قمة الناتو في تركيا والمسار المختلف

سعيد الحاج يكتب

في قمة الناتو التي تستضيفها أنقرة يبدو الحلف على مفترق طرق، وليس من باب المبالغة أننا قد نكون أمام حلف بصورة جديدة ومسار مختلف بعد هذه القمة.

فكما كان انتهاء الحرب الباردة محطة رئيسة لم يعد الحلف بعدها كما كان بزوال التهديد الرئيس ضده ومسبب وجوده الأساسي، فالحلف اليوم أمام تحد لا ينبغي التقليل منه عنوانه الرئيس أزمة الثقة على ضفتي الأطلسي بين القائد الأمريكي والحلفاء الأوروبيين.

يقف ترمب مطولاً أمام ما يعده خذلاناً أوروبياً لبلاده في حربها على إيران، لكن الحقيقة أن الموقف الأوروبي كان نتيجة لا سبباً.
كان نتيجة لنظرة ترمب وإدارته للناتو، بأنه لم يعد بنفس الفائدة للولايات المتحدة، وأنها “تدفع” لصالحه أموالاً أكثر بكثير من الطرف الأوروبي “المستفيد” منه.

يريد الأوروبيون الحفاظ على مبدأ “الأمن الجماعي”، بينما يريد ترمب حلفاء يأتمرون بأمره ويتبعون رؤيته في التهديدات والأولويات والتوجهات الرئيسة. وهو موقف ليس جديداً على ترمب، فقد كانت له نفس الرؤية والرأي في رئاسته الأولى، ما دفع الرئيس الفرنسي ماكرون للقول حينها تحسراً وتحفيزاً للأوروبيين بأن “الناتو يعاني من موت سريري”.

انعكست تلك الأزمة في الموقف من الحرب في أوكرانيا، وتجلت في صورة القادة الأوروبيين أمام ترمب في البيت الأبيض والتي كانت أقرب لطلاب أمام معلمهم من شركاء في أكبر حلف عسكري – أمني في العالم.

اليوم، تنعقد قمة الناتو في أنقرة وأزمة الثقة في أوجها. ترمب يعلن أنه ما كان ليشارك في القمة لولا أن تركيا تستضيفها وأردوغان دعاه(!!)، والأوروبيون يرفعون من ميزانياتهم الدفاعية ليس فقط استجابة للشروط الأمريكية ولكن بحثاً عن مظلة أمنية شبه مستقلة قد يحتاجون لها في ظل الخلافات والاختلافات مع الولايات المتحدة والتي من غير المؤكد أن تختفي مع نهاية رئاسة ترمب.

الأوروبيون فزعون من تراجع أهمية الناتو وبالتبعيّة الأمن الأوروبي في الرؤية الأمريكية (الجمهورية بالحد الأدنى)، ويبحثون عن بدائل قد يكون من بينها “جيش أوروبي”، لكنهم ما زالوا غير قادرين في المقابل عن التخلي عن المظلة الأمريكية في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور.

هذه الأزمة غير مرشحة فيما يبدو للحل سريعاً، ما يعني أن الناتو يقف أمام منعطف تاريخي وقد يدخل في مرحلة جديدة برؤية وأولويات وتوجهات وتوازنات مختلفة.

ماذا عن تركيا في خضم كل ذلك؟
تدرك تركيا حساسية اللحظة والمآلات المحتملة، وتنظر للأزمة كتحدٍّ وفرصة في الوقت ذاته، فتعمل على تفادي/تقليل تداعياتها عليها من جهة، وعلى الاستفادة من المساحات الرمادية التي تخلقها من جهة أخرى، وعلى مسارات داعمة/بديلة من جهة ثالثة. وهو ما يحتاج تفصيلاً أعود اليه قريباً إن شاء الله.

اترك تعليقا