كاتب بريطاني يعيد الاعتبار للإرث الإسلامي في أوروبا

جسور ثقافية تتجاوز الزمن

لم يعد الإرث الإسلامي في أوروبا مجرد فصول في كتب التاريخ، بل تحول إلى محور استراتيجي للحوار الحضاري والسياحة المستدامة،من أزقة غرناطة الأندلسية إلى منارات البلقان العثمانية،لنكتشف الجذور المشتركة التي تربط القارة العجوز بحضارة الشرق.

في وقت تستعد فيه الأوساط الأكاديمية الأوروبية لسلسلة من المؤتمرات العلمية الكبرى خلال عام 2026، يبرز دور العلماء المسلمين في القارة كقوة دفع أساسية في مجالات التكنولوجيا الفائقة، الطب، والفيزياء الكونية. لم يعد الإسهام الإسلامي محصوراً في رفوف التاريخ الأندلسي، بل بات يكتب فصول “النهضة الثانية” في مختبرات باريس، لندن، وبرلين،ونشير الي بعض العلماء المسلمين في ايجاز: 

*بصمات القرن العشرين: وضع الحجر الأساس
شهد القرن العشرون بزوغ قامات علمية مسلمة استقرت في أوروبا وغيرت مجرى العلم الحديث:

عبد السلام (فيزياء): الفيزيائي الباكستاني الذي عمل في “إمبريال كوليدج لندن” ونال جائزة نوبل عام 1979 لإسهامه في نظرية القوة الكهرومغناطيسية الضعيفة، واضعاً أسس الفيزياء النظرية المعاصرة.

فضل الرحمن خان (هندسة): الملقب بـ “أبو التصاميم الأنبوبية” لناطحات السحاب، والذي أحدث ثورة في الهندسة المعمارية الحديثة اعتمدتها كبرى العواصم الأوروبية. 

*القرن الحادي والعشرون: جيل الابتكار الفائق
مع دخولنا العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يقود جيل جديد من العلماء المسلمين مراكز الأبحاث الأوروبية:

عزيز سانجار (كيمياء): الحائز على نوبل 2015 لأبحاثه حول إصلاح الحمض النووي (DNA)، وهي دراسات محورية تجري حالياً في مختبرات أوروبية لتطوير علاجات السرطان.

أوجور شاهين وأوزليم توريشي: الثنائي الذي قاد شركة “بيونتيك” في ألمانيا لتطوير أول لقاح بتقنية mRNA، وهو الاختراق العلمي الذي أعاد صياغة علم اللقاحات العالمي في القرن الحادي والعشرين.

سارة الشافعي (العلوم البحرية): باحثة بارزة في جامعة ساوثهامبتون البريطانية، تساهم في دراسة تأثير التغير المناخي على المحيطات، وهو الملف الأبرز على طاولة الاتحاد الأوروبي لعام 2026. 

مؤتمرات 2026: تستعد “الجمعية البريطانية للدراسات الإسلامية” (BRAIS) لعقد مؤتمرها السنوي في لندن (إبريل 2026) لمناقشة أبحاث العلماء المسلمين في مجالات الحقوق الرقمية والعلوم الاجتماعية.

الاستدامة والبيئة: برز علماء مثل عدي المطيري في تطوير تقنيات كيميائية صديقة للبيئة تُستخدم حالياً في مشاريع الطاقة النظيفة الأوروبية. 

كاتب بريطاني يعيد الاعتبار للإرث الإسلامي في أوروبا

سلّطت صحيفة Arab News الضوء على تجربة المؤرخ والكاتب البريطاني من أصول عربية ثاريك حسين، الذي يقدّم قراءة مختلفة للتاريخ الأوروبي، قائمة على البحث والتوثيق، لإبراز الإسهامات الإسلامية في بناء الحضارة الأوروبية، بعيداً عن السرديات الإقصائية التي تصوّر الوجود الإسلامي كعنصر طارئ على القارة.

ويرى حسين في كتاباته أن أوروبا الحديثة مدينة في جزء من تطورها العلمي والثقافي للعالم الإسلامي، مستشهداً أولاً بدور الأندلس كمركز حضاري نقل العلوم والمعرفة إلى الغرب.

فقد شكّلت مدن مثل قرطبة وطليطلة جسوراً علمية تُرجمت عبرها مؤلفات علماء مسلمين، من بينهم الخوارزمي وابن الهيثم والزهراوي، إلى اللاتينية، واعتمدتها الجامعات الأوروبية في الرياضيات والبصريات والجراحة.

وفي السياق الفكري، يبرز الكاتب الفلسفة الإسلامية دليلاً ثانياً على عمق هذا التأثير، حيث لعبت شروحات ابن رشد لأعمال أرسطو دوراً محورياً في تشكيل الفكر الأوروبي الوسيط، وأثّرت مباشرة في فلاسفة مثل توما الأكويني، ما ساهم في ترسيخ العقلانية وفتح الطريق أمام النهضة الأوروبية.

أما في مجال الطب، فيقدّم حسين دليلاً ثالثاً يتمثل في كتاب «القانون في الطب» لابن سينا، الذي ظل مرجعاً أساسياً في كليات الطب الأوروبية حتى القرن السابع عشر. ويعتبر الكاتب أن هذا الامتداد الزمني الطويل لاستخدام مؤلف طبي إسلامي يعكس عمق الثقة العلمية التي حظي بها الطب الإسلامي في أوروبا.

ولا يقتصر حديث حسين على العلوم النظرية، بل ينتقل إلى الشواهد المادية، مستشهداً—كدليل رابع—بتأثير العمارة والفنون الإسلامية في أوروبا، حيث انتقلت الأقواس والزخارف الهندسية والقباب إلى المباني في إسبانيا وجنوب فرنسا، ولا تزال حاضرة في معالم تاريخية تشهد على التفاعل الحضاري بين الضفتين.

ويختم الكاتب أدلته بالحديث عن الإسهام الاقتصادي والتجاري للمسلمين، موضحاً أن أنظمة مثل الشيكات (السَّك)، وأساليب المحاسبة، وشبكات التجارة الواسعة التي ربطت أوروبا بالعالم الإسلامي، أسهمت في ازدهار المدن الأوروبية في العصور الوسطى، وشكّلت أساساً لتطور الاقتصاد الأوروبي لاحقاً.

من خلال هذا الطرح المدعّم بالأمثلة، يؤكد ثاريك حسين أن فهم الإرث الإسلامي في أوروبا ليس شأناً تاريخياً فحسب، بل مدخلٌ مهم لتعزيز التعايش والتعددية الثقافية في الحاضر. وتبرز أهمية هذا النوع من التغطيات، كما تشير Arab News، في إعادة بناء الوعي بالتاريخ المشترك، بما يرسّخ فكرة أن الحضارة الأوروبية نتاج تفاعل إنساني واسع، شارك فيه العرب والمسلمون بدور فاعل ومؤثر.

رغم النجاحات، تشير تقارير عام 2026 إلى أن العلماء المسلمين في أوروبا لا يزالون يواجهون فجوة في “التأطير المؤسسي” وحاجة لمزيد من الدعم ضد التمييز في بيئة العمل الأكاديمي.
ومع ذلك، يبقى هؤلاء العلماء هم “القوة الناعمة” التي تكسر الصور النمطية، محولين المختبرات إلى ساحات للحوار الحضاري.
مواقع اليكترونية+ الذكاء الاصطناعي