فلسطين.. ثم جاء التاريخ

د. محمد علي يوسف يكتب

بعد هلاك ذلك المدعو “تشارلي كيرك” تناثرت عبر مواقع التواصل مقاطع تتضح فيها آراؤه المتطرفة ومدى احتقاره للشعب الفلسـطيني وانحيازه الكامل للكيان السرطاني الغاصب..

وفي ذلك الخضم الجارف من المقاطع المقززة لفت نظري ذلك المشهد الذي طاف الشاشات

تجمع ضخم وجمهور صاخب، وشاب يبدو عربيا أو شرق أوسطي متوتر بعض الشيء يرفع الميكروفون مناظرا وفي الجهة الأخرى يقبع كيرك بضحكته السمجة التي تشعرك دوما أنه منتصر في كل جدال..

يتحدث الشاب المناظر عن القضية وما يمر به إخواننا من مذابح واستضعاف فما يكون من الوغد الهالك إلا أن يباغته بسؤال

ما هو الفلسـطيني؟

ما عِرْقيته؟

يرتبك الشاب قليلًا وكأنه لا يتصور أن يضطر لتوضيح الواضحات فيرد بحيرة من لا يفهم المراد: “عربي.”

يشعر الوغد المبتسم أنه قد أوقعه في حبائله فيسأله بمزيد سخف: “وهل كل عربي فلسـطيني؟” ثم يطلق قهقهته المصطنعة، وكأنما أعاد اختراع العجلة ويصفق له جمهوره المتعصب الذي اعتاد أن يصفّق لمجرّد أنه من يؤيده يبدو واثقا لامعا ..

مثل هذا البريق واللمعان الفارغ يبهر البسطاء حتى وهو يخالف في منطقه أوضح الواضحات.

ماذا تحاول أن تقول؟ ما هي نقطتك؟

يسأله الشاب في حيرة

فيجيب تشارلي بمزيد تشفٍ: أحاول أن أقول في أي نقطة يصبح شخص ما فلسـطينيًا؟

يرد الشاب: عندما يولد في فلسـ. طين أو إذا كان والداه فلسـ. طينيين.

تزداد نشوة تشارلي الزائفة ويتعاظم شعوره بأنه قريب من انتصار معلن ويصيح بظفر: لهذا نحن نتحدث بلغتين مختلفتين.. أنا لا أظن أن هذا المكان موجود

الشاب يسأل هو لا يكاد يصدق ما يسمع ماذا؟… ماذا تقول؟ إلى أين تريد أن تصل؟

هنا يختم تشارلي حجته العجيبة : أرني أين هي.. إنها مكان غير حقيقي.. لأنها لا وجود لها ولا وجود لما يسمى “فلسـطيني”

ما تتحدث عنه تسمى ‘يهـ.و.دا والسامرة’، وليست فلسـطين.

يصفق الحضور الذين يغلب عليهم اتجاه واحد..

يصفقون وقد أبهرهم الأسلوب الذي يمنطق اللامنطق..

نفس الأسلوب الذي تكرّر عبر التاريخ:

قلب الحقائق،

خلط الأوراق،

ثم إطلاق ضحكة عالية لإيهام الناس بأن الجدل قد حُسم.

أن تُنكر الشمس وقت الظهيرة، ثم تضحك وتصفّق لنفسك بثقة وكأنك قد طمست نورها الساطع بمغالطاتك التافهة.

“الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار” مغالطة سمجة أطلقها يوما أسلاف غاصبي اليوم

والرد القرآني لم يكن بالانجرار وراء تفصيل المغالطات الواضحة، بل بتذكير بسيط بما يحاولون إغفاله: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}.

وضوح على وضوح: أنتم قتـ.لتم الأنبياء رغم أنهم فعلوا ما طلبتم فما الفارق الذي سيحدث لو جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الواضحات لا تحتاج برهانًا… تحتاج فقط من يُذكّر بها دون ارتباك في مواجهة من يحاول طمسها

وهذا بالضبط ما كان يفعله تشارلي كيرك وباقي الفريق النكد أمثال بِن شَبيرو وآيان هيرسي

يضحكون من فراغ حجتهم، ثم يتوهمون أن الضحكة صارت برهانًا.

كأنك ترى ساحرًا رديئًا يسحب حمامة من قبعة، فيصفق له الجمهور، بينما الحمامة مربوطة بخيط واضح يراه كل طفل في الصف الأول.

لكن في خضم هذا التصفيق الصاخب،

تنبثق الحاجة إلى إعادة تعريف ما لا ينبغي أن يُعرّف أصلًا، لأن الثقة المتناهية حين تُلبّس الشبهة ثوب الحق، تُربك العقول، وتُؤثر في القلوب.

نعم، هذه هي الحقيقة المؤسفة…

ثمة من يتأثر بالمغالطات المنطقية أو اللامنطقية والافتراضات المزيفة وإن فحش تزويرها وكانت فجة لكل ذي عينين..

ومن يتأثر أكثر، هو من لا يرى بعينين صافيتين، لا لأنهما لا تحملان نور البصر ولكن لأنهما مثقلتان بغبار التلقين، مُنهكتان من ضجيج التزييف، مُشتتان بين قلة الاطلاع، وعدم الاكتراث،

وثمة أسباب أخرى كثيرة تجعل الباطل يبدو لامعًا، وتجعل الحق يحتاج إلى من يُذكّر به، لا من يُبرهن عليه.

وهذا للأسف ما حدث ودفعني لكتابة هذه السطور بعد أن حدث كالعادة ما لم أكن أتوقعه أبدا..

موجة تعاطف مع الهالك!

قد يفهم ذلك في سياق الظرف الذي نفق فيه… لكن ما لا يفهم هو ذلك التعاطف الأحمق مع كلامه ومنطقه وممن يفترض أنهم بنو جلدتنا ويتسمون بأسماء تشبه أسماءنا!

وكأن البديهيات صارت لدى هؤلاء تحتاج إلى إثبات وبرهان

حتى حقّ الوجود!

صار من تلك الأشياء التي يُطلب لها برهان مؤخرا..

وكأن الأصل قد غاب، والثوابت باتت تُناقش، لا يُسلم بها.

لم يعد يُنظر إلى حق الوجود كحقيقةٍ لا تُمسّ، بل كامتيازٍ يُمنح، أو هويةٍ تُنتزع، أو إذنٍ يُنتظر من غاصبٍ لا يملك إلا أدوات الطمس والتشكيك.

فلسـطين لم تكن يومًا سؤالًا في مناظرة، ولا خريطةً تُمحى وتُرسم حسب مزاج المحتل، ولا شعبًا يُطلب منه أن يُثبت أنه موجود، وكأن الدم الذي سال، والبيوت التي هُدمت، والأسماء التي كُتبت على شواهد القبور، لا تكفي لتكون شهادة حياة.

إن الوجود لا يُقاس باعتراف من وغد مبتسم، ولا يُثبت بتصفيق جمهورٍ مبرمج، ولا يُلغى بضحكةٍ مصطنعة تُخفي خواء الحجة.

الوجود يُثبت نفسه حين يُقاوم..

حين يُحب..

حين يُدفن شهداءه ويُسمّي أبناءه بأسمائهم..

حين يعلي صوت الحق رغم الحصار، ويكتب رغم الجوع، ويحلم رغم الخراب، ويُصرّ على أن يحيا، لا لأن الحياة سهلة، بل لأن الموت في سبيلها صار أكرم من حياةٍ تُنتزع.

إن حقّ الوجود ليس بندًا يُدرج في جدول نقاش، ولا فكرة تُعرض على طاولة جدل، بل هو حق الحياة نفسها..

الحق الذي إن أُهمل، تهاوت التفاصيل كأوراق الخريف، وانطفأت المعاني كما تنطفئ شموع العزاء، وتحول التاريخ من مرآةٍ للحق إلى مسرحٍ للعبث، تُؤدى فيه أدوار الزيف بثقة الممثل الرديء الذي يظن أن التصفيق يُغني عن الصدق.

يسأل الهالك سؤالًا لا يُراد منه جواب، بل يُراد منه نفي، يقول: “ما هو الفلسـ. طيني؟ ما عرقيته؟”

حسنا هو يعلم الجواب، ويوقن به، لكن لسانه يُجيد الجحود، ويُتقن فن الإنكار.

الفلسـطيني أيها الهالك هو الذي يوقظه صوت الأذان في القدس منذ مئات السنين، بينما كان أجدادك يبيعون النبيذ على ضفاف نهر الدانوب، لا يعرفون من الأرض إلا ما يُسكب عليها، ولا من التاريخ إلا ما يُشترى ويُباع.

الفلسـطيني هو الفلاح الذي غرس زيتونه منذ ألف عام، ثم جاء منبتٌ منقطع الجذور مثلك ليسأل بسذاجة من لم يعرف التراب: ما الزيتون أصلًا؟

الفلسـطيني هو الذي وُجد على الأرض قبل أن تتفق أنت وأقرانك على أن تُسمّوا أنفسكم “أمريكان”، لا “محتلون بنوا حضارتهم الزائفة على جبالٍ من جماجم السكان الأصليين، الذين أُبيدت أرواحهم بالملايين، ثم كُتب التاريخ بلون المنتصر لا بدم الضحية.”

سؤالك ليس إلا كمن يسأل: “ما هو الهواء؟”

والهواء لا يُشرح، بل يُتنفس.

وفلسـطين لا تُبرهَن، بل تُعاش.

هي ليست فكرة تُناقش، بل ذاكرة تُحيا، وتاريخ يُحمل في الدماء، لا في الوثائق.

أما ضحكتك العالية، فهي ضحكة التلميذ البليد، الذي صرخ يومًا في الصف: “يا أستاذ… لو كانت الكرة الأرضية تدور فعلًا، لماذا لا نسقط منها؟”

ينقلب الصف ضاحكًا، ويظن الولد أنه تفوّق على نيوتن، بينما هو ببساطة عجز عن فهم الجاذبية.

ضحكتك ليست برهانًا، بل غبارًا يُثار في وجه الحقيقة، ثم يظن صاحبه أنه قد غطّى الشمس.

ذلك المنطق – مع الاعتذار لما تبقّى من المنطق – يُشبه من يقول بثقة المنتصر: “لو كان المطر ينزل من السماء منذ قرون، فأروني صورًا له قبل القرن التاسع عشر!”

ثم يصفّق لنفسه لأن الكاميرا لم تكن قد اخترعت بعد..

وكأن غياب الصورة يُنكر وجود الظاهرة، وكأن التاريخ يُختزل في عدسة، لا في أثرٍ على الأرض.

طريقة قديمة..

قديمة حتى الملل..

أن تُطلق سؤالًا تافهًا مغلّفًا بوقاحة، ثم تُعلّق على صدرك وسام “المفكر الحرّ”، وتترك الحمقى يصفّقون، لا لأنهم فهموا،

بل لأنهم اعتادوا أن يصفّقوا لمن يصرخ بثقة..

ولو كان يصرخ بالباطل.

بينما الحقيقة – التي يعرفها طفل يبيع البقدونس عند سور المسجد الأقصى –

أبسط من أن تُجادل، وأوضح من أن تُشرح..

هذه الأرض لها أهلها، وهؤلاء الأهل ليسوا “فرضية لغوية” تُناقش في قاعات التنظير،

ولا “خطأ مطبعي” في خرائط مدرسية،

هم لحمٌ ودم، وذاكرةٌ تُحمل في العروق والشرايين، وتاريخٌ كُتب بالتضحيات، لا بالحبر..

بل بالدم وبالدمع وبالوقوف في وجه من ظن أن التصفيق يُغني عن البرهان.

حين يُطرح السؤال: “ما هو الفلسـطيني؟” فليس المقصود تركيبًا جينيًا يُفكك في مختبر، بل هويةً تاريخية لشعبٍ عاش على أرضٍ اسمها — شئت أم أبيت — فلسـطين، لا كعنوانٍ مؤقت، بل كجذرٍ ضارب في عمق الجغرافيا والذاكرة.

الفلسـطيني ليس معادلةً تُحلّ، بل هو حاصل اجتماع الأرض والسكان واللغة والاسم الذي ظلّ يُتداول قرونًا دون انقطاع، من “سوريا فلسـطين” في التقسيمات الرومانية، إلى “جُند فلسـطين الشام” في الدولة الإسلامية، إلى “سنجق القدس” ومتصرّفيته في العهد العثماني، وصولًا إلى الانتداب البريطاني على فلسـطين.. حيث الوثائق والهويات وجوازات السفر كانت تُختم بكلمة واحدة، مزعجة للبعض، لكنها واضحة كالشمس: P.a.l.e.s.t.i.n.e.

الفلسـطيني ليس فرضية لغوية، ولا خطأً مطبعيًا في خرائط مدرسية، بل هو ابن الأرض التي نطقت باسمه قبل أن يُسأل عنها،

ابن التاريخ الذي لم يُكتب بالحبر وحده، بل بالدم والدمع أيضا..

ابن الذاكرة التي لم تُلقّن، بل عاشت في البيوت والحقول والمآذن والقبور.

لكن ما دام في الناس من يصرّ على المغالطة، وما دام فيهم من يصدّقها أو يتأثر بترهاتها، فلا بأس أن نمدّ الخريطة على استقامتها قليلًا عبر العصور، لا لنُثبت ما لا يحتاج إلى إثبات، ولكن لنُذكّر من نسي أو تناسى، أن هذه الأرض التي تُسمّى اليوم فلسـطين لم تكن يومًا فراغًا ينتظر من يملأه، بل كانت مسرحًا حيًّا لحضاراتٍ تعاقبت، وشعوبٍ عاشت، وأسماءٍ كُتبت في ذاكرة الزمن لا بالحبر، بل بالدم والعرق واللغة والحنين.

هنا عاشت قبائل كنعانية قديمة مرّ بهم إبراهيم الخليل مهاجرًا منذ ما يقارب الثلاثة آلاف عام ثم خرج منها إلى مصر تارة وإلى مكة تارة أخرى مع هاجر وإسماعيل..

ثم عاد إليها ورُزق بإسحاق

ثم جاء يعقوب

وهاهنا الجد الذي يحاولون اليوم الانتساب إليه في مسمّاهم المُختلَق

حسنا.. انتقل يعقوب بعد ذلك وأبناؤه إلى مصر، حيث يوسف كان عزيزها العزيز، في قصةٍ لا تخطئها عين، ولا يُنكرها إلا من أعماه الهوى.

لحظات من تأمل هذا المسار التاريخي المعروف تكفي لأن تدرك أن أرضا كانت هناك، وكان عليها سكان، وكان إبراهيم مهاجرًا إليهم من أرضه الأصلية: بابل العراق، لا غازيًا، ولكن ضيفًا كريمًا في أرضٍ مأهولة، كما كانت الهجرات السلمية عبر الزمان والمكان؛ جيرةً وتواصلًا وتراحمًا، لا إحلالًا ولا نفيًا، ولا ادعاءً بأن الأرض تُمنح لمن يزعم امتلاكها.

ولم تكن الأرض يومًا هي معيار البقاء، وإلا لما غادرها يعقوب نفسه حين استدعى الأمر ذلك.

إن الأرض لله، يورثها من يشاء، وهذا ما يفهمه العقلاء، لا من يظن أن التاريخ يبدأ منذ لحظة وصوله، ولا من يعتقد أن الجغرافيا يعاد تشكيلها وفق مزاجه وهواه.

بعد قرون، حاول موسى وبنو إسرائيل الرحيل من مصر إلى الأرض المقدسة، لكنهم لم يدخلوا، إذ ضرب عليهم التيه..

ولماذا كان التيه؟

السبب معروف

إن فيها قومًا جبارين!

وأين كان هؤلاء؟

في ذات الأرض التي لم تخلُ يومًا من سكان، لا كما زعم الهالك ومن يصفّق له.

بعد انقضاء التيه، دخلوا إليها بأمر من الله، بقيادة طالوت، وفي جيشه داوود عليه السلام، لا ليستأصلوا أهلها، بل ليقيموا فيها كما أقام غيرهم، ضمن دورة التاريخ التي لا تُقصي أحدًا إلا من أقصى نفسه.

هنا جاءت عصور وعهود يسمونها بأسماء مختلفة:

عهد القضاة، فالملوك: طالوت، ثم داوود وسليمان عليهما السلام..

بعد وفاة النبي والملك سليمان عليه السلام، نحو عام 930 قبل الميلاد، انقسمت المملكة الموحدة التي ورثها عن أبيه داوود عليه السلام إلى شطرين:

مملكة يهـوذا في الجنوب، عاصمتها أورشليم، وتكوّنت من سبطي يهوذا وبنيامين،

ومملكة إسرائيل في الشمال، عاصمتها السامرة، وتكوّنت من باقي الأسباط.

دامت مملكة إسرائيل الشمالية قرابة 210 عامًا، حتى اجتاحها الآشوريون بقيادة سرجون الثاني عام 722 ق.م، فسبَوا سكانها، وشتّتوا أسباطها، فيما يُعرف تاريخيًا بسبي الأسباط العشرة، الذين لم يعودوا يشكّلون كيانًا سياسيًا بعد ذلك.

أما مملكة يهوذا الجنوبية، فقد استمرت بعد سقوط المملكة الشمالية، ودامت قرابة 135 عامًا إضافية، حتى جاء نبوخذ نصر البابلي، فخرّب أورشليم عام 586 ق.م، وسَبى أهلها إلى بابل، في ما يُعرف بالسبي البابلي، الذي استمر حتى أذن الفرس بالعودة بعد نحو نصف قرن.

إذاً الممالك التي انقسم إليها بنو إسرائيل بعد سليمان عليه السلام، قد دامت مجتمعةً حوالي 345 عامًا، بين عامي 930 ق.م و586 ق.م، وهي فترة شهدت اضطرابًا سياسيًا، وانقسامات دينية، وتدخلات خارجية متكررة، انتهت بزوال الكيان السياسي الذي يُستدعى الآن ذكره، لكنه لم يزل بزوال السكان، إذ بقيت الأرض مأهولة، تنبض بالحياة، وتنتقل من حضارة إلى أخرى، دون أن تُفرغ من أهلها.

ثم أذن الفرس بالعودة بعد سقوط بابل على يد كورش الكبير عام 539 ق.م، فأصدر مرسومًا يسمح لليـ.هود بالرجوع إلى القدس وإعادة بناء الهيكل، وهو ما بدأ فعليًا في حدود 538 واستُكمل في 515 ق.م.

ثم جاء الإغريق بقيادة الإسكندر الأكبر عام 332 ق.م، فدخلت فلسـ. طين ضمن الإمبراطورية الهلنستية، وتنازعها البطالمة والسلوقيون حتى استقرت تحت حكم السلوقيين عام 198 ق.م.

ثم قامت ثورة المكابيين، فحكم الحشمونيون قرابة قرن حتى دخل الرومان القدس بقيادة بومبيوس عام 63 ق.م.

وفي عام 70 م، دمّر تيطس الهيكل الثاني بعد ثورة يه.ودية، ثم جاء هادريان بعد ثورة أخرى، فطرد اليـهود من القدس، وأعاد تسميتها Aelia Capitolina، وسمّى الإقليم كله إداريًا “Syria P.a.l.e.s.t.i.n.e”،

لاحظ أن الرومان لم يبتكروا اسم فلسـطين، بل أعادوا استخدامه إداريًا عام 135م بعد قمع ثورة بار كوخبا، حين غيّر الإمبراطور هادريان اسم إقليم يهوذا إلى “سوريا فلسـطين”، في محاولة لمحو الهوية اليهـ.ودية من الأرض.

الاسم نفسه مستمد من الفلستيين، شعوب بحرية استوطنت الساحل الجنوبي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وارتبطت المنطقة باسمهم في الوثائق القديمة، وظل حيًّا في الذاكرة الجغرافية.

ثم جاء البيزنطيون بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية عام 395م، فحكموا حتى الفتح الإسلامي عام 636م،

وحين دخلها المسلمون في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبحت فلسـطين ضمن أجناد الشام الأربعة، تحديدًا سميت “جند فلسـ. طين”.

استمر الحكم الإسلامي إلى النكبة ولم يقطعه إلا فترة حكم الصليبيين بدءًا من 1099م، ولمائة عام تقريبا ثم استعادها الأيوبيون بعد تحرير القدس عام 1187م،

ثم جاء عهد المماليك عام 1250م، فحكموا فلسـطين حتى دخول العثمانيين عام 1517م.

بسط العثمانيون نفوذهم على البلاد لأربعة قرون، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1917، حين دخلت بريطانيا القدس وبدأ عهد الانتداب البريطاني رسميًا عام 1920.

وفي تلك الفترة، وبين وعود متناقضة — من وعد بلفور عام 1917، إلى اتفاقيات سايكس بيكو، إلى تجاهل إرادة السكان الأصليين — بدأت بريطانيا تمهّد الطريق للمشروع الصهيوني، ففتحت أبواب الهجرة، وسلّحت المستوطنين، وضيّقت على الفلسـ. طينيين، حتى بلغت ذروتها بنكبة عام 1948، حين طُرد أكثر من 750 ألف فلسـ. طيني من أرضهم، ودُمّرت مئات القرى، وبدأ فصل جديد من الشتات والاحتلال

كل هذا السرد التاريخي الذي قد يبدو لك مملا في تواريخه له أهمية كبرى إذا تأملت تلك التواريخ بتمعن.

ستلاحظ أنه منذ أن دخل سيدنا إبراهيم عليه السلام وأبناؤه أرض كنعان قادمين من بابل، ثم ارتحلوا إلى مصر في زمن يوسف عليه السلام، لم يكن لبني إسرا. ئيل حكمٌ مستقل في فلسـ. طين إلا بعد خروجهم مع موسى عليه السلام من التيه، ودخولهم الأرض بقيادة طالوت، ثم داوود وسليمان عليهما السلام.

هذا الحكم الموحد لم يدم طويلًا في أي عصر، ولو راجعت التواريخ المجمع عليها بدقة ستجد أن مجموع فترة الحكم السياسي لليـهود المستقل لم تتجاوز 350 عامًا تقريبًا، وعلى أعظم أقوال المبالغين قد تصل إلى 500 عام.

بخلاف ذلك عاش اليـ.هود الذين لم يهاجروا أو يُهجَّروا من تلك الأرض تحت حكم الفرس، ثم الإغريق، ثم الرومان، دون سيادة مستقلة، ولم يكن لليـ.هود حكمٌ على الأرض، بل وجودٌ ديني وثقافي ضمن نسيج أهلها، لا كيانًا سياسيًا يُدّعى له امتداد. حتى جاء الفتح الإسلامي والذي يعد الفترة الأطول إن كان المعيار هو الطول.

وبين كل تلك العصور، لم تكن الأرض صامتة، بل كانت تنبض بالحياة، يسكنها أناسٌ يتكلمون العربية، وقبلها لهجات سامية، يزرعون ويُتاجرون ويُقيمون مدنًا وبلدات، ويقولون ببساطة لا تحتاج إلى تنظير: نحن أهل هذه الأرض.. أيا كان اسمها.

وإن اسمها فلسـطين.

إن التاريخ حين يُستدعى لا يُستدعى كحكايةٍ تُروى، بل كدليلٍ يُشهَد به، وكحائطٍ يُسند عليه الحق حين يُحاول الباطل أن يُزحزحه.

التاريخ ليس رفاهيةً معرفية، بل مطرقة حق تُشهر في وجه من يُنكر، ويُرفع في وجه من يُزوّر، ويُستعمل ليُقنع من يريد أن يقتنع، ويُذكّر من يعرف الحقيقة ويحاول أن يطمسها تحت ركام الضجيج.

وحين تُسأل فلسـطين عن هويتها، لا تُجيب بالنظريات، بل تُجيب بالقرون..

لا تُجيب بالمناظرات، بل بالمدن التي بُنيت، والحقول التي زُرعت، والقبور التي احتضنت الشهداء، والقصائد التي كُتبت بدمٍ لا يجفّ.

من يطلب من الفلسـ. طيني أن يُثبت وجوده، يُشبه من يطلب من البحر أن يُثبت ملوحته، ومن الشمس أن تُثبت حرارتها، ومن الزيتون أن يُثبت جذوره.

هذا التاريخ ليس ترفًا، بل هو وثيقة حياة، لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر في الأرض، وتُحمل في الذاكرة، وتُورّث كما يُورّث المفتاح، والحنين، والحق.

وكل محاولة لإنكار هذا التاريخ، ليست إلا محاولة لخلع الباب من مفصلته، ثم الادعاء أن لا بيت خلفه.

لكن البيت موجود، والباب موجود، والمفتاح في يد طفلٍ لم يقرأ التاريخ في الكتب، بل عاشه في الحصار، وفي الحلم، وفي اسم جده الذي لا يزال يُنادى به في الأزقة.

ليست “يهوذا والسامرة” إلا حيلة سحرية تحاول محو ألفي عام من الاستعمال المتواصل لكلمة “فلسـطين”.

والأسماء أصلا ما هي إلا طبقات جيولوجية في التاريخ؛ تخضع لتغييرات مَن حكم، لا تغييراتُ مَن سكن.

مثل أن تقول إن القاهرة ليست القاهرة لأنها كانت الفسطاط يوما..

وكذلك الاسم “فلسـطين”

ليس اختراعًا عابرًا في تغريدة، بل هو اسمٌ عابرٌ للأزمنة، لا يُولد من ضجيج المنصات، بل من صمت الجغرافيا حين تنطق.

لا يحتاج إلى دستور، بل إلى ذاكرةٍ تُورّث، وجغرافيا تُنطق، وحقولٍ تُزرع، وأسماءٍ تُنادى.

أن تقول اليوم “لا وجود لفلسـطين” يشبه أن تقف أمام نهرٍ يجري منذ آلاف الأعوام، ثم تقول بثقة الجهل: “هذا ليس نهرًا، هذه مياه تمشي.”

جميل. اسمه نهر، والمياه تمشي، والناس تشرب، والتاريخ كتب،

وما كُتب لا يُمحى، وما جرى لا يُوقف، وما سُقي لا يُنسى.

أما السؤال عن العِرق فما أشد سذاجته حين يطلقه أمريكي أو صـهـيوني،

كيانات اختلطت فيها كل أعراق الأرض تسأل الآن عن أعراق الآخرين!

ما عِرْق الفلسـطيني؟

سؤال يليق بسنة 1850 لا 2025.

العِرق أصلا كلمة فاشلة في تفسير البشر. المصري مثلا ابنُ مزيجٍ قديم وحديث، والسوري كذلك، والمغربي كذلك، والفلسـطيني مثلهم: كنعان سامي قديم، وعناصر عربية لاحقة، وتبدلات غزاة مرّوا، ومصاهرات، وهجرات.

هل صار المصري غير مصري لأن الرومان والفرس مرّوا عليه؟

وهل اللبناني غير لبناني لأن الفينيقي كان هنا ثم صار عربيًّا؟

الهويّة مجموع ديني وتاريخي وثقافي، لا أنبوب اختبار وتحليل حمض نووي.

وكذلك الفلسـ. طيني..

هو من انتمى إلى هذه الأرض عمرانًا ونسبًا وامتدادًا أهليًا عبر أجيال، من عاش فيها وتوارثها، من وُلد على ترابها، وأقام في مدنها، وسُجّل في دفاترها، وحمل لغتها وثقافتها في وجدانه.

الهوية هنا ليست شعارًا يُرفع، بل تاريخٌ يُعاش، وسياقٌ اجتماعيٌ وثقافيٌ لا يُختزل في بطاقة أو تصريح.

وأخيرا يسأل الوغد الهالك “هل للفلسـ. طينيين حق في الوجود؟”

سؤال مضحك في ذاته، لا لأنه يُطرح، بل لأن مجرد طرحه يُشبه أن تسأل الشجرة إن كان لها حق في الضوء، أو أن تستوقف وليدًا لتسأله إن كان يملك حق البكاء.

الوجود لا يُمنح، بل يُعاش، والحق لا يُستجدى، بل يُولد مع صاحبه.

السؤال الحقيقي ليس عن الحق، بل عن الكسر: كيف كُسِر حقهم في العيش الكريم؟

من الذي امتلك رفاهية أن يضحك وهو يُعرّف الآخرين ويقرر أن يسميهم أو ينزع عنهم أسماءهم وبالتالي حقهم؟

من الذي قرر أن يُحوّل الإنسان إلى مصطلح، والذاكرة إلى ملف، والحق إلى وجهة نظر؟

الفلسـطيني لا يحتاج إلى تعريف، بل إلى عدالة، ولا يطلب اعترافًا، بل كفًّا عن إنكار حقه ووجوده.

هو ليس احتمالًا لغويًا، بل حقيقة بشرية،

تتنفس، وتحلم، وتُقاوم، وتكتب على جدران التاريخ: أنا هنا، وسوف أبقى هنا.

المعركة ليست على أسماء فحسب، بل على المفاهيم التي تُشكّل الوعي وتُحدّد المصير.

حين يُميّع مفهوم “الشعب”، وتُفرّغ “الأرض” من معناها، وتُختزل “الهوية” في أوراقٍ قابلة للإلغاء، يصبح الاقتلاع مجرّد إجراء إداري..

تُحذف كلمة، فتُمحى ذاكرة، ويُعاد رسم الخرائط كما يُعاد ترتيب الملفات في درجٍ بارد.

لكن الكلمات تحرس المعاني.

وفلسـطين ليست مجرد خمسة أحرف، بل شجرة زيتون، جذورها أعمق من كل محو، وأقوى من كل إنكار.

في طفولتنا قالوا لنا إنك إذا غيّرت الملصق على البرطمان تغيّر ما فيه.

ستتحول المربى إلى جبن!

جرّبناها… لم تنجح.

يمكنك أن تكتب “يهوذا والسامرة” على ملصقٍ كبير، لكن الزيتون في الداخل سيظل زيتونًا فلسـطينيًّا،

سيعطيك زيتًا بطعم التاريخ، ورائحةً من الخبز والزعتر، وصوت جدّةٍ تحفظ أسماء الأحفاد والمفاتيح، لا لأنها ذات حافظة خارقة، ولكن فقط لأنها تُقاوم النسيان.

إذا أردت أن تُنكر، فافعل.

الإنكار لا يُدخل الهواء في الرئتين، ولا يبني بيتًا، ولا يُعيد طفلاً من تحت الركام.

الإنكار لا يُنبت شجرة، ولا يُحيي ذاكرة، ولا يُطفئ حنينًا يسكن في اسمٍ واحد ظلّ ثابتًا فوق الخرائط، برغم حاملي الميكروفونات.

سؤالك السمج “ما هو الفلسـطيني؟”

وجوابنا الثابت:

هو الذي، كلما سألته من أنت، دلّك على بيتٍ هُدم، وعلى طريقٍ ظلّ يمشيها، وعلى مفتاحٍ لا يصدأ، وعلى اسمٍ لن يُمحى: فلسـطين.

فلسـطين ليست قضية تُناقش، بل ذاكرة تُحيا.

ليست ملفًا يُطوى، بل جذرًا لا يُقتلع.

ليست اسمًا في نشرة الأخبار، بل نبضًا في قلب الجدّة، وعرقًا في يد الفلّاح، وظلًا في عيون الأطفال الذين يعرفون أسماء القرى أكثر من أسماء العواصم.

ليست حروفًا على لافتة، بل معنى يسكن اللغة،

ليست خريطةً تُرسم، بل طريقًا يُمشى،

فلسـطين لا تحتاج إلى من يُعرّفها،

بل إلى من يتوقف عن إنكارها.

لأنها، ببساطة حقيقة لا تُنكر،

وإن هلك من يُنكرها.

# د. محمد علي يوسف

بحوث ودراسات

المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية