عصر “السوينج بروديوسر” يتهاوى..السعودية مابين التنازل والانهيار

ضغوط عراقية..وأزمة حصص الإنتاج تعصف بـ"أوبك"

لم تكن التحذيرات السابقة من احتمال حدوث انشقاق داخل “منظمة الدول المصدرة للنفط” (أوبك) مجرد تكهنات أو قراءات نظرية، بل بدت وكأنها استشراف مبكر لزلزال جيوسياسي واقتصادي فرضته تداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة، فمع بدء تنفيذ “الاتفاق الأميركي-الإيراني”، وعودة الملاحة تدريجياً عبر «مضيق هرمز»، لم تعد الدول الأعضاء في “أوبك” مطالبة فقط بالحفاظ على تماسك المنظمة في ظل الأزمات، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد كشف حجم التباينات الاقتصادية بين أعضائها، وأعاد إلى الواجهة الخلافات القديمة بشأن الحصص الإنتاجية.

وفي خضم هذه المتغيرات، تقف “المملكة العربية السعودية”، الحاضنة التاريخية للمنظمة وصاحبة الدور المحوري في ضبط توازنات “سوق النفط العالمية”، أمام واحدة من أكثر المعضلات تعقيداً في تاريخها النفطي.. فبعد “مطالبات إماراتية” بإعادة النظر في حصص الإنتاج، دخل “العراق” على خط الأزمة مطالباً بزيادة حصته لتعويض خسائر الحرب، وهو ما يضع “الرياض” أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما التخلي تدريجياً عن دورها التقليدي كـ”المنتج المرجّح”، أو مواجهة خطر تفكك “أوبك” وانحسار نفوذها العالمي.

 جراح عراقية..من 4.5 مليون إلى 1.5 مليون برميل يومياً

كان العراق من أكثر الدول تضرراً اقتصادياً خلال الحرب الأخيرة، بعدما اضطر إلى تقليص إنتاجه النفطي وإغلاق عدد من حقوله نتيجة التحديات الأمنية وتعطل منافذ التصدير.

تشير بيانات “وزارة النفط العراقية”، إلى جانب تقرير “وكالة الطاقة الدولية” (IEA) الصادر في مايو 2026، إلى أن الإنتاج العراقي تراجع من نحو 4.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى ما يقارب 1.5 مليون برميل يومياً خلال ذروة الأزمة، أي ما يعادل “ثلث مستويات الإنتاج السابقة”، الأمر الذي ألحق خسائر مالية جسيمة بالاقتصاد العراقي.

غير أن التحدي الأكبر لم يكن في انخفاض الإنتاج فحسب، وإنما في محدودية خيارات التصدير، ففي الوقت الذي تمتلك فيه “السعودية” خط أنابيب “شرق-غرب” الرابط بين “حقول المنطقة الشرقية” و”موانئ البحر الأحمر”، كما تمتلك “الإمارات” خط «حبشان-الفجيرة» الذي يتيح تصدير النفط بعيداً عن “مضيق هرمز”، لم يجد “العراق” سوى “خط كركوك-جيهان التركي”، الذي لا تتجاوز طاقته الاستيعابية “250 ألف برميل يومياً”، وهو رقم محدود للغاية مقارنة بالصادرات العراقية الجنوبية التي كانت تتجاوز 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب، ما جعل هذا الخط عاجزاً عن توفير بديل حقيقي خلال الأزمة.

“تأثير الدومينو”..من التهديد الإماراتي إلى الإنذار العراقي

لم يكن التحرك العراقي معزولاً عن السياق العام داخل “أوبك”، بل جاء امتداداً لما بدأته “الإمارات”، التي دفعت بقوة نحو إعادة النظر في نظام الحصص الإنتاجية بما يتناسب مع طاقتها الإنتاجية المتنامية واستثماراتها الضخمة في قطاع النفط.

ومع انتهاء الحرب وبدء تنفيذ «الاتفاق الأميركي-الإيراني»، بدأت العديد من الدول المنتجة تنظر إلى أن مرحلة “الطوارئ” قد انتهت، وأن الوقت قد حان لتعويض الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها خلال الأشهر الماضية.

ورغم نفي “بغداد” رسمياً وجود نية للانسحاب من منظمة “أوبك”، فإن تمسكها المطلق بزيادة حصتها الإنتاجية يُقرأ داخل أوساط الطاقة بوصفه رسالة ضغط واضحة، مفادها أن “العراق” لم يعد قادراً على الالتزام بحصص لا تعكس قدرته الإنتاجية ولا تعوض خسائره، وأنه يحتاج إلى العودة سريعاً إلى مستويات التصدير التي سبقت الحرب.

المعضلة السعودية..”التحكم في الأسعار” أم “بقاء المنظمة”؟

تقف “المملكة العربية السعودية” اليوم أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق يمس جوهر دورها التاريخي داخل منظمة “أوبك”، فعلى مدار عقود، لعبت “الرياض” دور “المنتج المرجّح” (Swing Producer)، الذي يوازن أسواق النفط العالمية عبر زيادة الإنتاج أو خفضه بما يحافظ على استقرار الأسعار ويمنع حدوث تقلبات حادة.

إلا أن هذا الدور يواجه اليوم اختباراً وجودياً يتمثل في خيارين رئيسيين:

«الخيار الأول: التنازل عن جزء من السيطرة»

إذا استجابت “السعودية” لمطالب “العراق” و”الإمارات” وغيرها من الدول، ومنحتها زيادات في حصص الإنتاج، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع المعروض العالمي من النفط، الأمر الذي سيجبر “الرياض” على خفض إنتاجها للحفاظ على الأسعار عند المستويات التي تحتاجها لتمويل مشاريع رؤية 2030، وهو ما يعني تراجع حصتها السوقية وتقلص قدرتها التقليدية على إدارة السوق.

«الخيار الثاني: المخاطرة بمستقبل “أوبك”»

أما إذا تمسكت “السعودية” بنظام الحصص الحالي ورفضت زيادة الإنتاج للدول الأخرى، فقد يدفع ذلك بعض الأعضاء إلى تجاوز حصصهم أو حتى الانسحاب من المنظمة، وهو سيناريو قد يحول “أوبك+” إلى منظمة محدودة التأثير، ويفقدها قدرتها التاريخية على توجيه أسواق النفط العالمية.

نهاية “السياسات النفطية الخليجية الموحدة”

يرى العديد من المحللين أن الحرب الأخيرة شكّلت نقطة تحول مفصلية في طبيعة العلاقات النفطية داخل الخليج، بعدما أثبتت أن كل دولة باتت تمنح الأولوية القصوى لأمنها الاقتصادي ومصالحها الوطنية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الالتزام الجماعي داخل المنظمة.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان “أزمة منتصف ثمانينيات القرن الماضي” (1985-1986)، حين ضاقت السعودية ذرعاً بتجاوز بعض الدول لحصصها الإنتاجية، فغيّرت استراتيجيتها النفطية، الأمر الذي أدى آنذاك إلى انهيار الأسعار ودخول السوق في واحدة من أعنف الحروب السعرية.

واليوم، تبدو الظروف مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في نتائجها المحتملة، إذ تدفع الخسائر الاقتصادية الكبيرة، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في عدد من الدول المنتجة، كل دولة إلى تبني سياسة نفطية أكثر استقلالية، يكون هدفها الأول تعويض الخسائر وتعزيز الإيرادات، بعيداً عن القيود الإنتاجية التي تفرضها المنظمة.

سيناريوهات ما بعد “أوبك”

في ضوء هذه التطورات، هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد ترسم مستقبل سوق الطاقة خلال النصف الثاني من عام 2026.

«السيناريو الأول: “التفكك المنضبط” (الأكثر ترجيحاً)»

أن توافق “السعودية” على زيادة تدريجية في حصص “العراق” و”الإمارات” وعدد من الدول الأخرى، مع قبولها بتراجع دورها التقليدي في التحكم المنفرد بالأسعار، لتتحول “أوبك” تدريجياً من “كارتل” أو تكتل يتحكم بالسوق، إلى منتدى للتنسيق والتشاور بين المنتجين.

«السيناريو الثاني: “الحرب السعرية المحدودة”»

إذا قرر “العراق” أو غيره تجاوز حصص الإنتاج بصورة أحادية، فقد تلجأ “السعودية” إلى زيادة إنتاجها بشكل كبير لحماية حصتها السوقية، في حرب أسعار جديدة تراهن فيها “الرياض” على قدرتها المالية على الصمود لفترة أطول من منافسيها.

«السيناريو الثالث: “التحالفات الثنائية”»

وهو سيناريو يقوم على تراجع الدور المركزي لـ”أوبك”، مقابل اتجاه كبار المنتجين، مثل “السعودية” و”الإمارات” و”العراق” و”روسيا”، إلى إبرام اتفاقيات ثنائية مباشرة مع كبار المستوردين، وفي مقدمتهم “الصين” و”الهند” و”أوروبا”، بعيداً عن نظام الحصص الجماعي.

الحرب تعيد صياغة المعادلة

تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تترك آثارها على البنية التحتية وأسواق الطاقة فحسب، بل أعادت أيضاً تشكيل موازين القوى داخل منظمة “أوبك”، فـ”العراق”، المثقل بخسائره الاقتصادية والمقيّد بجغرافيته، لم يعد يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة، فيما تجد “السعودية” نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على استقرار الأسعار وصون وحدة المنظمة.

وبغض النظر عن المسار الذي ستتخذه الأحداث، فإن المؤكد أن سوق النفط العالمية تقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتراجع فيها قدرة “المنتج المرجّح” على إدارة السوق منفرداً، مقابل صعود اعتبارات المصالح الوطنية للدول المنتجة، بما قد يعيد رسم خريطة النفوذ في صناعة النفط العالمية خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقا