عباس في باريس يبحث إدارة غزة

وسط انقسام المواقف الفلسطينية

في باريس الهادئة، وبين جدران قصر الإليزيه العريقة، جلس الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى جانب نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. اللقاء لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما كان سياسيًا بامتياز، جاء في وقت يتصاعد فيه الحديث عن “اليوم التالي للحرب على غزة”، وعن مستقبل القطاع ومن سيتولى إدارته بعد كل هذا الدمار.

عباس الذي بدا واثقًا من طرحه، تحدّث بلغةٍ تجمع بين السياسة والشرعية. قال لماكرون بوضوح: “نحن مستعدون لتولي إدارة غزة، بما في ذلك المعابر، وإعادة توحيد مؤسسات الدولة الفلسطينية تحت مظلة السلطة الشرعية”. ماكرون بدوره رحّب بالفكرة،

معتبرًا أن “السلطة الوطنية الفلسطينية هي الطرف الشرعي الوحيد القادر على إدارة غزة بعد الحرب”.

لكن خلف التصريحات الدبلوماسية، كانت الملفات أكثر تعقيدًا. فبينما يروّج عباس لدور السلطة في غزة، يتحرك الوسطاء العرب والغربيون في مسارات متشابكة، بعضها لا يلتقي مع رؤية رام الله. وهنا تحديدًا، تتجلى العبارة التي تتردد اليوم في أوساط المراقبين: “عباس في وادٍ، والوسطاء في وادٍ آخر.”

زيارة تبحث عن شرعية جديدة

زيارة عباس إلى فرنسا، وهي الأولى منذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزة، تأتي ضمن جولة أوروبية هدفها استعادة حضور السلطة في المشهد الدولي.

منذ أسابيع، تتحدث الدبلوماسية الفلسطينية عن “خطة شاملة” لإدارة غزة، تشارك فيها السلطة الفلسطينية إلى جانب قوة استقرار دولية بإشراف الأمم المتحدة.

لكن هذه الخطة تواجه انتقادات فلسطينية داخلية حادة. فالكثيرون يرون أن عباس يسعى إلى شرعنة عودة السلطة إلى غزة دون توافق وطني، ودون مصالحة حقيقية مع حركة حماس. “إنها محاولة لتسليم غزة للأمن الدولي، مقابل رفع عبء المقاومة عن إسرائيل”، يقول محلل سياسي في رام الله.

في المقابل، يؤكد مقربون من عباس أن الرئيس لا يسعى إلى إقصاء أحد، بل إلى “إعادة الشرعية الفلسطينية إلى غزة، ومنع تقسيم الوطن إلى كانتونات متنازعة”. ويرون أن إشراك قوات دولية هو ضمانة لعدم تكرار سيناريو الحرب أو الفوضى المسلحة.

ماكرون بين الوساطة والطموح الأوروبي

من جانبه، يطمح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لعب دور “الوسيط الأوروبي النشط” في الملف الفلسطيني. فهو يرى أن أوروبا غابت طويلًا عن الساحة، وأن الوقت قد حان لتقديم مبادرة تستند إلى “حل الدولتين” وإعادة بناء مؤسسات الحكم الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.

مصادر فرنسية كشفت أن ماكرون عرض على عباس “خطة دعم فني وأمني” لتأهيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بالتنسيق مع مصر والأردن، تمهيدًا لعودتها إلى غزة.

هذه الخطة تتقاطع مع مشروع أمريكي أوسع، يجري بحثه في أروقة واشنطن وتل أبيب، حول تشكيل “قوة استقرار إقليمية” تضم عناصر فلسطينية مدرّبة بإشراف دولي.

لكن ماكرون يدرك أيضًا أن العقبة الكبرى ليست فنية بل سياسية. فحماس، التي ما زالت تملك القوة العسكرية على الأرض، لن تسلّم مفاتيح غزة بسهولة. وبين موقف السلطة وموقف الحركة، تقف فرنسا في المنتصف، محاولةً الجمع بين الواقعية السياسية والحلم الأوروبي القديم بالسلام.

سلاح المقاومة… العقدة الأصعب

من بين كل ما نوقش في باريس، يبقى ملف “سلاح المقاومة” هو الأكثر حساسية. عباس، بحسب مصادر قريبة من الوفد الفلسطيني، أبلغ ماكرون أنه “لا يمكن بناء دولة فلسطينية وسلاحها منقسم بين الفصائل”. لذلك، فهو يدعو إلى تسليم سلاح الفصائل للأجهزة الأمنية الشرعية، في إطار عملية دمج تدريجية ومنظمة.

لكن هذا الموقف يثير موجة رفض واسعة داخل الأوساط الفلسطينية. فبالنسبة لحركات المقاومة، السلاح ليس مجرد أداة قتال، بل رمز لحقٍّ مشروع في الدفاع عن النفس.

أحد قادة الفصائل في غزة قال في تصريحٍ لوسائل الإعلام: “من يتحدث عن تسليم السلاح لا يعيش معنا هنا، ولا يعرف ماذا يعني أن تكون بلا حماية تحت القصف.”

وتتفق غالبية التحليلات على أن مطلب نزع السلاح هو أقرب إلى شرطٍ إسرائيلي وأمريكي، تتبناه السلطة كمدخلٍ لاستعادة غزة، بينما تعتبره حماس مساسًا بجوهر المقاومة.

الوسطاء العرب… حسابات مختلفة

في المقابل، يتحرك الوسطاء العرب – خصوصًا مصر وقطر والأردن – في مسارات متوازية مع الجهد الفرنسي. القاهرة، على سبيل المثال، تركز على “وقف إطلاق النار وضمان أمن الحدود”، بينما تسعى قطر إلى “مصالحة فلسطينية شاملة تضمن تمثيلًا وطنيًا موحدًا في غزة”.

مصادر عربية تحدثت عن “تباين في الأولويات” بين السلطة وهذه الدول. فبينما يتحدث عباس عن دور مركزي للسلطة في غزة، يرى الوسطاء العرب أن إعادة الإعمار والإغاثة يجب أن تسبق أي ترتيبات سياسية. يقول دبلوماسي عربي للصحافة: “عباس يريد مفاتيح غزة، لكن الواقع يحتاج أولًا إلى رفع الأنقاض وإغاثة الناس.”

ومع ذلك، لم تغب التنسيقات الأمنية عن المشهد. فقد أكدت تقارير أن مصر تُدرّب مجموعات من قوات الأمن الفلسطينية في منشآت خاصة بسيناء، تمهيدًا لاحتمال دخولها إلى غزة ضمن قوة مشتركة إذا تم التوصل إلى اتفاق دولي.

شارع فلسطيني متعب وممزق

على الأرض، يعيش الفلسطينيون بين ضفتين من الإحباط. في غزة، الناس مرهقون من الحرب، ومن غياب أفق واضح لما بعد الدمار. وفي الضفة، يتزايد شعور عام بأن السلطة فقدت قدرتها على تمثيل كل الفلسطينيين.

يقول أحد سكان غزة في حديثٍ لمراسل قناة عربية: “نحن لا نريد لا حماس ولا فتح ولا ماكرون، نريد فقط أن نعيش بكرامة وأن نعيد بناء بيوتنا.”

هذه الكلمات تختصر مأزق السياسة الفلسطينية اليوم: غياب الثقة، وتآكل الأمل، وارتباك القيادة.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه عباس من باريس عن إعادة توحيد الوطن، يعيش الشارع الفلسطيني انقسامًا حقيقيًا في الموقف والوجدان. البعض يرى في مبادرته “نافذة نحو الشرعية الدولية”، فيما يراها آخرون “رهانًا خاسرًا على رضا الغرب”.

بين باريس وغزة… المسافة تتّسع

لم تكن زيارة عباس إلى فرنسا مجرد محطة دبلوماسية، بل اختبارًا لقدرة السلطة على إعادة تعريف دورها في زمنٍ متغيّر. فالعواصم الغربية تُصغي لعباس باحترام.

لكنها تدرك أن المفاتيح الحقيقية في غزة لا تُحمل في حقيبة دبلوماسية، بل تُصنع على الأرض، بين الركام والدم.

وفي حين يتحدث ماكرون عن “قوة استقرار دولية”، فإن كثيرين في غزة يخشون أن تتحول هذه القوة إلى وصاية أجنبية جديدة. وبين الوعود والمخاوف، يبقى المستقبل غامضًا، معلقًا بين خرائط السياسة وموازين القوة.

ردود الفعل الإسرائيلية والدولية

من الجانب الإسرائيلي، جاء الموقف متحفّظًا. فقد نقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية قولهم إن “عودة السلطة إلى غزة ممكنة فقط إذا تم تفكيك البنية العسكرية لحماس بالكامل.” بمعنى آخر، أي دور للسلطة سيكون مشروطًا بنزع السلاح، وهو ما يتقاطع مع مطلب عباس نفسه، لكن لأسباب مختلفة تمامًا.

أما في واشنطن، فالموقف الأمريكي ما زال غامضًا. فإدارة بايدن تفضل أن تظل ترتيبات ما بعد الحرب “تحت إشراف دولي”، دون أن تُمنح السلطة تفويضًا مطلقًا. ومع ذلك، يظل الدعم الأوروبي لخطّة عباس عنصرًا أساسيًا في استمرار تحركه الخارجي.

ما بعد باريس… إلى أين؟

يغادر محمود عباس باريس محمّلًا ببيان دعم سياسي من ماكرون، لكنه يدرك أن طريق العودة إلى غزة أطول من كل بيانات الدعم.

فالسلطة التي غابت عن القطاع منذ أكثر من 18 عامًا تحتاج إلى أكثر من خطاب دبلوماسي لاستعادته. تحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية، وثقة من الشارع، وضمانات من المجتمع الدولي، قبل أن تخطو أولى خطواتها نحو الجنوب.

في الأثناء، سيواصل الوسطاء العرب والأوروبيون البحث عن صيغةٍ توازن بين الأمن والسيادة، بين إعادة الإعمار والسياسة، وبين ما تريده إسرائيل وما يمكن للفلسطينيين قبوله.

وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى السؤال معلقًا كما بدأ:

هل يمكن أن تتلاقى وديان السياسة يومًا؟ أم أن عباس سيبقى في وادٍ، والوسطاء في وادٍ آخر؟