ضريبة الذين يفكّرون خارج الصندوق
د. محمد عياش الكبيسي يكتب
- dr-naga
- 28 نوفمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- جريدة الأمة الإلكترونية, خارج الصندوق, خطيب الشباب, د. محمد عياش الكبيسي يكتب
عُرف الشيخ صبحي الهيتي في بدايات ظهوره وانتشار كلمته بأنه خطيب الشباب، حيث كان يتناول في خطبه ودروسه قضايا الشباب المعاصرة، وكان كثيرا ما يستشهد بمقولات العلم الحديث في مختلف المجالات حتى سمعت أحدهم يقول: حضرت خطبة للشيخ صبحي فكأنه كان يشرح لنا فصلا من (كتاب العلوم)، وهو بالفعل كان مثقفا واسع الاطلاع.
وكان اهتمامه هذا فرع اهتمامه بالدعوة وإصلاح المجتمع وتحصين الشباب بشكل خاص من الشبهات التي كانت رائجة وكل الأفكار الهدامة بما فيها الشيوعية والعلمانية.
وكان يلتقط موضوع خطبته من ملحوظاته الشخصية، أكثر من كونها خطبا تقليدية، وعلى سبيل المثال: مرّ مرّة في سوق الخضار في الرمادي، وسمع كل صاحب بضاعة ينادي على بضاعته، فارتقى المنبر وصاح بالشباب: يا شباب الإسلام أما ترون بائع الفجل ماذا يصيح؟ لماذا كل صاحب بضاعة ينادي على بضاعته، إلا أنتم لا تنادون على بضاعتكم؟
إلا أن الشيخ ومع بداية الحرب العراقية الإيرانية والتي تزامنت كذلك مع ضرب الصهاين-ة لمفاعل تموز، بدأ الشيخ بموقف جديد وكأنه صار (خطيب المعركة) أو (مسعّر الحرب)
ومما أذكره من خطبة له، قال: يا سيادة الرئيس بعنا في الأسواق واشترِ بنا مفاعلا نوويا آخر.
لم يستوعب كثير من الشباب هذا التوجّه الجديد للشيخ، فتعرّض بسبب ذلك لحملة من التشويه، وكأنه صار بنظرهم من (علماء السلطان).
ومع هذا فقد كانت قوة خطابه وما تميّز به من فصاحة وبيان وقدرة على تسلسل الأفكار وتنظيمها احتفظت له بمكانة شعبية بين عامة الناس، حتى أطلقوا عليه (خطيب العراق)
ورغم أني كنت من أشد الكارهين لزمرة المطبلين، ووعّاظ السلاطين، إلا أني كنت ألمس غاية عند الشيخ تنزهه أن يكون واحدا من أولئك، وهذه الغاية كانت في الوقت نفسه أبعد بكثير من تصوّرات (الوسط الإسلامي) بمختلف لافتاته، وعلى مستوى المشايخ والشباب أيضا.
وقد عُرف حتى في تلك المرحلة بشدّة عصاميته، ونزاهته، وقد وصلتني في حينها بعض المواقف تجاه بعض المسؤولين الذين ربما ظنوا أنه مثل من يتعاملون معهم من عمائم السوء.
قبل خروجي من العراق قررت أن أزوره في بيته في مدينة هيت، وقد اتخذت لذلك بابا من معارفه القدامى (واسطة) وممن هو في سنّه أو أكبر، لأني خشيت أنه يحسبني على أولئك الذين ناصبوه العداء والشحناء، والحقيقة أني كنت أود أن أسمع منه مباشرة.
الرجل توجّس في البداية، ثم انطلق، فرأيته صاحب قضية وهو جادّ فيما يراه، ومستعد أن يضحّي في سبيل ذلك، وباختصار: أستطيع أن أقول: إنه كان كأنه ينظر إلى ما يحصل اليوم في العراق من تغوّل إيراني وبدعم أمريكي، وكان يرى أنه ليس هناك من قوّة يمكن أن توقف هذا الزحف الأسود غير الجيش العراقي، ومن يذكر خطبه في ذلك الوقت يرى فيها هذه الروح، فهو كان يؤجج روح الاستبسال لدى الجندي العراقي، وطبعا كان هذا لا يمكن أن يكون بمعزل عن الإشادة بقيادة ذلك الجيش.
وبغض النظر عن التفاصيل، ومستوى التعبير عن هذه الرؤية، وما كانت تسمح به الظروف في تلك المرحلة، فإن الشيخ كان يفكّر خارج الصندوق، وقد رأيت أغلب من خالفوه في ذلك الوقت قد غيّروا نظرتهم الآن، ولكن بعد فوات الأوان.
والحقيقة أن هناك ثلة من أهل الفكر الاستثنائي كانوا يحملون هذا التوجه وأذكر منهم على سبيل المثال المحقق القدير بشار عوّاد معروف، وقد اجتمع بنا مرة؛ أنا العبد الفقير والشيخ عبد الجليل الفهداوي وثلة من الخطباء، وقد وثق بنا فقال: لماذا تنظرون إلى العراق على أنه عراق صدام أو عراق البعث، هذا عراق الفاروق، عراق المنصور والرشيد، صدام بشر لا يخلّد، والبعث حزب وسيزول، لكن العراق باق، وهو أمانة في أعناقنا جميعا، وفي أعناق كل الأجيال الآتية إلى قيام الساعة.
رحم الله الشيخ صبحي وتقبّل منه جهده واجتهاده، وهيّأ للعراق من يعيد إليه وجهه الحضاري المشرق ومكانته التي تليق به بين الأمم.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية