غزة بعد وقف إطلاق النار.. المدنيون يدفعون الثمن
منازل مهدّمة ومراكز إيواء تتحول إلى أهداف
- السيد التيجاني
- 23 يناير، 2026
- تقارير
- إسرائيل, الأمم المتحدة, حقوق الإنسان, غزة, وقف إطلاق النار
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لا تزال غزة تُحصي قتلاها يومًا بعد يوم. المشهد اليومي لم يتغير كثيرًا: جثامين، منازل مهدّمة، ومراكز إيواء تتحول إلى أهداف.
بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة لا تترك مجالًا للالتباس: ما يجري ليس حوادث معزولة، بل نمط متواصل من العنف ضد المدنيين.
في 21 كانون الثاني/يناير وحده، قُتل ما لا يقل عن 11 فلسطينيًا في هجمات إسرائيلية، في سياق وصفه المكتب الأممي بأنه “امتداد لعامين من الدمار”. الأرقام، وإن بدت جافة، تخفي وراءها قصص عائلات كاملة أُبيدت، وأطفالًا لم يعرفوا من الهدنة سوى اسمها.
أجيث سونغاي، مدير مكتب حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، يختصر الصورة بوضوح: الأزمة لم تقترب من نهايتها. الناس يموتون بالقصف، ويموتون بسبب القيود على المساعدات، ويموتون لأن البرد أقوى من جدران مهدّمة لا تصلح للسكن.
الصحافة تحت النار
من أخطر المؤشرات على طبيعة ما يجري هو الاستهداف المتكرر للصحفيين. في غارة واحدة قرب منطقة نتساريم، قُتل ثلاثة صحفيين فلسطينيين أثناء قيامهم بمهمة تصوير إنسانية.
بمقتل أنس غنيم وعبد الرؤوف شعث ومحمد صلاح قشطة، ارتفع عدد الصحفيين الذين قُتلوا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 292 صحفيًا.
هذا الرقم، وفق توصيف خبراء إعلام دوليين، غير مسبوق في نزاع واحد خلال فترة زمنية قصيرة.
تقول الباحثة في سلامة الصحفيين، ليلى حداد، إن “قتل هذا العدد من الصحفيين، مع منع الصحافة الدولية من دخول غزة، يعني عمليًا قتل الشهود، وليس فقط الأفراد”.
الرسالة واضحة: ما لا يُصوَّر قد يُمحى بسهولة. ومع غياب التغطية المستقلة، يصبح المدنيون أكثر عرضة، وتصبح الحقيقة نفسها هدفًا مشروعًا.
مدنيون في مرمى “الخط الأصفر”
الخط المعروف إسرائيليًا بـ“الخط الأصفر” تحوّل إلى منطقة غامضة المعالم، لكنها شديدة الخطورة.
تقارير مكتب حقوق الإنسان تؤكد أن القتل لا يقتصر على محيط هذا الخط، بل يمتد إلى مناطق بعيدة عنه، تشمل مراكز إيواء ومبانٍ سكنية.
طفل في الثالثة عشرة قُتل شرق خان يونس. أب وابنه، في العمر نفسه تقريبًا، قُتلا معًا في وسط غزة. ثلاثة أشقاء سقطوا بقصف مدفعي قرب مخيم البريج.
هذه ليست “أضرارًا جانبية”، كما يصفها بعض الخطاب العسكري، بل نمطًا متكررًا من استهداف المدنيين.
الخبير القانوني الفلسطيني الدكتور نزار عوض يرى أن “إطلاق النار على مدنيين لمجرد وجودهم قرب مناطق انتشار عسكري، دون تهديد مباشر، يرقى إلى انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، وقد يشكّل جريمة حرب”.
الأرقام تدعم هذا التوصيف: 216 قتيلًا موثقًا منذ وقف إطلاق النار حتى 21 كانون الثاني/يناير 2026، بينهم 46 طفلًا و28 امرأة، في هجمات وقعت بعيدًا عن الخط المذكور.
الموت البطيء: البرد والفوضى وانتهاكات الداخل
ليس القصف وحده ما يقتل في غزة.
تسعة أطفال على الأقل توفوا بسبب البرد الشديد منذ وقف إطلاق النار. الخيام لا تقي من الشتاء، والمنازل المهدّمة لا تحمي من الرياح، والمساعدات ما زالت تخضع لقيود خانقة.
تقول العاملة الإنسانية سمر أبو دقة إن “الموت هنا لا يأتي دائمًا بصوت انفجار. أحيانًا يأتي بصمت، في الليل، عندما يعجز الأهل عن تدفئة طفل”.
وفي موازاة ذلك، وثّق مكتب حقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 80 فلسطينيًا على يد حركة حماس منذ وقف إطلاق النار، في سياق اشتباكات داخلية وعمليات إعدام ميدانية.
المكتب شدد على أن حماس، بوصفها سلطة أمر واقع، تتحمل مسؤولية قانونية كاملة عن حماية حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
هذا البعد الداخلي يضيف طبقة جديدة من المأساة: غزة محاصَرة من الخارج، ومنهكة من الداخل، ومدنيوها عالقون بين قوى لا تضع حياتهم في الأولوية.
الحق في الحياة ليس تفصيلاً
تحذير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من “تجاهل الحق في الحياة” ليس توصيفًا بلاغيًا، بل إنذارًا قانونيًا وأخلاقيًا.
استمرار قتل المدنيين بعد إعلان وقف إطلاق النار يفرغ أي حديث عن التهدئة من مضمونه، ويحوّل الهدنة إلى غطاء شكلي لعنف مستمر.
ما تطالب به الأمم المتحدة ليس معجزة: وقف حقيقي لإراقة الدماء، فتح فعلي للمساعدات، مساءلة قانونية، ونهج قائم على حقوق الإنسان في التعافي وإعادة الإعمار.
من دون ذلك، سيبقى وقف إطلاق النار مجرد سطر في بيان، بينما تواصل غزة كتابة فصولها بالدم.