ضباط مدانون بلا فصل وظيفي في بريطانيا

لماذا ظلوا في الخدمة؟

في وقت تتزايد فيه المطالبات بتشديد محاسبة أجهزة إنفاذ القانون في بريطانيا، تكشف بيانات جديدة عن فجوة مستمرة بين التعهدات الرسمية والواقع العملي داخل عدد من قوات الشرطة.

أظهرت تقارير حديثة وجود ثغرات قانونية وتحديات إدارية في بريطانيا سمحت لعدد من ضباط الشرطة المدانين بجرائم جنائية أو سوء سلوك جسيم بالبقاء في الخدمة، وهو ما دفع الحكومة لإقرار إصلاحات جذرية لتسهيل عملية فصلهم.
ضباط مدانون بلا فصل وظيفي

كشف تحقيق أجرته صحيفة الإندبندنت أن عشرات من ضباط الشرطة في إنجلترا وويلز احتفظوا بوظائفهم رغم إدانتهم بجرائم جنائية منذ عام 2018. وتستند البيانات إلى طلبات حرية المعلومات قُدمت إلى 27 قوة شرطة من أصل 43، وأظهرت أن ما لا يقل عن 49 ضابطًا واصلوا الخدمة بعد إدانات شملت التحرش، والاعتداء بالضرب، والقيادة الخطرة.

وتأتي هذه المعطيات في أعقاب تحقيق جديد بشأن مقتل سارة إيفرارد، التي اختُطفت أثناء عودتها سيرًا على الأقدام إلى منزلها في لندن عام 2021 بعد أن أوقفها ضابط الشرطة واين كوزينز من شرطة العاصمة مستخدمًا صفته الرسمية، قبل أن يقيّدها ويعتدي عليها ثم يقتلها، حيث خلص التحقيق إلى أن الجريمة لم تكن نتاج فعل فردي معزول، بل كشفت إخفاقًا مؤسسيًا في آليات الرقابة، بعد ثبوت أن توصيات سابقة لتشديد التدقيق الأمني ومتابعة السلوكيات الخطرة داخل الجهاز الشرطي لم تُنفّذ بالكامل.

طبيعة الجرائم والعقوبات

تشمل الحالات التي لم تُفضِ إلى الفصل الوظيفي إدانات بجرائم وُصفت بالخطرة. وفي عدد من الملفات، مُنح الضباط “إنذارًا كتابيًّا نهائيًّا” بدل الإقالة، فيما استقال أحدهم لاحقًا بعد إدانته بالاعتداء الأسري عام 2018.

أرقام وحقائق (2024 – 2025)

*سجلات جنائية لم تمنع الخدمة: حتى نوفمبر 2024، كشفت سجلات شرطة لندن (الميتروبوليتان) أن 243 ضابطاً في الخدمة لديهم سجلات جنائية؛ منهم 148 مداناً بجرائم فعلية و95 تلقوا تحذيرات رسمية (Cautions).

*تزايد الإدانات: في مطلع عام 2024، ارتفع عدد الضباط والموظفين المدانين بجرائم (تشمل العنف والاعتداءات الجنسية) بنسبة 70% مقارنة بالعام السابق.

*ثغرات الفصل: خلال عام 2024، ظل 56 ضابطاً في مناصبهم رغم ثبوت ارتكابهم “سوء سلوك جسيم” (Gross Misconduct)، وذلك لعدم وجود نص قانوني يضمن الفصل التلقائي في تلك الفترة. 

 الجرائم الجنائية المباشرة
  • جرائم العنف والاعتداء: شملت اعتداءات جسدية وتهديدات بالعنف.
  • الجرائم الجنسية: سجلت بعض القضايا إدانات بالاعتداء الجنسي أو سلوكيات جنسية غير لائقة، لكن ثغرات قانونية منعت فصلهم الفوري في ذلك الوقت.
  • جرائم السير والقيادة: وهي الأكثر شيوعاً، وتضمنت القيادة تحت تأثير الكحول (Drink Driving)، القيادة المتهورة، والقيادة دون تأمين.
  • جرائم الأمانة (Dishonesty): تشمل السرقة، الاحتيال، وتزوير التقارير الرسمية.
  • حيازة المخدرات: إدانات بحيازة مواد مخدرة للاستخدام الشخصي. 

الإصلاحات القانونية الجديدة (دخلت حيز التنفيذ في مايو 2025)

لمعالجة هذه الأزمة واستعادة ثقة الجمهور، أقرت الحكومة البريطانية قوانين جديدة تمنح قادة الشرطة صلاحيات أوسع: 

-الفصل التلقائي: يُفصل الضباط الذين يرتكبون سوء سلوك جسيم تلقائياً إلا في حالات استثنائية نادرة.

*شرط التدقيق الأمني (Vetting): أصبح اجتياز التدقيق الأمني شرطاً قانونياً مستمراً؛ وبموجب التعديل، يمكن فصل أي ضابط يفشل في تجاوز هذا التدقيق (مثل اكتشاف ارتباطات إجرامية غير معلنة).

*تسهيل إجراءات الاستقالة: منع الضباط من تجنب المحاسبة عبر الاستقالة أو التقاعد أثناء التحقيق، حيث تستمر الإجراءات لإدراجهم في القائمة السوداء (Barred List) لمنعهم من العمل في أي جهة أمنية مستقبلاً. 

القائمة السوداء (Barred List)
في الفترة بين أبريل 2024 ومارس 2025، تم إدراج 735 ضابطاً في القائمة السوداء الوطنية، بزيادة ملحوظة عن العام السابق الذي سجل 593 ضابطاً، مما يعكس تشدداً أكبر في إجراءات الطرد. 

غضب سياسي وحقوقي

قال وزير شؤون الشرطة في حكومة الظل، توم فيكرز: إن الثقة العامة “تتضرر” عندما يبقى ضباط مدانون في مواقعهم من دون تدقيق صارم. ووصفت المفوضة السابقة لحقوق الضحايا، فيرا بيرد، هذه الوقائع بأنها “صادمة”، معتبرة أن إرسال ضابط مُدان بالعنف الأسري للتعامل مع بلاغات مشابهة يؤدي إلى خطر مباشر على الضحايا.

وأضافت أن بعض هذه القضايا “خطرة بوضوح”، وتقوّض جوهر السلطة التي تُمنح للشرطة.

لماذا ظلوا في الخدمة؟ (الثغرات السابقة)
  1. عدم الفصل التلقائي: لم يكن القانون يفرض الفصل المباشر بمجرد الإدانة الجنائية؛ بل كان الأمر يخضع للجان تأديبية مستقلة قد تقرر أحياناً “التوبيخ” فقط بدلاً من الطرد.
  2. تحديات سحب التدقيق الأمني (Vetting): كسب بعض الضباط قضايا قانونية ضد الشرطة بعد محاولة فصلهم عبر “سحب الصلاحية الأمنية”، حيث اعتبرت المحاكم حينها أن هذا الإجراء غير كافٍ قانونياً للفصل دون محاكمة تأديبية كاملة.
  3. الاستقالة الاستباقية: كان بإمكان الضباط الاستقالة قبل صدور قرار الفصل لتجنب “القائمة السوداء”، وهو ما تم سده الآن عبر استكمال التحقيقات حتى بعد الرحيل. 
ملاحظة: الإصلاحات التي بدأت في 2024 واكتملت تشريعياً في 2025 استهدفت تحديداً جرائم “العنف ضد النساء والفتيات” وجرائم “الأمانة” لجعلها سبباً للفصل الفوري دون استثناءات.

جدل قانوني داخل المؤسسة الشرطية

قال مجلس رؤساء الشرطة الوطني (National Police Chiefs’ Council) إنه لا يعلّق على الحالات الفردية، لكنه أكد أن أي ضابط يُدان يخضع لمراجعة تدقيق جديدة.

غير أن مفوض شرطة العاصمة، مارك رولي، حذّر في شباط/فبراير الماضي من صعوبات قانونية قد تمنع أحيانًا فصل ضباط بعد الطعن في قرارات سحب التدقيق الأمني.

ومنذ أيار/مايو الماضي، دخلت لوائح جديدة حيّز التنفيذ تجعل اجتياز التدقيق شرطًا قانونيًّا للاستمرار في الخدمة، مع فصل تلقائي لمن يخفق فيه. كما تؤكد إرشادات كلية الشرطة أن خرق القانون ممن يفرضه يُعد أمرًا غير مقبول.

مخالفات أخرى وأرقام دالّة

إلى جانب الجرائم الخطرة، أظهرت البيانات أن ضباطًا تجنّبوا الفصل رغم إدانات بمخالفات أخرى، شملت التهديد بالعنف، ومخالفة لوائح الحماية الصحية، والإضرار بالممتلكات. كما سُجّلت مخالفات مرورية، من بينها السرعة الزائدة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، وعدم وجود تأمين سارٍ. ويُذكر أن 44 من أصل 49 ضابطًا مدانين هم من الرجال.

المصدر: الإندبندنت ومواقع اليكترونية آخري