قراءة في كتاب: “العنصرية”.. للدكتور ياسر عبد التواب (2)

يسري الخطيب يكتب

العنصرية بين الإسلام والعلمانية

يمكننا النظر إلى مبدأ العلمانية على أنها الفكرة التي تتبناها النظم العالمية الحالية (رغم اختلاف توجهاتها يمينا أو يسارا ) كنوع من التوافق بين الأنظمة السياسية الحاكمة وبين الأديان التي يعتنقها أبناء القطر الواحد وأفرز ذلك ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقات بين المجتمع ونظامه الحاكم كي تحافظ على نسيج المجتمعات دون خلافات وتعصبات ؛ وتقوم تلك الأنظمة على أساس فصل الأديان عن التدخل في نظم الحياة التي توافق عليها البشر المقيمين على تلك الأرض كنوع من الحياد

 وهذا مبدأ نظري تم الوصول إليه بشكل خاص في الغرب – وفي الشرق وضع مشابه حيث كان الإلحاد منافسا للتدين – بعد أحداث مريرة تحكم فيها رجال الدين هناك وحكامها في المجتمع برمته

وكان بين رجال الدين والحكام منافسة وتحكمات وشد وجذب وكانت الأمور غالبا ترجح في كفة رجال الدين نظرا لسلطتهم الروحية ومن ثم فقد عمل رجال الحكم من الملوك والساسة على استرضائهم وكانت الشعوب هي من تدفع ثمن تلك التفاعلات – توافقا او اختلافا – وهو ما كان تمهيدا مجتمعيا للثورات ضد تلك الأنظمة

ومن بعد ذلك توافقت الثورات والحروب الأهلية على عقد اجتماعي جديد أفرز العلمانية كإطار فلسفي تطبيقي يقصي تحكم رجال الدين ويضبط أداء رجال الحكم وفقا لأصول أرضية لا كهنوتية وتبع ذلك إنشاء أدوات الحكم من قوانين ومواثيق ومنظمات تتبنى إشاعة تلك النظم ( كالأمم المتحدة ومجلس الأمن  حاليا )

وظل تطبيق ذلك في أرض الواقع صعبا للغاية حيث العلمانية نشأت في ظرف عدائي للدين كنتاج لثورات كان رجال الدين طرفا فيها

ويجب أن نلفت النظر هنا إلى أن هذا الصراع ليس له علاقة بالإسلام لا ثقافة ولا واقعا

فالعلمانية نشأت في ظروف وأحداث مختلفة وهي لا تناسب فكر الإسلام ولا تمت لواقع حياة المسلمين ؛ رغم توافقه معها في مكافحة التسلط على المجتمعات أيا كان مصدره الإنساني سواء رجال دين أو حكام؛ لكنه يختلف معها في الالتزام بما ثبت من الدين وبالعناية ببث القيم ،حيث ينظر للإنسان على نفس وروح وليس كالنظرة المادية الطاغية الحالية

وهذا مفترق طرق كبير بين نظام الإسلام الرباني المنفتح المانع للظلم والمشيع للرقابة الذاتية وللتوجه القيمي وبين النظم العلمانية المادية المنغلقة على التعصب ضد أي دين والذي يتعامل بانتقائية متحيزة ضد الإسلام بشكل خاص

إن دينا يطلب من أتباعه الالتزام بنظام معين في جميع أحوالهم الحياتية من الصعب أن تطلب من أتباعه تجاهل كل المطلوبات العبادية من صلوات واذكار أو مطلوبات أسرية وتربوية ونظام العائلة بما فيها من متطلبات مختلفة او مطلوبات في التعامل والمعاملات الشخصية والاجتماعية والمحرمات والواجبات الشخصية او المالية  ونظام في اللباس للرجال وللنساء حتى الدولة لها نظام ولها ثقافة ولها علاقات قائمة على نظام العبودية الربانية والتزام الدين فيه فمستحيل فصم تلك العلاقة

والحقيقة أن من فرضوا العلمانية على الجماعات والدول خالفوا مبادئ العلمانية والتي تفترض الحياد وتجاوزوها إلى فكرة اضطهاد للأديان ومحاربتها باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف ، وهذا نوع من العنصرية ولو اتخذت شكلا مخالفا للدين وليس انطلاقا من الدين ولذا لنا أن نتوقع ان تكون تلك العلمانية مرفوضة في دين الإسلام

– يعني هناك عنصرية دينية تفرق بين الناس على أساس انتمائهم للدين ( اليهود مثلا في نظرتهم أنهم كلهم شعب الله المختار )

– وعنصرية لا دينية تضطهد الدين نفسه وصورتها الصارخة الدول التي تتبنى الإلحاد كالدول الشيوعية وغالبا الأديان التي لها منهج حياة وليس مجرد فلسفات روحية وهنا تصطدم مباشرة بالإسلام وهذه فكرة العلمانية التي مثلت أساسا لنوع من العنصرية

-(ولفظة العلمانية هي ترجمة غير دقيقة للفظة الإنجليزية (secularism) واللفظة الفرنسية   

  (sécularisme) وكذلك لفظتي (laicism) الإنجليزية و(laïcisme) الفرنسية، وكلتاهما مشتقة من الكلمة اللاتينية (laicus) التي تعني “الشخص العادي”، وهي بدورها مأخوذة عن اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”.

غير أن الاستعمال اللاتيني لهذه اللفظة قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” (clerc)، وهو رجل المعرفة “العالِم” (عوضا عن معنى اللفظ اليوناني “clêros” بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

فصل الدين عن الدولة

والعلمانية تعني في جانبها السياسي اللادينية في الحكم وفصل الدين عن الدولة، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة “العلم” (SCIENCE) التي اشتُقَّت منها، ومعناها الأقرب إلى الصحة هو “الدنيوية” و”اللادينية”، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل، وحساب المصلحة بعيدا عن الدين.

ويبدو أن الأوائل الذين أدخلوا هذا المفهوم إلى اللغة العربية بدا لهم المصطلح صادما بحمولته هذه التي تلغي الدين من حياة الناس؛ فاختاروا ترجمة تقترب من العِلم وتُيسر انسيابية المفهوم إلى داخل المجتمعات المسلمة.

فمدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وعن حياة المجتمع، وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه؛ فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسيم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما فقط.

ويستخدم في الفضاء الفرنكفوني مصطلح آخر؛ هو اللائيكية (Laïcité). وهو يحمل في طياته معنى خاصا مرتبطا بفرنسا تحديدا. وقد عرَّفَ المفكر الفرنسي “موريس باربييه” (Maurice Barbier)‏ اللائكية في مفهومها الواسع بأنها “الفصل بين الدين والحقائق الدنيوية” 

وحرصت العلمانية على التحكم في كافة المواثيق والقوانين الإنسانية

حتى تلك المواثيق التي وضعوها في المؤسسات للنظام الدولي الجديد ( الأمم المتحدة وما يتبعها من مؤسسات ووكالات ) وكذلك القوانين الدولية والمحاكم الأممية ومحكمة العدل الدولية وما يشابهها  كلها مؤسسات تقوم وتتبنى مفاهيم ومواثيق علمانية تحاول أن تضع نظاما خاصا وتتعمد مخالفة الدين ومعتمدة بشكل أساس على مفاهيم العلمانية التي لا تنتمي للدين والتي صارت حاليا كأنها دين جديد

وبما أن نظام العلمانية الحالي يقوم على تجاهل الدين وعلى التعامل المادي مع الحياة فإنها وبمعزل عن الانضباط القيمي والعقدي والأخلاقي لم تتمكن من صياغة أية قوانين مستمدة من الأديان التي تذخر بتلك القيم فكان الناتج هو مجموعة من القوانين الجافة  التي لا تجد القوى المتنفذة في الدول والنظام العالمي أية غضاضة في مخالفتها فهم بنوا تلك الأصنام من العجوة وهم من يأكلونها حين يريدون

بل ما يحدث من إبادات جماعية في فلسطين مثلا وفي قتل آلاف الأطفال والنساء أثناء مجازر غزة عام 23/24م والإبادات العنصرية التي قام بها الصهاينة تجعلهم يغضون الطرف ويمتنعون من الإدانة أو العقاب و يقفون عاجزين عن تنفيذ أية أحكام بل حتى عاجزين عن مجرد الإدانة للمجرمين لأنهم يعملون تحت حماية دول متنفذة في العالم كأمريكا وهذه كلها سلوكيات يمكن وصمها بالعنصرية ولو حتى عنصرية “غير متعمدة ” او انها مفروضة بشكل غير مباشر من خلال النسق العام للنظم المتحكمة

ولم يكن الأمر بعيدا عن نفس الإشكاليات حين تعلق الأمر بروسيا واعتداءاتها على شعوب بأكملها كسوريا ولا كذلك إيران في تحكمها في دول عن طريق أذرعها وهلم جرا في كل من لديه القوة لتفرض ما تريد

فتلك كلها نتاجات العلمانية وقوانينها المفتقرة لأي ارتباط رباني أو أية مناهج محايدة حقيقية لوضع النظم ومن ثم لافتقارها لأسس عدالة حقيقة تنظم شؤون البشرية

نتج عن ذلك التسلط العلماني العاجز عن العدل الحقيقي أمران :

 أ- قوانين تجامل المتنفذين وتمنحهم ما يسمونها حقوقا كذلك الحق المعيب المسمى ب (حق النقض) في مجلس الأمن الذي يضع كافة السلطات والأحكام مشروطة بموافقتهم ولتتسلط عليها الدول الخمس دائمة العضوية فتنفذها أو تعطلها متى أرادت

ب- حتى تطبيق تلك القوانين على ما فيها من خلل أيضا يتحكم فيه المتنفذون وبطريقة انتقائية عبرت عنها مقولة أحد الأمريكان المتعصبين (نحن نضع القوانين لنحكم بها غيرنا كالأفارقة ومن يشبههم وليس لنتحاكم نحن إليها )

نحن كمنهج إسلامي لا نجد في قيمنا ولا في حياتنا الاجتماعية تلك المشاكل المتعلقة بالتغول على الأديان الأخرى والتي اتخذتها العلمانية مبررا لتنحية الدين بالكلية ومن ثم روجت للإلحاد كبديل

وجهة النظر الإسلامية لما خالفته العلمانية لنظام الإسلام في العقيدة وفي الحياة لتتضح الصورة:

  أ- مخالفة العلمانية لربوبية الله تعالى :

من معاني  كلمة ( رب) السيادة والملك ومن تمام الملك أن ينفذ حكم ( الملك) فيما يملك قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين) الفاتحة/1 أي سيد العالمين ومالكهم وخالقهم ورازقهم ، ويقول تعالى بعد وصفه ليوم القيامة ( لمن الملك اليوم ، لله الواحد القهار ) غافر/16 ،وكما أن الله تعالى الخلق ، فلا ينازعه في ذلك أحد بإدعاء الخلق، فإن له كذلك الأمر قال تعالى:  (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف (54) فلله الأمر أي الحكم . كما أن الله لخلق

والأمر في الشرع يأتي بمعنيين :

1- أمر في تدبير الخلق ورزقهم : وهذا لا ينازع الله فيه أحد كمثل ما قال تعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (السجدة 5)

وكمثل ما قال تعالى (وما تتنزل إلا بأمر ربك ) حكاية من الملائكة ( مريم جزء من 64) وكمثل قول تعالى (وكان أمر الله مفعولا) الأحزاب جزء من  37   (وكان أمر الله قدرا مقدورا ) الأحزاب جزء من (38) .

كمثل قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) يس (82)

الأمر الشرعي: أي ما يأمر الله به عبادة من الحلال والحرام وسائر الشرائع وذاك الذي تنازع فيه العلمانية وكل من اتخذ إليها بعده من دون الله لذا فقد قال تعالى : (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر فرعون وماأمر فرعون برشيد) [هود 96-97] فنازع فرعون في الحكم الشرعي وما أتاهم بأمر رشيد ، وكمثل ما حكى الله تعالى في القرآن عن قوم صالح (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ) الأعراف (77)

وكمثل ما كره المنافقون التكاليف الشرعية

(حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون) التوبة (48)

 وقد قال تعالى عن اليهود والنصارى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) التوبة (31)  وجاء عدى بن حاتم  وكان نصرانيا  وقال رسول الله ( إنا لسنا نعبدهم فقال صلى الله عليه وسلم :: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه”(1) ( وما أشبه الليلة بالبارحة فكما كره هؤلاء التزام حكم الله ، وامتثال أوامره وبدلوها واتبعوا بذلك أهواءهم وما تشتهى أنفسهم جريا وراء مصالحهم ومجاراة لنظمهم؛ فإن العلمانية وأتباعها يفعلون الشيء نفسه 

ب- مخالفة العلمانية لمفهوم ألوهية الله :

فعنى الإله : المعبود

والألوهية : العبودية

قد جاء الأنبياء جميعا لأقوامهم بقول واحد ( اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) الأعراف جزء من 85

وقد تعالى : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة

وفى الحديث المتفق عليه من معاذ رضى الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم قال :حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)  متفق عليه .

فالعبادة هي حق الله على خلقه والمطلوب فيها أن يؤدى العبد ما أمره الله تعالى مستحضرا كمال الحب مع كمال الذل والخضوع لله .

فيؤدى الشعائر التعبدية من الصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر وغير ذلك: لله تعالى ، كمثل ما أمر الله من غير زيادة ولا نقصان مع كمال الحب وكمال الذل  ، وكذلك يفرد الله بكمال الخضوع لأمره ونهيه ؛ واتباعه فيما أحل وحرم فإن أمر بجهاد جاهد أو أمر  بمعاداة الكفار والتبرؤ منهم فعل أو أمرت المرأة بحجاب امتثلت

وإن نهى المسلم عن الربا والزنا والسرقة والفواحش بادر بالترك .وكل هذا من كمال العبودية لله .

والعلمانية لا تفعل ذلك بل هي (حكم الشعب) فما رآه الشعب حسنا فعلوا ، إلا تركوه وراءهم من غير نظر لكون ذلك من أمر الله أم من غيره والشعب في أغلبه تابع لكل ناعق، فأنى له أمر يهدى إلى هدى؟   قال الشاعر : 

 أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم/  قد ضل من كانت العميان تهديه

قال تعالى : (قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قسما مله إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [الأنعام 16]

 فالانقياد لله عز وجل والتزام طاعته هو أحد ركني العبادة، فمن زعم حب الله وتصديقه ولكنه رفض الطاعة له والانقياد لأمره، واختار لنفسه طريقا آخر مضادا للصراط المستقيم الذي شرعه الله وأمر بأتباعه، واتخذ ذلك منهجا ثابتا وديدنا مضطردا يوالي عليه ويعادي عليه ، فقد ضاد الله في أمره وجعل نفسه ندا للذي خلقه.

وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير قال : (خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم (1) فقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) جزء من آية 121 الأنعام

قال ابن كثير : (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم غيره عليه فهذا هو الشرك )(2)

فالنظام الإسلامي هو ما يوازن بين القيم والحقوق ويربي أبناءه ومن يحتكم إليه من غيره على التزام الحقيقة والعدل ولا شيء غيره

إنه نظام وضعه الله تعالى ليوازن بين المادة والروح وبين الحزم والاحتساب وبين القيم والقوانين وبين الخلق والمسؤولية

 إنه يرسخ الحقوق على أنها مبادئ دينية يراقب الإنسان فيها ربه لينجو من عقابه أو لينال ثوابه وجعل نقضها من المحرمات فيلتزم بها في الدنيا لا خوفا من مساءلة قانونية وإنما –رغم المساءلة القانونية في الدنيا – تنتقل الملفات إلى الآخرة لينال الإنسان نصيبه من الحساب إن خيرا فخير أو شرا فشر ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) الزلزلة  – 7

لذا فقد أفلح الإسلام في تربية أبنائه وكل من نشأ مستظلا بحضارته على المساواة وحب الخير وإعلاء الحق وتقبل الآخرين والاندماج بين الأعراق والتسامح و(ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) سورة النجم -41

وفي كل تلك المبادئ مع تطبيقها العملي وازن بين البشر وحارب العنصرية والتسلط والظلم أيا كانت صورته ورسخ في قلوب أتباعه كل تلك الحقوق والواجبات وأصل في نفوسهم القيم والسلوكيات

ومن الآيات الرائدة في هذه التربية على القيم قوله تعالى : يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات 13

والمعنى : خلقناكم – أيها الناس – من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل ( لتعارفوا ) أى : ليعرف بعضكم نسب بعض ، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى ، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه .

فمن عوار الأفكار الإلحادية وما نتج عنها من العلمانية ونظمها انها افترضت ان الإنسان مادة فقط مثله كمثل البهائم تطعم وتشرب وتتناسل فقط بينما المفترض أن هناك روحا عطشى للقيم

حتى فلاسفة الغرب ومتبنو الأفكار التحررية والإلحادية ادركوا ذلك إلى حد ما وان لم يتماهوا مع الأفكار للنظر بجد إلى نظام الدين وخاصة الإسلام

يقول دوكنز : ( من الصعب الدفاع عن قيمة أخلاقية خارج إطار الدين )

ويقول نتشة : (إما أن الأخلاق لا قيمة لها أو ان لها قيمة في وجود الله ) وهنا يعترف بأن الذي ينشر القيم ويحافظ عليها ويجعل لها قيمة في حياة البشر أن ترتبط بالله أي تستمد منه وترجو النجادة عنده بهذا التمسك والا فلن تخضع لرقابة جادة تنشرها وتحميها في غياب الله تعالى

ويقول جون لوك ( إذا كان أمل الإنسان قاصرا على هذه الحياة فليس مجافيا للمنطق أن نكون أنانيين ولو على حساب الآباء والأبناء ) [2]

مخاطبة القرآن الناس جميعا وهذا لكونه دينا عالميا

لقد وجه القرآن نداءاته وتوجيهاته للناس بشكل مباشر وهذا يشمل المؤمن وغير المؤمن في ترسيخ واضح للمشتركات الإنسانية وتقريرا لمسؤولية الإسلام والمسلمين عن توجيه البشرية وتبليغها الإسلام والحكم بين الناس بالعدل وهذا كله مكافحة للعنصرية وتقريرا لربوبية الله تعالى للحق وتكريما للنوع البشري ووجه القرآن خطابا للناس أو ذكر في خطابه الناس في 179 موضعا من آيات القرآن ومنها على سبيل المثال :

– ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]

وهذا أمر عام بوجوب عبادة الله تعالى وهو يرسخ مفهوم ربانية التعامل مع الذي خلق البشر والذي صاغ لهم منهجا يرفق بهم ويهديم للسبيل القويم في حياتهم

– ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]

وهنا يرسخ فكرة ألا تخالف الأفعال الأقوال ويطالب الإنسان أن يكون صادقا في الإصلاح فلا يخالف فعله قوله وإلا كان كفاقد العقل

– ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94]

وفيها ردود على من يعتبرون أنفسهم أصحاب قيمة خاصة من أهل الكتاب وفيه إشارة إلى أن الحياة الآخرة هي القيمة الحقيقية وأن الأديان تدعو الناس إلى الحق وإلى العلم احتسابا لله وأن من يكون على الهداية فهو يستهدف الآخرة ويرغب فيها ويرجو لقاء ربه

– ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]

وفي الآية دليل على أهمية أمة الإسلام وكونها هادية شاهدة مرشدة

– ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 165]

– والآية ترد هنا على من اتخذ لله تعالى ندا وهو خلقهم وأن من صفات المؤمنين أنهم يحبون الله تعالى ويحبهم الله ويخشونه ولا يخشون غيره

– ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]

– الله تعالى أعطى البشر نعما كثيرة من الطعام والشراب وأرسى الأرزاق فتمتعوا بما أحل لكم منها

– ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]

– ينهاهم الله عن أكل الحرام واللخداع والظلم في مجال الأموال وعن تقديم الرشا من أجل أكل مال الناس بالباطل

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]
سورة البقرة

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]

– وهنا مقانتان بين من يروج للباطل بلسان مخادع وهو يكن العداء والخصام ويقارن بينه وبين المؤمن الذي يجتهد في طاعة الله

– ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]

– تسرب الكفر إلى الناس وتلاعبت بهم الأهواء فأرسل الله إليهم رسلا وأنزل كتبا لتكون نبراسا وهداية وحكما بينهم فيما اختلفوا فيه وإن من يجادل في الحق بعدما تبين فهو ضال وإن المؤمنين بخلاف هذا يطلبون الهداية ويوفقون إليها
* ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224]

– في الآية يرشد إلى إجلال الله تعالى وإلى أهمية توقيره وألا يحلف به بلا داع وأن المؤمن يستخدم الحلف في عظائم الأمور ومنها الإصلاح بين الناس

– ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]

– يخبر الله تعالى الناس بعظيم فضله عليهم سواء بتهيئة أسباب الحياة والرزق في الأرض ولو شاء لجعل ما يزرعونه غير مثمر وما يشربونه غير سائغ بل وما يتنفسونه ضارا وفوق هذا وأهم منه نعمه عليهم بالهداية والإرشاد والتوفيق

– ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]

– يخبر اللله تعالى كذلك بأن الأحداث والصراعات التي تتم في الحياة هنا بين الحق والباطل هي من حكمة الله تعالى حتى لا ينفرد الابطل بالقوة والتحكم دون أي ردع من أصحاب الحق

– وإلى هنا علقت على الآيات من سورة البقرة التي توجهت للناس جميعا وفيها إرشادات كثيرة وبيانا لنعم الله ولحكمته ونسرد جملة التالية من الآيات وقد تركنا رصدها او التعليق عليها تجنبا للاطالة

قال تعالى :

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]

﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68]

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: 133]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 170]

 ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: 13].

والآيات واضحة المعاني وترسخ قيم العدل والحق التي يجب أن تشيع بين الناس

يقول الإمام ابن الجوزي : يتمكن إبليس من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان تمكن منه ) [3]

وأما عن ذكر القرآن الكريم عن الإنسان كمخلوق منفرد فقد تكرر 56 مرة وكلها تذكر توجيهات ربانية له وتكشف كثيرا من صفاته المحمودة او المذمومة لينتبه لصورته فيطلب علاجها أو تعزيز الصالح منها

فهي بخلاف التوجيهات للمجتمع وبيان الحالة الإنسانية للناس – وهو حديث لعموم المجتمع فإنها هنا تتوجه للإنسان نفسه وهو مفردة الحياة على الأرض وعن صفاته الشخصية وضعفه العام او يأسه او ظلمه او عجلته أو غفلته فكل ذلك لفتا لنظر الى الطبيعة النفسية للإنسان كفرد بينما ما سبق ذكره عن مخاطبة الناس فكان بيانا للسياج المجتمعي بكل تنظيمه وبيان حالاته ومتطلبات دوره وفضل الله عليه وسبيل علاجه بتخلصه من سلبياته

 فحديث القرآن للناس هذا حديث عن المجتمع كجماعة ونظامها وفيما ذكره  الإنسان حديث عن الفرد وصفاته العامة وما يمنحه الله له من نعم وتوجيهات

 كمثل ما قال الله تعالى عن الإنسان  في الآيات التالية باختصار :

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12]

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]

﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: 4]

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83]

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8]

﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: 3]

﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13]

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14]

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: 23]

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]

﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]

﴿والعصر ِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر إلا اللذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ٍ﴾ (العصر)

إن القرآن يرسخ لحضارة إنسانية قيمية شاملة تكون فيها الرحمة عامة والتفاضل بمزيد من الأخلاق والقيم يقول الوزيرالفقيه لسان الدين بن الخطيب :

( العرب لم تفتخر قط بذهب يجمع ولا ما ذخر يزفع، ولا قصر يبنى، ولا غرس يجنى

إنما فخرها عدو يغلب ، وثناء يجلب وجزر تنحر ، وحديث يذكر ، وجود على الفاقة، وسماحة بحسب الطاقة ،

فلقد ذهب الذهب ، وفني النشب ، وتمزقت الأثواب، وهلكت الخيل العراب ،

وكل الذي فوق التراب تراب ، وبقيت المحاسن تروى وتثقل ، والأعراض تجلى وتصقل )

ترسيخ الإسلام لقيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان وتكريمه :

يمكننا أن ندرك القيم (توجيها وتطبيقا ) التي رسخها الإسلام وزرع بها الثقافة في المجتمع فكان نتاج ذلك تطبيقا بعيد كل البعد عن العنصرية وتسربا إلى المجتمعات ودعنا نذكر ذلك في نقاط مختصرة :

– منذ بداية نزول الوحي وتنزل الآيات لترسخ معاني العالمية والرحمة وأن الدعوة الإسلامية هي رحمة للعالمين وأنها لن تترك بيت مدر ولا وبر إلا وسيدخل إليه الإسلام وتدافع عن حق الإنسان في العلم والتكريم وتذم الظلم والظالمين وترسخ حق الإنسان في عبادة ربه الخ فالآيات في سورة العلق وهي الأولى بالإطلاق تتكلم عن الإنسان وعن تكريمه وعن حقوقه في أول آيات نزولا وحرفيا ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ( الإنسان ) من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم (الإنسان ) ما لم يعلم ،كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغني إن إلى ربك الرجعى ؛ أرأيت الذي ينهى عبد إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ؛ أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى ) سورة العلق

– هنا إذن حديث عن العلم والتكريم والتعلم والكتابة كحقوق وثقافة ورد الفضل لرب العالمين وترسيخ عقيدة المراقبة لله وادراك فضله والتهيب من قدرته ومراقبته في خلقه وإشارة إلى الانحراف الإنساني عن ذلك وتتوعده على ذلك الانحراف والأذى

– ثم تأتي أيضا آيات سورة الضحى لتشير الإشارات نفسها وتلفت النظر لمن هم أولى بالرعاية والحدب : ( والضحى والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ؛ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى “فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث ” ) الضحى

– ولقد عاتب الله نبيه الكريم في أعمى لا يراه ومع ذلك عبس وجهه حين عطله عن مهمة دعوية يراها مفصلية وهي دعوة كبار القوم للدخول في الإسلام بينما الأعمى جاء سائلا لمزيد من الفهم للدين ومع تلك الغاية النبيلة فإنها لم تبرر العمل فنزل العتاب ( أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ؟ كلا إنها تذكرة ..) سورة عبس ولاحقا نهاه عن طرد المؤمنين المستضعفين في اكثر من موضع في القرآن

– فانظر إلى قيم الرحمة والشفقة والحدب على يتيم أو سائل ومن في حكمهما عبر المكان والزمان

– والرعاية ليست فقط بأداء الحقوق بل بمراعاة النفسية مثل القهر أو النهر

– في كل ثقاقة الإسلام وتربية القرآن وترسيخ قيمه تجد حاضرا العناية والتقدير واحترام الإنسان ورعايته نفسيا وعقليا ومن ثم توصيه الآيات بالضعفاء والمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وترسخ المسؤولية عنهم وكل ذلك يرسخ حقوق البشر ويكافح العنصرية بشكل مباشر وغير مباشر ويربط الإنسان بمراقبة الله وبطلب مرضاته وتوفيقه واحتساب الأجر عند الله تعالى في كل ذلك

– حتى آخر الآيات القرآنية نزولا على الإطلاق كان قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) سورة البقرة وهو ربط كذلك بالحياة الأخرى وبالحساب عليها 

– وتمضي الآيات في القرآن تترى تتحدث عن حقوق الإنسان غير المسلم في الحماية والبلاغ ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) التوبة – فمن لا يعلم له الحق والحماية وله العذر حتى يعلم ويفهم ويختار

– وتنهى عن الظلم او الدفاع عن الظلمة يا أيها الذي آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ؛ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تللوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) النساء

– (قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم و لايحابوا غنيا لغناه ولا يرحموا مسكينا لمسكنته

– وقال قتادة فإن الشهادة لله وليست للناس وإن الله تعالى رضي العدل لنفسه والإقساط والعدل ميزان الله في الأراض به يرد الله من الشديد على الضعيف ومن الكاذب على الصادق ومن المبطل على المحق ..وبالعدل يصلح الناس ..) [4]

– ومن تربية الإسلام التربية على محاسن الأخلاق وهذا يشيع الأمن والسلام والتكافل والرحمة بين الناس في المجتمع عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من أحبكم إلىّ أحسنكم أخلاقاً ) رواه البخاري .)

– وذكر عبد الله بن جرير البجلي رضي الله عنه معاملة النبي صلى الله عليه وسلم له فقال : ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً.)رواه ابن ماجة. ومعنى قوله ما حجبني: أي ما منعني الدخول عليه متى ما أردت ذلك.

– فنحن هنا نتكلم عن ترسيخ ثقافة وقيم العدل في المجتمع المسلم وفي كل الحالات المخالفة والتي قد تستدعي العنصرية اما تحيزا لمن تربطنا به روابط او انتقاما ممن يخالفنا او ينافسنا او يؤذينا وهذا ضمن ترسيخ قيم محاسن الأخلاق والإحسان إلى الآخرين وأداء الحقوق

– ولئن كان هذا في ربط الأمور بالآخرة وترسيخ مبادئ العمل لها في ضمبر الأمة إلا أن ذلك لم يمنع أيضا من أخذ كل سبل العقاب الدنيوي لمن أساء في ذلك فأفسد أو سرق أو قتل أو أخاف الخ وله أحكام في الشريعة بحسب الجرائم وأشدها أحكام البغاة والتي تنزل عقوبات كبيرة على أولئك الذين يفسدون ويخيفون ويظلمون ويحملون السلاح ويقطعون الطرق ويقتلون قال تعالى ( إنما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذي تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) المائدة

– فمن حمل السلاح وقتل وأخاف وقطع الطريق فله عقاب أن يقتل أو يصلب ومن قطع أعضاء مظلومين تقطع أعضاؤه ومن أخاف قد ينفى وقد يعاقب بعقاب أشد ولهذا تفاصيل في أبواب العقابات سواء في أبواب المال والاقتصاد أو في الاعتداء والقتل أو في غيها من أبواب الجرائم فلها عقوبات رادعة لمن لم تردعه ثقافة المجتمع الراسخة والشائعة فيا لإسلام وكل ذلك له تفاصيله في بابه

– وعلى جانب التطبيق نجد وضوحا وصرامة في التعامل مع أي انحراف أو تجاوز سواء في حياة الرسول نفسه أو في حياة الصحابة أو في المجتمع المسلم ككل والعاقل هو من يتخلص من تبعات أخطائه، ويتحلل من آثار ظلمه في الدنيا، وذلك باسترضاء أصحاب هذه المظالم، وطلب عفوهم ومسامحتهم، أو بتمكينهم من القود (القصاص) من نفسه، والأخذِ منه بقدر مظلمته أو خطئه معهم، فهذا خير له من أن يأتي يوم القيامة مع المفلسين، الذين أضاعوا حسناتهم وأعمالهم الصالحة بظلمهم وأخطائهم مع غيرهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار) رواه مسلم)

– وهناك الحديث الشائع عن المرأة الحسيبة المخزومية والتي سرقت فأمر رسول الله بتطبيق حد السرقة عليها وأراد البعض أن يوسط حبه أسامة بن زيد ليخفف عنها فغضب رسول الله منه وقال أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام خطيبا صلى الله عليه وسلم ومما قال أما وإنه من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )

– فابنته الحبيبة رضي الله عنها لو فعلت ذلك – وحاشاها – لطبق عليها الحد

– وروى ابن هشام وابن كثير وغيرهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح (سهم) يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مُستَنْتِلٌ (متقدم) من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: استوِ يا سواد  فقال: يا رسول الله! أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني (مكِّنِّي من القصاص لنفسي)، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال:  استقد)  أي: اقتص)، قال: فاعتنقه، فقبَّل بطنه، فقال:  ما حملك على هذا يا سواد؟

– قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير. فلم يتردَّد النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء سواد رضي الله عنه حقه في القصاص حين طالب به، مع أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يقصِد إيذاءه وإيجاعه، ليَضرب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً رائعاً للعدل والقود من النفس.

– ومن محاسن الأخلاق التي تكافح العنصرية : التربية على التواضع والبعد عن التمييز أو التكبر فكان صلى الله عليه وسلم يمنع أصحابه من القيام له، وما ذلك إلا لشدة تواضعه فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على عصاً ، فقمنا له ، قال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم ، يعظِّم بعضهم بعضاً) رواه أحمد وأبو داود)

– وهذا خلاف ما يفعله بعض المتكبرين من حبهم لتعظيم الناس لهم ، وغضبهم عليهم إذا لم يقوموا لهم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام (من أحب أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) رواه أحمد والترمذي و أبو داوود.

– وخلق التواضع كان سمةً ملازمةً له صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، في جلوسه ، وفي ركوبه ، وفي أكله ، وفي شأنه كله ، ففي أكله وجلوسه نجده يقول : إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) رواه ابن حبان )، وفي ركوبه يركب ما يركب عامة الناس، فركب صلى الله عليه وسلم البعير و الحمار والبغلة والفرس، قال أنس رضي الله عنه:  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف ) رواه الترمذي).

– ومن التربية الإسلامية العناية النفسية والمادية بحقوق المستضعفين ومن في حكمهم :

– في “سنن” ابن ماجه عن قيس بن أبي حازم : أن رجلاً أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين يديه فأخذته رعدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  هوّن عليك فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) ـ والقديد هو اللحم المجفف)  – وهذا من تمام تواضعه صلى الله عليه وسلم حيث بين له أنه ليس بملك، وذكر له ما كانت تأكله أمه كما يفعل عامة الناس من تقديد اللحم لينتفع منه لاحقا  لبيان أنه رجل منهم ، وليس بمتجبر يُخاف منه.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ضَرَب بسوط ظلما، اقتُصَّ منه يوم القيامة) رواه الطبراني وصححه الألباني). 

– ومن ناحية العبيد فقد عمد الإسلام فتخلص بالتدرج من تلك المشكلة الاجتماعية التي تداخلت فيها المصالح المالية للتجار مع عوالق أخرى نتيجة ما خلفته الحروب وقطع الطريق من ذرية ونساء وعبيد وما يشبه فلم توجد فكرة مشتركة للكفارات هي موجودة في كل الكفارات والصدقات مثل عتق الرقاب ثم لنعلم نجاح ذلك الأمر أنه اختفى من حياة المسلمين بشكل تدريجي حتى انتهى بالكلية

– ولقد اهتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعبيد في حياته وأوصى بهم خيرا حين موته، فعن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كان آخر كلام رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم )( أحمد ).

– وحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ضرب العبد أو إيذائه، فعن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنت أضرب غلاماً لي، فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتا: اعلم أبا مسعود : لله أَقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله . فقَال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار أَو لمستك النار ) ( مسلم ) .

– بل حض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المعاملة الحسنة لهم، حتى في الألفاظ والتعبيرات، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي ) ( مسلم ) .

– وجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفارة ضرب العبد عتقه، فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( .. من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه )( مسلم ).

– كما نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تكليف العبيد والخدم بأعمال شاقة تفوق طاقتهم، أو الدعاء عليهم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) ( البخاري ). وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قَال: قَال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ( لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله تبارك وتعالى ساعةَ نيل فيها عطاء فََيستجيب لكم )( أبو داود ).

– وكان – صلى الله عليه وسلم – يوصي أصحابه بالعفو عن إساءة الخدم وخطئهم .. فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: ( جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال: اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة )( أبو داود ).

– وأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالإحسان إلى العبيد والخدم، وعدم الاستهزاء بهم، بل وإطعامهم وإلباسهم من نفس طعام ولباس أهل البيت، فعن المعرور بن سويد قال: ( لقيت أبا ذر بالربذة(موضع قرب المدينة)، وعليه حُلَّة (ثوب) وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلاً، فعيرته بأمه، فقال لي النبي – صلى الله عليه وسلم -: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكُم (خدمكم وعبيدكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم )( البخاري ).

– ويحدثنا أنس ـ رضي الله عنه ـ خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن رحمته ووصيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ العملية بالخدم فيقول: ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قبض بقفاي من ورائي، قال : فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس ، أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله .. ) ( مسلم ).

– ويقول: ( خدمت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشر سنين، والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ) ( أحمد ) . ولا شك أن شهادة الخادم لسيده صادقة، وخاصة من رجل كأنس ـ رضي الله عنه ـ، الذي نقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الأُمة آلاف الأحاديث، وكان معه كظله ..

– وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خادما ولا امرأة قَط )( أبو داود ) ..

– لقد ترك هذا التعامل أعظم الأثر في نفوس العبيد والخدم الذين اتصلوا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد استطاع ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يأسر قلوبهم ويملك مشاعرهم بسماحة أخلاقه وكريم شمائله، وقصة زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاهد على ذلك، فقد عاش زيد في بيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وظل يقوم على خدمته ويرعى شؤونه، حتى بلغت الأخبار إلى والده بوجوده عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فانطلق مسرعاً إليه، وطلب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرد له ولده، فنظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لزيد وقال:( إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك )( الطبراني )، فاختار زيدٌ البقاء عبداً مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الرجوع حراً مع أبيه، لما رآه من طيب عشرة وحسن خلق الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..

– لقد فتح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهديه وشرعه الذي جاء به أبواباً متعددة لإخراج العبيد من رقهم إلى سعة الحرية، فكان العتق هو الكفارة الأولى في قتل الخطأ، وفي جماع الرجل زوجته في نهار رمضان، وفي الظهار، وإذا أساء السيد إلى عبده بلطمه فليس لها كفارة إلا عتقه، كما جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عتق العبيد وسيلة من وسائل للتكفير عن الذنوب والخطايا، وفي ذلك يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أيما امرئ مسلم، أعتق امرأ مسلماً، كان فكاكه من النار )( الترمذي ) .

– إن مظاهر رحمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حفلت بها سيرته وحياته، وامتلأت بها شريعته، فرحم الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمرأة والضعيف، واليتيم والفقير، والعبيد والخدم، بل شملت رحمته الحيوان والجماد، وجاء بشريعة كلها خير ورحمة للعباد، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء:107) ..

– فمجتمع هذا حاله لا تسرب إليه العنصرية لأنه قام على حب الحق وإشاعته وإقامة العدل والمساواة بين الأفراد

 ————————