فرنسا في قبضة الغضب الشعبي

احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تواجه الحكومة الفرنسية موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية، مع خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، اليوم السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني، للأسبوع الرابع على التوالي، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور أوضاع التعليم، في تطورات تضع حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمام اختبار سياسي واجتماعي متزايد التعقيد.

وشهدت العاصمة باريس انتشاراً أمنياً واسعاً، بعدما منعت السلطات تجمعاً دعت إليه حركة السترات الصفراء في ساحة الكونكورد، القريبة من قصر الإليزيه ومقر البرلمان، قبل أن تتدخل الشرطة لتفريق نحو 100 متظاهر، وتوقف أحد قادة الحراك أمام مقر الجمعية الوطنية.

وفي المقابل، انطلقت مسيرة أخرى مرخصة من ساحة الجمهورية باتجاه ساحة الأمة، بمشاركة نقابات عمالية واتحادات طلابية، تحت شعار مواجهة غلاء المعيشة والاستجابة لمطالب الشباب.

70 ألف عنصر أمني في الشوارع

رفعت السلطات الفرنسية مستوى الاستعداد الأمني، ونشرت نحو 70 ألفاً من أفراد الشرطة وقوات الأمن في مختلف أنحاء البلاد، تحسباً لتجدد أعمال العنف التي شهدتها مظاهرات 17 أكتوبر/تشرين الأول، عندما تعرضت متاجر وممتلكات عامة وخاصة لأعمال تخريب ونهب.

وقدرت وزارة الداخلية مشاركة نحو 7 آلاف شخص في 68 احتجاجاً خلال الساعات الأولى من بعد ظهر السبت، وهو رقم أقل من التوقعات الرسمية التي تحدثت عن إمكانية مشاركة 170 ألف متظاهر على مستوى البلاد، بينهم 60 ألفاً في باريس.

وفي مدينة ليون، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين الذين أغلقوا أحد الطرق الرئيسية خلال تجمع غير مرخص.

وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين السلطات والحركات الاحتجاجية، خصوصاً مع انتقال المواجهة من المطالب الاقتصادية والتعليمية إلى الخلاف حول الحق في التظاهر وطريقة تعامل قوات الأمن مع المحتجين.

من المدارس إلى أزمة اجتماعية وطنية

بدأت موجة الاحتجاجات في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، بقيادة طلاب المدارس الثانوية الذين طالبوا بتحسين ظروف التعليم، وتوفير المدرسين، وتخفيف الاكتظاظ داخل الفصول، قبل أن تنضم النقابات العمالية والطلاب الجامعيون وحركة السترات الصفراء.

وتوسعت المطالب لاحقاً لتشمل زيادة الحد الأدنى للأجور، وتحسين المعاشات، وإصلاح النظام الضريبي، وحماية الخدمات العامة، ومواجهة ارتفاع أسعار السلع والسكن والطاقة.

وكانت مظاهرات الخميس الماضي قد شهدت مشاركة مئات الآلاف، وفق تقديرات وزارة الداخلية، بينما رفعت النقابات تقديراتها إلى نحو 1.6 مليون مشارك، في اختلاف يعكس حجم التعبئة الاجتماعية واتساع نطاقها.

ويرى تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، للباحثة رافاييلا أوزان، المتخصصة في الشؤون الأوروبية، أن الاحتجاجات تجاوزت أزمة التعليم لتصبح تعبيراً عن استياء اقتصادي وسياسي واجتماعي أوسع، مع تزايد شعور الشباب بأن أولويات الحكومة لا تعكس احتياجاتهم اليومية.

تحذيرات الخبراء من تداعيات سياسية

وحذر ماتياس ماتيس، الباحث البارز في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات الخارجية، من أن مشاهد العنف قد تمنح اليمين المتطرف فرصة لتقديم نفسه باعتباره المدافع عن الأمن والنظام، مستفيداً من تحميل التيارات اليسارية المتشددة مسؤولية الاضطرابات.

وفي السياق نفسه، ترى ليانا فيكس، الباحثة البارزة بالمجلس، أن الاحتجاجات عمقت أزمة الثقة في الرئيس إيمانويل ماكرون، وأضعفت صورته السياسية، خصوصاً مع اقتراب نهاية ولايته في مايو/أيار 2027.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، إذ يمكن أن تتحول الأزمة الاجتماعية إلى عامل مؤثر في توجهات الناخبين وموازين القوى بين اليمين المتطرف واليسار.

النقابات تصعّد والحكومة تبحث عن حلول

على صعيد ردود الفعل، دعا بنيامين بال، عضو اللجنة التنسيقية لحركة السترات الصفراء، إلى ما وصفه بالعصيان الجماعي، في إشارة إلى رفض الحركة القيود التي فرضتها السلطات على تجمعاتها.

وقالت صوفي بينيه، الأمينة العامة للاتحاد العام للعمل، إن فرنسا تمر بمرحلة خطيرة، محذرة من تزايد النزعة السلطوية في التعامل مع الاحتجاجات.

كما أكدت ماريليز ليون، رئيسة الاتحاد الديمقراطي الفرنسي للعمل، أن القدرة الشرائية أصبحت القضية الأولى بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العاملين، مطالبة بإجراءات تضمن العيش الكريم.

في المقابل، أكد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أنه يستمع إلى مطالب المواطنين المتعلقة بالأجور والقدرة الشرائية، معلناً عقد مؤتمر اجتماعي الاثنين المقبل بمشاركة النقابات وأرباب العمل، لمناقشة الإجراءات الممكنة.

ودعت اتحادات طلابية ونقابية إلى إضراب جديد الثلاثاء المقبل، للضغط من أجل زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين ظروف العاملين والطلاب.

هل تنجح الحكومة في احتواء الأزمة؟

تواجه الحكومة معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والمحافظة على التوازنات المالية، في ظل ارتفاع الدين العام والضغوط الاقتصادية التي تحد من قدرتها على تقديم تنازلات واسعة.

وتبدو ثلاثة مسارات مطروحة: تقديم زيادات ملموسة في الأجور والإنفاق التعليمي، أو استمرار المواجهة الأمنية بما قد يوسع دائرة الغضب، أو التوصل إلى تسوية تدريجية مع النقابات والحركات الطلابية.

في المحصلة، لم تعد الأزمة الفرنسية مجرد احتجاجات على الأسعار أو أوضاع المدارس، بل تحولت إلى اختبار لعلاقة الدولة بالمجتمع، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على استعادة ثقة الشباب والطبقة العاملة. فنجاح مؤتمر الاثنين لن يقاس بالتصريحات، وإنما بما سيقدمه من التزامات قابلة للتنفيذ. 

اترك تعليقا