في المسألةِ العُمَّاليَّة

محمد عادل زكي يكتب

حينما ننظر إلى المسألة العماليَّة في عالمنا العربي المنكوب، يتعيَّن أن نبدأ متسلِّحين بالوعي بحقيقة اجتماعيَّة مركزيَّة، وهي أن “الطبقة العاملة” في أيِّ اقتصاداتٍ متخلِّفة، ونحن منها بامتياز!، لم تُنجز قطيعةً فعليَّة مع بنية ما قبل الرَّأسماليَّة المعاصرة. وبالتالي؛ فإن العامل العربيّ، منذ تشكُّل ما يُسمَّى “الطبقة العاملة” في ظلِّ حركات التَّحديث، لم يكن يومًا طرفًا فاعلًا في إنتاج شروط وجوده الطَّبقيّ؛ إذ هو يعمل في ظلِّ علاقات إنتاج تعبِّر عن طبيعة الاقتصاد التَّابع، لا في إطار علاقات إنتاج تعبِّر عن منطق داخليّ لاقتصاده القوميّ.

وهذا الاقتصاد التَّابع يُعاد إنتاجه دومًا من خارجه، إذ تُفرض عليه شروط تجديد إنتاجه، سواء أكان ذلك في صورة قروض مذلَّة، أم برامج إصلاح زائفة، أم آليات سوقٍ حرَّة لا تهدف إلا إلى مزيد من امتصاصه حتى الموت! وعليه، فإن العامل العربيّ يقدِّم طاقته الحيَّة، يقدم حياته، في خدمة آليات متشظيَّة غير مكتملة، لا تقيم وزنًا للاجتماعيّ أو التَّاريخيّ، ولا تُنتج قيمةً اجتماعيَّة متمركزة في دائرة إنتاج وطنيَّة.

ومن هنا، فإن القيمة التي يُنتجها العامل العربيّ هي قيمة اجتماعيَّة لا تُقاس في إطار زمنيّ/اجتماعيّ وطنيّ، وإنَّما تُختزل إلى أجرٍ هزيل لا يعادل حتى الطَّاقة البيولوجيَّة اللازمة لبقائه حيًا. وهذا ما يجعل من العمل، الَّذي كان ينبغي أن يكون جوهر القيمة، مجرَّد آلية استنزاف وتجريد للوجود الإنسانيّ من معناه.

وربما كان مرجع كلِّ ذلك خروج الرأسماليَّة في عالمنا العربيّ عن قانونها الداخليّ، إذ لم تعد تُنتج، بالأساس، فائضًا يُعاد توزيعه اجتماعيًّا، وإنَّما صارت تُعيد إنتاج الفقر، والتهميش، والقلق، والبطالة، والعمالة المؤقتة.

ولأن السياسات التي جرى اتباعها منذ منتصف السبعينيات تقريبًا أفضت إلى تحرير الرأسمال من أيِّ مسؤوليَّة اجتماعيَّة، بالتوازي مع تحرير السُّوق! فقد أصبح العامل العربيّ الحلقة الأضعف في سلسلةٍ من الاستغلال المركَّب؛ استغلالٌ من الدَّولة، الَّتي تحوَّلت إلى مقاول أنفار يدفع بهم إلى بلدان النفط النَّاشئة؛ واستغلالٌ من الرأسمال المحليّ والدوليّ؛ واستغلالٌ من الثقافة السَّائدة الَّتي لا ترى في العمل قيمة، بل ترى في التَّسلق والاحتيال والسمسرة مهارة.

وهكذا، لا يمكن الحديث عن “العمال” في عالمنا العربيّ إلا باعتبارهم فئةً اجتماعيَّة مستلبة، لا بوصفهم طبقة؛ ذلك أن الطبقة لا تُعرَّف فحسب بموقعها في علاقات الإنتاج، وإنَّما أيضًا بقدرتها على الوعي بذاتها، والتنظيم، والصراع من أجل تغيير شروط وجودها. وفي ظلِّ القمع السّياسيّ، والتفكك النقابيّ، والتشويه الإعلاميّ، والانسداد الاقتصاديّ، يُدفَع العامل العربيّ دفعًا إلى العزلة، والاغتراب، والاستقالة من المجال العام.

ولا يمكن تغيير هذا الوضع إلا بوعيٍ خلَّاق بالعمل بوصفه طاقة لا أداة، وبالزَّمن بوصفه مكوِّنًا في القيمة لا مجرَّد لحظة عابرة، وبالإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. وإلى أن يتحقق هذا الوعي، سيبقى العامل العربيّ يعمل ليستنزف، لا حتى كي يعيش!

اترك تعليقا