدما في قضايا تتعلق بصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان في جامو وكشمير.

وفي مارس 2026، قالت المنظمة إن الصحفي والمدافع الكشميري عن حقوق الإنسان عرفان مهراج أمضى ثلاثة أعوام في الحبس الاحتياطي، وإن السلطات استخدمت بحقه قانون الأنشطة غير المشروعة، بينما لا يزال المدافع خرم برويز محتجزاً منذ سنوات. ودعت المنظمة إلى الإفراج عن المحتجزين وإنهاء ما وصفته بقمع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وتشير هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إلى استمرار ورود مزاعم بشأن الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء في جامو وكشمير، كما تقول إن قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة ظل سارياً في الإقليم.

الأقليات والجدل داخل الهند

ولا تنفصل قضية كشمير، بحسب منظمات حقوقية، عن نقاش أوسع حول أوضاع الأقليات في الهند. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش خلال عام 2025 حوادث استهدفت مسلمين، بينهم كشميريون يعيشون أو يعملون في ولايات هندية أخرى، فيما تحدثت منظمة العفو الدولية عن تراجع مساحة العمل المدني واستخدام قوانين الأمن ومكافحة الإرهاب ضد صحفيين وناشطين وأكاديميين.

ويقول الباحث والأكاديمي جون سيفتون، في شهادة سابقة أمام لجنة حقوق الإنسان في الكونجرس الأمريكي، إن معالجة أزمة كشمير تتطلب النظر أيضاً إلى الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المخاوف الأمنية لا تعفي السلطات من مسؤولية محاسبة أفراد قواتها المتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان.

بين غاندي وواقع كشمير

المفارقة التي تطرحها قضية كشمير في يوم اللاعنف تتجاوز الاحتفال الرمزي بذكرى غاندي إلى اختبار عملي لمبادئ السلام والحوار وحقوق الإنسان.

وفي رسالته بمناسبة اليوم الدولي للاعنف، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى مواجهة الظلم والتمييز والقمع من خلال الحوار والدبلوماسية، مؤكداً أن السلام المستدام يرتبط بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

ومن هذا المنظور، يرى خبراء حقوق الإنسان أن استمرار المقاربة الأمنية وحدها لا يعالج جذور الأزمة. ويؤكد الباحث سابزار أحمد بهات، في دراسة أكاديمية عن الصراع وحقوق الإنسان في كشمير، أن اختزال القضية في الخلاف الهندي ـ الباكستاني على الإقليم يتجاهل إلى حد كبير الآثار التي يتحملها السكان نتيجة الصراع والانتهاكات المستمرة.

ويبقى التحدي أمام الهند والمجتمع الدولي هو تحويل الحديث عن اللاعنف إلى إجراءات ملموسة، تشمل حماية المدنيين، وضمان حرية الصحافة والتعبير والتجمع، ومراجعة قوانين الاحتجاز والأمن، والتحقيق في الاتهامات الموجهة إلى قوات الأمن والجماعات المسلحة على حد سواء.

وبينما تؤكد نيودلهي أن إجراءاتها الأمنية مرتبطة بمواجهة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار، تواصل المنظمات الحقوقية والأممية المطالبة بضمانات أقوى للمساءلة والحريات الأساسية.

وفي المحصلة، فإن الاحتفال باليوم الدولي للاعنف يضع قضية كشمير أمام سؤال يتجاوز المواقف السياسية: كيف يمكن بناء سلام مستدام من دون معالجة إرث الانتهاكات، وضمان العدالة والكرامة والحقوق للسكان؟

اترك تعليقا