“قطر” توسّع التمويل الإسلامي خارج النمط التقليدي
الصكوك والرقمنة تدفعان الصناعة نحو مرحلة جديدة
- معاذ علي
- 10 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, اقتصاد قطر, التمويل الإسلامي
لم تعد الصيرفة الإسلامية في “قطر” مجرد مكوّن موازٍ للقطاع المصرفي التقليدي، بل أصبحت إحدى الركائز الرئيسية للمنظومة المالية، مع اتساع أصول المصارف الإسلامية وتمويلاتها وودائعها، وتزايد حضور الصكوك والتكنولوجيا المالية والتمويل المستدام، وتكشف أحدث البيانات أن الصناعة تدخل مرحلة جديدة لا يرتبط فيها النمو بزيادة حجم الميزانيات فقط، وإنما بمحاولة توسيع نطاق المنتجات والخدمات وربط التمويل بالتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي.
قاعدة مصرفية تتسع..
أظهرت بيانات تقرير «التمويل الإسلامي في دولة قطر لعام 2025» الصادر عن بيت المشورة للاستشارات المالية، أن إجمالي أصول مكونات منظومة التمويل الإسلامي في قطر ارتفع إلى نحو 718.5 مليار ريال في 2025، مقابل 682.3 مليار ريال في 2024، واستحوذت البنوك الإسلامية على الحصة الأكبر، بإجمالي أصول بلغ 616.5 مليار ريال، تمثل 85.8% من أصول المنظومة، وبنمو سنوي بلغ 5.3%، متجاوزاً نمو البنوك التجارية التقليدية البالغ 5%، كما شكّلت أصول البنوك الإسلامية نحو 28% من إجمالي أصول القطاع المصرفي القطري.
وعلى مستوى النشاط المصرفي، ارتفعت الأصول المحلية للبنوك الإسلامية إلى 554.3 مليار ريال، بنمو 4.6%، بينما صعدت الودائع 7.5% إلى 364.4 مليار ريال، بما يعادل نحو 35% من إجمالي ودائع الجهاز المصرفي، كما زاد التمويل الذي قدمته المصارف الإسلامية 4.2% إلى 418.3 مليار ريال، ليستحوذ على نحو 29% من إجمالي تمويلات القطاع المصرفي، وتضم السوق أربعة بنوك إسلامية رئيسية هي مصرف قطر الإسلامي «المصرف»، ومصرف الريان، وبنك دخان، وبنك قطر الدولي الإسلامي.
ولا يقتصر الحضور على حجم الأصول، إذ تمتلك المصارف الإسلامية حصصاً كبيرة في تمويل قطاعات اقتصادية رئيسية؛ فقد استحوذت على 63% من التمويل الاستهلاكي، و44% من التمويل العقاري، و42% من تمويل قطاع المقاولات، و34% من التمويل الصناعي، فيما توجه نحو 96% من إجمالي تمويلاتها إلى السوق المحلية، وتعكس هذه الأرقام انتقال الصيرفة الإسلامية من قطاع متخصص إلى لاعب مؤثر في تمويل النشاط الاقتصادي القطري.
ما بعد المنتجات المصرفية..
المرحلة المقبلة تبدو مرتبطة بقدرة الصناعة على توسيع أدواتها خارج نطاق التمويل المصرفي التقليدي، خصوصاً في الصكوك والتمويل المستدام والخدمات الرقمية، ووفق البيانات الرسمية، جاءت الصكوك في المرتبة الثانية ضمن مكونات منظومة التمويل الإسلامي في “قطر” بحصة تقارب 11% من إجمالي أصول القطاع، بينما بلغت حصة التأمين التكافلي نحو 0.7%، مع توزع باقي الأصول بين شركات التمويل والاستثمار والصناديق الاستثمارية.
ويكتسب التحول الرقمي أهمية إضافية مع نمو التكنولوجيا المالية الإسلامية، فقد أظهر تقرير «Global Islamic FinTech Report 2025–2026» أن حجم سوق التكنولوجيا المالية الإسلامية في “قطر” بلغ نحو 3.1 مليار دولار في 2024–2025، مع توقعات بوصوله إلى 4.8 مليار دولار بحلول 2029، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9%، كما صنف التقرير “قطر” سادس أكبر مركز عالمي لسوق التكنولوجيا المالية الإسلامية، وسابعاً من حيث ملاءمة البيئة الداعمة لهذا القطاع.
ولا تعني الرقمنة مجرد نقل الخدمات المصرفية إلى التطبيقات والمنصات الإلكترونية؛ إذ يشير الاتجاه العام في الصناعة إلى توظيف التكنولوجيا لتحسين كفاءة التشغيل، وخفض التكاليف، وتسريع الخدمات، وتطوير منتجات متوافقة مع الشريعة تلائم احتياجات الأفراد والشركات، وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية الصكوك المستدامة والتمويل المرتبط بالمشروعات الخضراء، في ظل توجه “قطر” إلى تطوير اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
وتظهر بالفعل مؤشرات على هذا التحول؛ إذ أشار الرئيس التنفيذي لبنك قطر الدولي الإسلامي، عبدالباسط أحمد الشيبي، إلى أن الاستثمار المبكر في البنية التكنولوجية والتحول الرقمي أسهم في رفع الكفاءة وتحسين تجربة العملاء، بينما تجاوزت إصدارات الصكوك في قطر 20 مليار ريال، وشهد الربع الأول من 2026 إدراج أول صكوك خضراء في بورصة قطر، أصدرها مصرف الريان بقيمة 500 مليون ريال.
اختبار المنافسة والاقتصاد الحقيقي..
رغم قوة المؤشرات، تواجه الصيرفة الإسلامية القطرية تحديات تتجاوز زيادة الأصول، فالمنافسة مع البنوك التقليدية تفرض على المصارف الإسلامية تقديم تكلفة تمويل وخدمات رقمية وقدرة استثمارية تنافسية، إلى جانب الحفاظ على متطلبات الالتزام الشرعي والحوكمة وإدارة المخاطر، كما يظل التوسع في التمويل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الحقيقي على استيعاب الائتمان، وبمستوى المخاطر الناتجة عن تغيرات الاقتصاد العالمي وتكاليف التمويل والاضطرابات الجيوسياسية.
وتعكس مؤشرات القطاع المصرفي القطري في 2025 وجود هوامش مالية قوية؛ فقد ارتفعت نسبة كفاية رأس المال إلى 19.9% من 19.6% في 2024، بينما انخفضت نسبة القروض غير المنتظمة إلى 3.4% من 3.6%، وارتفعت تغطية القروض غير المنتظمة إلى 84.6% من 77.4%، كما بلغت الأصول السائلة 25.2% من إجمالي الأصول و58.8% من المطلوبات قصيرة الأجل، وهي مؤشرات تعكس متانة السيولة ورأس المال على مستوى الجهاز المصرفي ككل.
لكن التحدي الأكبر أمام الصناعة لا يتعلق بالاستقرار المالي وحده، وإنما بقدرتها على توسيع أثرها الاقتصادي، فتركيز التمويل في قطاعات مثل الاستهلاك والعقارات والمقاولات والصناعة يجعل زيادة توجيه رأس المال إلى الشركات الخاصة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والمشروعات الخضراء والقطاعات الجديدة عاملاً مهماً في اختبار مدى مساهمة التمويل الإسلامي في التنويع الاقتصادي.
كما أن المنافسة الإقليمية تزداد مع تطور أسواق التمويل الإسلامي في السعودية والإمارات والكويت والبحرين، ما يجعل قدرة قطر على الجمع بين قوة القطاع المصرفي، والتكنولوجيا المالية، والصكوك، والاستثمار الدولي، والتمويل المستدام عاملاً حاسماً في تعزيز موقعها كمركز إقليمي للتمويل الإسلامي، ولا تتوقف المنافسة على حجم السوق، بل تمتد إلى جودة المنتجات، والسيولة، والابتكار، والبيئة التنظيمية، والقدرة على استقطاب رؤوس الأموال.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الصيرفة الإسلامية في قطر تدخل بالفعل مرحلة توسع متعددة الأبعاد، مدفوعة بنمو الأصول والتمويل والودائع، إلى جانب الرقمنة والابتكار والصكوك والتمويل المستدام، غير أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بزيادة الأصول وحدها، وإنما بقدرة القطاع على تحويل هذا النمو إلى تمويل أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المنتج، مع الحفاظ على كفاءة المصارف وجودة أصولها والالتزام بالضوابط الشرعية.
وبذلك، تبدو أمام الدوحة فرصة لتوسيع نموذجها المالي الإسلامي من قاعدة مصرفية قوية إلى منظومة أوسع تجمع بين البنوك والصكوك والتكنولوجيا المالية والاستثمار المستدام، وإذا نجحت في تحقيق التوازن بين الابتكار والانضباط المالي والالتزام الشرعي، فقد يتحول النمو الحالي من توسع في حجم الصناعة إلى تطور فعلي في دورها داخل الاقتصاد القطري والإقليمي.