عقوبات أمريكية مرتقبة على فروع “بنك مصر” في الإمارات

الزلزال المصرفي

الرائد// تواجه فروع “بنك مصر” في دولة الإمارات العربية المتحدة ضغوطاً رقابية ودولية غير مسبوقة، وذلك بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن مقترح تشريعي يقضي بتقييد وصول تلك الفروع إلى نظام المراسلة المصرفية بالدولار الأمريكي. وتأتي هذه الخطوة الصادرة عن شبكة إنقاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) كجزء من حملة واشنطن الواسعة المسماة “عملية المنبوذ الاقتصادي” لقطع القنوات المالية المرتبطة بإيران، مما وضع البنكين المركزيين في مصر والإمارات أمام حالة من الاستنفار والتنسيق المشترك لاحتواء التداعيات السمعية والمالية لهذا القرار على القطاع المصرفي.

1- بنك مصر في مرمى العقوبات الأمريكية

يقع “بنك مصر” حالياً في مرمى العقوبات الأمريكية، فهل تصل تداعيات هذه الضربة إلى عمق الاقتصاد المصري؟ فبينما تخوض القاهرة معركة لتعزيز ثقة الأسواق ودعم تدفقات النقد الأجنبي، يصدر قرار أمريكي جديد يضع أحد أكبر البنوك الحكومية المصرية تحت ضغط إضافي عبر بوابة فروعه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك على خلفية اتهامات بتعاملات مرتبطة بإيران.

وحسب الاتهامات الأمريكية، شملت القضية 103 شركات وتعاملات مالية بقيمة تقارب مليار و800 مليون دولار. تتحرك واشنطن لتقييد وصول فروع “بنك مصر” في الإمارات إلى النظام المالي الأمريكي، في حين يعلن “مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي” بدوره عن إجراء تفتيش خاص وعاجل لمراجعة تعاملات البنك. لكن هل نحن أمام إجراء يستهدف فرعاً خارج مصر فقط، أم أن تداعياته قد تتجاوز حدود الإمارات لتطال المركز الرئيسي لـ “بنك مصر”، والقطاع المصرفي، والاقتصاد المصري بأكمله؟ هذا ما نستعرضه اليوم في برنامج “نيوز زووم”.

2. أبرز اتهامات وزارة الخزانة الأمريكية
تتمحور أبرز اتهامات “وزارة الخزانة الأمريكية” لفروع “بنك مصر” في الإمارات في أن البنك يوفر منفذاً لإيران للوصول إلى الدولار، مما يجعل هذه التعاملات مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي. وفقاً لهذه الاتهامات، يعالج “بنك مصر” معاملات لشبكات ظل مصرفية متعددة الجنسيات يُشتبه بارتباطها بإيران، مما يساعدها في الوصول إلى العملات الأجنبية وتجنب القيود المفروضة على مؤسساتها المصرفية. كما يتعامل البنك مع شركات واجهة تعمل لصالح شركات حكومية وأمنية إيرانية. وترتبط بعض هذه الشركات، بحسب “وزارة الخزانة الأمريكية”، بـ “وزارة الدفاع الإيرانية” التي تسعى للوصول إلى النظام المالي الدولي والالتفاف على العقوبات الأمريكية. وعلاوة على ذلك، ترتبط هذه الشركات بـ “الحرس الثوري الإيراني”، الذي يستخدمها لغسل الأموال، وشراء الأسلحة، وتمويل جماعات إقليمية حليفة لطهران. باختصار، استخدمت إيران عملاء “بنك مصر” كواجهات تجارية لغسل الأموال لصالح القيادة الإيرانية.

3. ثغرات في أنظمة الامتثال والرقابة المصرفية
لقد مرت ما يقارب المليارا دولار عبر فروع “بنك مصر” في الإمارات على مدى عامين ونصف، من خلال 103 شركات مرتبطة بإيران، دون أن ترصدها أنظمة الامتثال والرقابة. هذا الرقم الضخم يطرح علامات استفهام جوهرية حول قدرة الرقابة المصرفية على تعقب هذه التدفقات المالية. فهل تكشف هذه القضية عن ثغرات حقيقية في منظومة الامتثال، أم أن الشبكات المالية الموازية المرتبطة بإيران أصبحت أكثر تعقيداً وقدرة على الإفلات من أنظمة الرقابة؟
من المعروف أن هناك العديد من البنوك التي تتعامل مع إيران وتحاول تغطية تلك المعاملات وتنفيذها بطرق معينة، كما أنها قد تسمح ببعض المعاملات التي تقبلها “وزارة الخزانة الأمريكية” وترفض أخرى. إلا أن التصور السائد هو أن البنك عانى من قصور في إجراءات “اعرف عميلك” (KYC)، حيث لم يتمكن من الوصول إلى الهوية الحقيقية للعميل الأصلي وراء هذه المعاملات، والذي من المتوقع أن يكون إيرانياً. كما لم يتم الكشف بصورة واضحة عن طبيعة الشخصية التي تقف وراء هذه العمليات. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك قصور في مراقبة عمليات بهذا الحجم، إذ يُعد هذا المبلغ كبيراً جداً بالنسبة لحجم تعاملات فروع “بنك مصر” في الإمارات، وكان من المفترض أن تخضع مثل هذه العمليات لرقابة أشد مما حدث.

4. رسالة واشنطن: لا حليف محصن ولا مؤسسة بعيدة عن العقاب
لا تكتفي واشنطن هذه المرة بمواجهة إيران فحسب، بل توسع دائرة رسائلها التحذيرية لتشمل حلفاءها أيضاً. فبنك تابع لمصر، الدولة الحليفة للولايات المتحدة، يجد نفسه في مرمى العقوبات الأمريكية. والمفارقة أن هذه الخطوة تأتي من داخل دولة الإمارات، الحليفة الأخرى للقاهرة. فهل تريد واشنطن أن تقول للعالم بوضوح: في معركتنا ضد إيران، لا يوجد حليف محصن، ولا توجد مؤسسة بعيدة عن العقاب؟
لقد تعهدت “وزارة الخزانة الأمريكية” بقطع كل شريان اقتصادي متبقٍ لطهران، ووضع حد نهائي للتهديد الذي يمثله النظام الإيراني، محذرةً الجهات التي تساعد إيران من أنها لن تتمكن من الاستمرار في التمتع بإمكانية الوصول إلى الدولار الأمريكي والنظام المالي العالمي. لقد قرر “بنك مصر” في الإمارات، بحسب البيان الأمريكي، اختيار الطريق الصعب، واليوم تتخذ واشنطن الخطوة الأولى لمحاسبته على دعمه المستمر والصارخ للنظام الإيراني.

5. التحرك المصري العاجل: تطويق الأزمة
في محاولة لاحتواء تداعيات العقوبات الأمريكية قبل أن تمتد آثارها إلى الأسواق المحلية، تحركت القاهرة سريعاً عبر إجراءات مصرفية ودبلوماسية لتطويق الأزمة بعيداً عن الأضواء. فكيف ردت مصر في أول تحرك لها على التهديد الأمريكي الذي طال “بنك مصر”؟
تحركت القاهرة فوراً إثر الإعلان الأمريكي عن فرض عقوبات مقترحة على فروع “بنك مصر” في الإمارات، وإعلان “مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي” عن تفتيش عاجل لتلك الفروع. وأعلن “البنك المركزي المصري” أن الإجراء يقتصر فقط على فروع “بنك مصر” في الإمارات ومعاملات الدولار مع البنوك المراسلة الأمريكية، مؤكداً أنه لا يمس المركز الرئيسي لـ “بنك مصر” داخل مصر أو أي فروع أخرى. كما أكد أن “البنك المركزي” و”وزارة الخارجية المصرية” على تواصل مباشر مع واشنطن، مشدداً على قوة وصلابة القطاع المصرفي المصري. ومن جهته، طمأن “بنك مصر” عملاءه بشأن استمرار وفاء فروعه في الإمارات بالتزاماتها، موضحاً أن إجراء “وزارة الخزانة الأمريكية” المقترح لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد انتهاء مهلة مدتها شهر لتلقي التعليقات والملاحظات.

6. مخاطر السمعة وتأثيرها على البنوك المراسلة
كان القرار الأمريكي واضحاً في استثناء المركز الرئيسي لـ “بنك مصر” في القاهرة، لكن في عالم المال، لا تتوقف المخاطر عند الحدود النصية للقرار نفسه، فالسمعة وحدها قد تكون كافية لتغيير حسابات البنوك العالمية. فهل يدفع هذا القرار البنوك الغربية إلى تقليص تعاملاتها مع “بنك مصر” خوفاً من تبعات قانونية؟ وما انعكاس ذلك على تدفقات النقد الأجنبي، واستقرار الجنيه، والاقتصاد المصري؟
يكمن الحل في أن يقوم المركز الرئيسي بدور كبير جداً لمحاولة الفصل المحاسبي والتنفيذي للفرع الموجود في الإمارات (أو الفروع الموجودة داخل دولة الإمارات) عن المركز الرئيسي. وهذا يتطلب بالفعل مجهوداً جباراً من “البنك المركزي المصري”، و”وزارة المالية المصرية”، بالإضافة إلى “وزارة الخارجية المصرية”، للتعاون مع “وزارة الخزانة الأمريكية” لتلافي أي مقاومة. ذلك لأن بعض البنوك الكبرى والمراسلين على مستوى العالم يفضلون تجنب أي مخاطر، وعملية إدارة المخاطر في هذا التوقيت بالغة الأهمية حتى لا تنطبق عليهم أي عقوبات بعد انتهاء الفترة وثبوت مثل هذه السلبيات التي تم التهديد بها أو الإنذار بها من قبل “وزارة الخزانة الأمريكية”.
الموضوع قد يكون خطيراً جداً حتى خلال فترة الثلاثين يوماً. لماذا نتحدث عن هذا؟ لأن هناك اعتمادات مستندية مفتوحة بالفعل اليوم، وعمليات إصدار وتصدير وتحويلات بنكية وما شابه ذلك. قد تؤدي المخاوف لدى البنوك المراسلة، أو على الأقل بالنسبة للبنوك التجارية التي تتعامل مع الدولة المصرية، إلى نوع من التحوط أو إدارة المخاطر في هذا التوقيت، فيحاولون تجنب التعامل مع الفروع الرئيسية التابعة لـ “بنك مصر” داخل الدولة المصرية.

7. التحرك الإماراتي: تفتيش عاجل ومراجعة شاملة
وبينما تتجه الأنظار إلى القاهرة، تحركت أبو ظبي أيضاً على خط الأزمة. فكيف تعاملت الإمارات مع القرار الأمريكي المتعلق بـ “بنك مصر”، وما الخطوات التي اتخذتها لاحتواء تداعياته؟
فور اطلاعه على الإعلان الأمريكي، جاء تحرك “مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي” سريعاً عبر إجراء تفتيش شمل فروع “بنك مصر” العاملة في البلاد، وذلك على خلفية مخاوف تتعلق بغسل الأموال ومعاملات يُشتبه بارتباطها بشبكات مالية إيرانية. وشمل التفتيش مراجعة معمقة للفترة الزمنية التي تناولها البيان الأمريكي، مع التركيز على التعاملات المصرفية للشركات المذكورة في الاتهامات الأمريكية، والتحقق من الالتزام بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومتطلبات العقوبات المالية. وأعلن “مصرف الإمارات المركزي” أنه يدرس الخيارات المتاحة بشأن وضع فروع “بنك مصر” إذا تحولت الإجراءات الأمريكية المقترحة إلى قرار نهائي بعد استكمال المسار القانوني في الولايات المتحدة، مؤكداً أنه سيراعي حقوق والتزامات البنك المصري تجاه عملائه في الإمارات.

8. تداعيات محتملة على الثقة في القطاع المصرفي
لكن تداعيات القرار قد لا تتوقف عند الإمارات أو “بنك مصر” وحده، فالعقوبات الأمريكية تفتح الباب أمام مخاوف أوسع داخل دول الخليج. فهل تهتز ثقة البنوك الخليجية في فروع “بنك مصر” وبنوك مصرية أخرى خشية العقوبات الأمريكية؟ وإذا اتسعت دائرة الحذر، فهل تمتد تداعياتها إلى أسواق المال الخليجية؟
يرى المحللون أنه لا يمكن تضخيم هذه القضية بشكل كبير اليوم، فاهتزاز الثقة في البنوك المصرية سيكون أكبر من حجم القضية نفسها. نحن نتحدث عن إجراء أمريكي يتعلق بفروع محددة، أو بفرع محدد لـ “بنك مصر” في الإمارات، وليس تقييماً سلبياً حقيقياً للمصارف المصرية ككل، ولا توجد مؤشرات على انتقال المسألة إلى بقية البنوك المصرية العاملة. في المقابل، تعاملت الجهات الرقابية الإماراتية مع الموضوع وفق الإطار الرقابي المعتاد، وهذا بحد ذاته أمر إيجابي، لأن وجود رقابة سريعة وشفافية يعزز الثقة في النظام المالي ككل. لذلك، فإن القضية أقرب إلى أن تكون ملف امتثال مصرفي محدد، منها إلى أزمة ثقة شاملة.

9. السيناريوهات المفتوحة
ومع دخول الأزمة مرحلة جديدة، تصبح فعالية التحركات المصرية هي العامل الأهم في تحديد مسارها. فهل تنجح إجراءات “البنك المركزي” و”بنك مصر” في احتواء الموقف وتجنب أي تداعيات قد تضغط على الاقتصاد المصري أو العلاقات المصرفية مع دول الخليج؟
قام “البنك المركزي” بإصدار تصريحات مهمة وكبيرة جداً، كما طمأن “بنك مصر” عملاءه وقام ببعض الإجراءات، لكن هذه الإجراءات ليست كافية بمفردها. لا يكفي مجرد مخاطبة الطرف الآخر، بل يجب السعي للاتفاق مع مكاتب تحقيقات ومكاتب امتثال دولية للحصول على شهادة إبراء ذمة مالية بخصوص هذه المشكلة.
وبصراحة، البيانات المتاحة تشير إلى وجود احتمالية معينة، ويجب الانتباه إلى أن الفترة من يناير 2024 حتى يوليو 2026 شهدت تعاملات مع 103 شركات بمبلغ 1.8 مليار دولار. نحن نتحدث عن فترة زمنية مهمة جداً بالنسبة لدولة الإمارات. وجود هذه الفروع يخضع للإشراف من قبل دولة الإمارات وليس من المركز المصري. فالمركز الإماراتي هو المظلة التي تغطي مثل هذه البنوك والمعاملات سواء عبر شبكة “سويفت” (SWIFT) أو غيرها. ولهذا السبب، كان التوقيت بالغ الأهمية، حيث كانت دولة الإمارات تحاول الخروج من القائمة الرمادية، مما جعل التدقيق كبيراً جداً وهاماً داخل الدولة حتى نهاية عام 2025، وهو التوقيت الذي خرجت فيه الإمارات من القائمة الرمادية. كيف حدث كل هذا؟ كانت دولة الإمارات تقوم بعملية تدقيق ضخمة جداً لمحاولة تجاوز القائمة الرمادية في ذلك التوقيت.
ومن المهم جداً التوضيح أن هذه الشركات الـ 103 التي تم التعامل معها عبر فروع “بنك مصر” في الإمارات، من الممكن ألا تكون قد خضعت للعقوبات أو بعض المحاذير في ذلك التوقيت تحديداً، بل ربما في فترات سابقة أو لاحقاً (مثل بداية عام 2026 في الربع الأول)، وبالتالي فإن هذا لا يجعل “بنك مصر” أو البنوك المصرية تخضع للعقوبات بأثر رجعي أثناء تلك الفترة.

المشهد لم يغلق بعد بين العقوبات الأمريكية والتحركات المصرية والإماراتية لاحتواء تداعياتها. يبقى السيناريو مفتوحاً على أكثر من احتمال، خصوصاً إذا امتدت الضغوط إلى التعاملات المصرفية وثقة الأسواق. فهل تبقى هذه الأزمة محصورة في “بنك مصر” وفروعه الخارجية، أم أنها قد تتحول إلى ضغط أوسع على الاقتصاد المصري وعلاقاته المصرفية مع الخليج؟

تقرير مفرغ من دويتشه فيله (DW)

اترك تعليقا