قمم غائبة وحرب تتسع.. السعودية بين خوض صراع منفرد مع  الحوثيين وفتح أبواب التسوية

حديث ترامب عن تدخل تركي يزيد المشهد تعقيدا

الرائد ..تجد السعودية نفسها أمام منعطف أمني وسياسي بالغ الحساسية، مع تصاعد هجمات الحوثيين، واتساع المواجهة الإقليمية، وعودة الخيار العسكري إلى واجهة المشهد اليمني. وفي الوقت الذي تتعالى فيه الدعوات إلى عقد قمة عربية أو خليجية لتأكيد التضامن مع الرياض، يبرز سؤال عن أسباب غياب القمم الاستثنائية، ومدى تأثير تباينات المواقف العربية والخليجية في القدرة على صياغة رد جماعي يتجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات سياسية وأمنية ملموسة.

لكن الصورة ليست غيابًا كاملًا للتضامن؛ فقد أدانت الجامعة العربية الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية على السعودية وأكدت دعمها لحق المملكة في حماية سيادتها وأمنها. كما استقبلت القاهرة المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في نهاية سبتمبر، ضمن تحركات تناولت التصعيد العسكري وتداعياته الإقليمية.

المعضلة، إذن، ليست في إعلان المواقف فحسب، بل في تحويلها إلى استراتيجية عربية وخليجية مشتركة تستطيع احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.

بيانات التضامن والتحول تحرك جماعي

تطرح الدعوات إلى عقد قمة عربية استثنائية تساؤلات بشأن قدرة النظام العربي على التعامل مع التهديدات الأمنية التي تتعرض لها إحدى دوله. غير أن عدم انعقاد قمة مخصصة للأزمة لا يعني بالضرورة امتناع الجامعة العربية أو مجلس التعاون الخليجي عن دعم السعودية؛ فالمؤسستان أصدرتا مواقف مؤيدة، كما عقد قادة الخليج اجتماعًا تشاوريًا في جدة في 28 أبريل 2026 لبحث التطورات الإقليمية والتنسيق الأمني والدبلوماسي.

وتكمن المسألة الأساسية في الفارق بين الاتفاق على إدانة الهجمات والاتفاق على كيفية الرد عليها. فإصدار بيان تضامن لا يفرض بالضرورة التزامات عسكرية جديدة، بينما يمكن أن تترتب على القمة الاستثنائية مطالب بتفعيل الدفاع المشترك، أو اتخاذ تدابير اقتصادية، أو تبني سياسة أكثر صرامة تجاه الأطراف الداعمة للحوثيين.

وتتداخل هنا حسابات الدول الأعضاء؛ فبعضها قد يعطي الأولوية لاحتواء المواجهة الإقليمية، فيما يتحفظ بعضها الآخر على توسيع العمليات العسكرية خشية امتدادها إلى أراضيه أو تهديد الملاحة وإمدادات الطاقة. كما أن التباينات السعودية الإماراتية بشأن بعض ملفات اليمن، إلى جانب الخلافات الخليجية السابقة، تطرح تساؤلات حول حدود التوافق السياسي، وإن لم تكن دليلًا كافيًا على أن هذه الخلافات هي السبب المباشر لعدم عقد قمة جديدة.

وبالتالي، فإن غياب قمة مخصصة لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا يصح اعتباره دليلًا قاطعًا على تخلي الدول العربية والخليجية عن الرياض. لكن استمرار الاكتفاء بالمواقف العامة، إذا لم يصاحبه تنسيق عملي، قد يثير تساؤلات بشأن فاعلية منظومة الأمن الجماعي في مواجهة تهديدات تتجاوز حدود دولة واحدة.

وساطات جديدة.. هل تستطيع طهران فتح باب التفاوض؟

على المسار الدبلوماسي، لا تزال هناك مؤشرات على أن الحل السياسي لم يخرج نهائيًا من الحسابات الإقليمية، رغم تصاعد المواجهة. ففي 12 أكتوبر، عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على نظيره السعودي فيصل بن فرحان المساعدة في تيسير الحوار بين الرياض والحوثيين، محذرًا من أن استمرار النهج العسكري وإهمال الحل السياسي سيزيدان الأزمة تعقيدًا كما تم التطرق لهذه الجهود خلال اتصال هاتفي ونظيره المصري بدر عبدالعاطي اليوم.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة لأن طهران تتمتع بعلاقات وثيقة مع الحوثيين، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على فرض قراراتها عليهم في جميع الملفات. ومن ثم، فإن نجاح الوساطة الإيرانية يتوقف على استعداد الأطراف لوقف الهجمات، وعلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات تتعلق بأمن السعودية، ومستقبل السلطة في اليمن، والممرات البحرية الاستراتيجية.

وفي موازاة ذلك، تواصل الأمم المتحدة تحركاتها السياسية؛ إذ بحث مبعوثها الخاص إلى اليمن، خلال زيارته القاهرة في نهاية سبتمبر، التصعيد العسكري وتداعياته على البحر الأحمر والجهود الرامية إلى إنهاء النزاع بصورة مستدامة. وتوفر هذه التحركات قناة دبلوماسية يمكن البناء عليها، لكنها لا تعني أن اتفاقًا وشيكًا قد تحقق بالفعل.

وتواجه الوساطة تحديًا إضافيًا يتمثل في تداخل الملف اليمني مع المواجهة الإقليمية الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فكلما اتسع نطاق الصراع، أصبح التوصل إلى تسوية يمنية منفصلة أكثر صعوبة، إذ قد تتحول الهجمات الحوثية إلى ورقة ضغط في مفاوضات تتجاوز حدود اليمن نفسه.

ترامب وتركيا..

على الجانب العسكري، رفعت الهجمات الأخيرة مستوى الضغوط على الرياض وواشنطن. وفي 13 أكتوبر، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن احتمال طلب مساعدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مواجهة الحوثيين، في وقت لوّح فيه بإمكانية اتخاذ خطوات أمريكية إضافية بعد الهجمات التي استهدفت السعودية.

لكن الحديث عن طلب مساعدة تركية لا يعني صدور قرار بالتدخل المباشر داخل اليمن. فهناك فرق بين تقديم الدعم الدفاعي والتقني للسعودية، والمشاركة في عمليات جوية، وإرسال قوات برية إلى الأراضي اليمنية؛ ولكل خيار حساباته وتكاليفه السياسية والعسكرية.

وكانت تقارير في 7 أكتوبر قد تحدثت عن تقديم تركيا دعمًا دفاعيًا وتقنيًا للسعودية في إطار ترتيبات تعاون أمني مع الرياض وإسلام آباد. ويشير ذلك إلى أن التحرك الإقليمي لا يقتصر على التصريحات، لكنه لا يثبت أن أنقرة قررت خوض حرب برية ضد الحوثيين.

وتكمن المعضلة في أن توسيع التدخل العسكري قد يرفع كلفة الهجمات على الحوثيين، لكنه قد يدفعهم أيضًا إلى تصعيد استهداف المنشآت الحيوية والمطارات والممرات البحرية. كما أن السيطرة على مناطق يمنية جديدة لا تضمن وحدها إنهاء التهديد، ما لم تقترن بتسوية سياسية تعالج جذور الصراع وتحد من قدرة الأطراف على إعادة إنتاجه.

بين الردع والتسوية.. أي طريق أمام الرياض؟

لا تبدو المعادلة الراهنة محصورة بين الاستسلام للتهديدات أو الذهاب إلى حرب مفتوحة؛ إذ تستطيع السعودية الجمع بين تعزيز دفاعاتها، وتنسيق المواقف مع شركائها، والضغط لوقف الهجمات، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.

أما الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، فتظل أمامهما مهمة تتجاوز إصدار بيانات الإدانة إلى بحث آليات عملية لتنسيق الاستجابة، وتبادل المعلومات، وحماية المنشآت الحيوية والملاحة، ودعم مسار سياسي قابل للاستمرار.

ومن هنا لا تشير المعطيات إلي  أن الرهان العسكري أصبح الخيار الوحيد، كما لا تضمن المبادرات الدبلوماسية نجاح التسوية. وبين التصعيد والوساطة، يبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت التحركات الإقليمية ستنجح في تحويل التضامن المعلن مع السعودية إلى ترتيبات أمنية وسياسية تحد من الهجمات، من دون دفع اليمن والمنطقة إلى حرب أوسع يصعب احتواء تداعياته.

 

 

 

اترك تعليقا