«فورين بوليسي»: أسطورة المرشح الأمريكي الأكثر قابلية للفوز
جوليان إي. زيليزر
- dr-naga
- 21 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- أسطورة المرشح الأمريكي, الأحزاب السياسية الأمريكية, السياسة الآمريكية, جوليان إي. زيليزر, فورين بوليسي
تعود الأحزاب السياسية الأمريكية في كل دورة انتخابية تقريبًا إلى السؤال نفسه: من هو المرشح الأكثر قدرة على الفوز؟ لكن التاريخ السياسي الأمريكي يقدم أسبابًا قوية للحذر من هذا النوع من الحسابات. فالفكرة التي تبدو منطقية للوهلة الأولى، وهي اختيار المرشح الذي يعتقد الخبراء أنه الأكثر قابلية للفوز، قد تؤدي أحيانًا إلى تجاهل مرشحين لم يكونوا في البداية الخيار الأكثر وضوحًا.
يبدأ الكاتب من النقاش الدائر داخل الحزب الديمقراطي استعدادًا للانتخابات الرئاسية المقبلة. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، سيبدأ المسؤولون الحزبيون والمستشارون السياسيون في تقييم مجموعة واسعة من المرشحين المحتملين، وستظهر مرة أخرى استطلاعات الرأي والنماذج الإحصائية التي تحاول تحديد الشخصية التي يمكنها التغلب على الجمهوريين.
لكن زيليزر يرى أن التاريخ الأمريكي يكشف محدودية هذه الحسابات. فالسياسة لا تتحرك وفق معادلة ثابتة يمكن من خلالها تحديد الفائز مسبقًا، لأن الناخبين أنفسهم يتغيرون، والقضايا التي تبدو حاسمة في مرحلة قد تتراجع أهميتها أمام حدث جديد أو أزمة سياسية أو اقتصادية.
ويستشهد الكاتب بما حدث مع باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية لعام 2008. فعندما بدأ أوباما حملته لم يكن يُنظر إليه باعتباره المرشح الطبيعي للحزب الديمقراطي. وكانت هيلاري كلينتون تتمتع بخبرة سياسية واسعة وشبكة قوية من المؤيدين، كما كان كثير من المراقبين يرون أن خبرتها تمنحها أفضلية واضحة.
إلا أن البيئة السياسية كانت تتغير بسرعة. كانت الولايات المتحدة لا تزال تعيش آثار هجمات سبتمبر والحروب في العراق وأفغانستان، كما بدأت الأزمة الاقتصادية تضغط على المجتمع الأمريكي. وفي الوقت نفسه كانت تركيبة الناخبين الديمقراطيين قد تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة.
ويربط زيليزر هذا التحول بتاريخ أطول داخل الحزب الديمقراطي. فقد أدت إصلاحات عملية اختيار المرشحين بعد أزمة عام 1968 إلى تقليص نفوذ القيادات الحزبية التقليدية، وزيادة أهمية الانتخابات التمهيدية والمؤتمرات المحلية. وأصبح المرشحون الذين يستطيعون التواصل المباشر مع الناخبين وحشد المتطوعين وبناء حملات شعبية قادرين على تجاوز التوقعات السابقة.
وكان هذا التحول أحد الأسباب التي سمحت لشخصية غير تقليدية نسبيًا مثل جيمي كارتر بالوصول إلى ترشيح الحزب الديمقراطي عام 1976، ثم تكرر بصورة مختلفة مع مرشحين آخرين.
ويرى الكاتب أن تجربة أوباما كانت مثالًا واضحًا على صعوبة التنبؤ السياسي. فقبل سنوات قليلة من انتصاره، لم يكن من السهل تخيل أن سياسيًا شابًا من خارج مركز السلطة التقليدي في واشنطن سيصبح أول رئيس أمريكي أسود.
وكان أوباما نفسه واعيًا لهذه المفارقة. ففي خطاب النصر عام 2008 أكد أن حملته لم تبدأ داخل دوائر واشنطن السياسية، وإنما بنيت على مشاركة ملايين الأمريكيين الذين تطوعوا ونظموا أنفسهم.
لكن القضية بالنسبة إلى زيليزر لا تتعلق بأوباما وحده. فهو يرى أن التركيز المفرط على «القابلية للفوز» يمكن أن يدفع الأحزاب إلى اختيار المرشحين الذين يبدون آمنين في اللحظة الراهنة، بدلًا من النظر إلى المرشحين القادرين على تشكيل تحالفات انتخابية جديدة.
وهنا تظهر مشكلة استطلاعات الرأي والنماذج الانتخابية. فهي تستطيع قياس مواقف الناخبين في وقت محدد، لكنها لا تستطيع بسهولة قياس التحولات الاجتماعية والسياسية التي قد تظهر خلال الحملة. كما أن المرشح الذي يبدو ضعيفًا في بداية السباق قد يمتلك قدرة على بناء حركة سياسية تتجاوز ما تقيسه الاستطلاعات المبكرة.
ويشير الكاتب كذلك إلى أن المجتمع الأمريكي نفسه تغير بصورة كبيرة خلال العقود الماضية. فقد أصبح الحزب الديمقراطي أكثر اعتمادًا على الناخبين السود واللاتينيين والمهاجرين المتجنسين والنساء المتعلمات جامعيًا والشباب، بينما تراجعت أهمية بعض القواعد الانتخابية التي كانت تقليدية داخل الحزب.
وهذه التحولات الديموغرافية لا تعني أن نتيجة الانتخابات يمكن توقعها مسبقًا، بل تعني أن الأحزاب مطالبة بفهم كيفية تغير جمهورها. فالمرشح الذي يتوافق مع تركيبة الحزب في فترة معينة قد لا يكون بالضرورة قادرًا على مخاطبة الناخبين بعد عدة سنوات.
ويستعيد زيليزر أيضًا تجربة الجمهوريين مع دونالد ترامب. فصعود ترامب أظهر، في رأيه، أن المرشح الذي لا يتوافق مع توقعات المؤسسة الحزبية يمكن أن يغير قواعد المنافسة إذا استطاع بناء علاقة مباشرة مع قاعدة واسعة من الناخبين.
لكن هذا لا يعني أن الكاتب يدعو إلى اختيار مرشح بعينه أو إلى التخلي عن التحليل الانتخابي. ففكرته الأساسية هي أن البيانات والاستطلاعات ينبغي أن تكون أدوات لفهم الناخبين، لا بديلًا عن العملية السياسية نفسها.
ومن هنا تأتي دعوته إلى ترك المجال للمرشحين والناخبين لتشكيل تقييماتهم خلال المنافسة، بدل افتراض أن النماذج المبكرة قادرة على تحديد مستقبل السباق. فالتاريخ السياسي الأمريكي، بحسب عرضه، مليء بأمثلة لمرشحين لم يكونوا في البداية أصحاب الحظوظ الظاهرة، ثم تمكنوا من بناء تحالفات انتخابية جديدة.
وتحمل هذه الفكرة أهمية تتجاوز الحزب الديمقراطي. فكل حزب سياسي يواجه خطر الاعتماد المفرط على استطلاعات اللحظة وعلى تصورات النخب السياسية حول ما يريده الناخبون. وفي المجتمعات التي تتغير تركيبتها بسرعة، يمكن أن يصبح الاعتماد على الماضي وسيلة لإغفال التحولات المقبلة.
والدرس الذي يستخلصه زيليزر من تجربة أوباما هو أن السياسة ليست مسابقة لاختيار الشخص الذي يبدو الأقرب إلى الفوز قبل بدء المنافسة. فالمرشحون أنفسهم قادرون على تغيير طبيعة المنافسة، والناخبون قادرون على إعادة ترتيب أولوياتهم، والأحداث الكبرى تستطيع قلب الحسابات التي تبدو مستقرة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في الانتخابات لا يتعلق فقط بمن يبدو أكثر قابلية للفوز في اللحظة الراهنة، وإنما بكيفية تغير الناخبين والأحزاب والقضايا خلال العملية السياسية نفسها.
المصدر الأصلي: جوليان إي. زيليزر، «أسطورة المرشح الأكثر قابلية للفوز»، مجلة «فورين بوليسي»، 21 سبتمبر/أيلول 2026.