مهاجرون يروون العذاب في مراكز احتجاز ليبية
في ظل تزايد حوادث الغرق
تسلط الاحتجاجات الأخيرة في روما الضوء على تصاعد الغضب الشعبي والحقوقي من تجديد اتفاقية الهجرة بين إيطاليا وليبيا، التي تعتبرها منظمات إنسانية سببًا مباشرًا في معاناة المهاجرين والانتهاكات الجسيمة بحقهم.
تأتي هذه التحركات في ظل تزايد حوادث الغرق وإطلاق النار على قوارب اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط، حيث يُتهم خفر السواحل الليبي بممارسات قمعية. تكشف الشهادات المباشرة من مهاجرين نجوا من مراكز الاحتجاز الليبية عن ظروف لا إنسانية وتعذيب واغتصاب.
ومع تجاوز عدد ضحايا المعبر البحري الألف هذا العام، تُطرح تساؤلات حول مسؤولية إيطاليا والاتحاد الأوروبي في تمويل سياسات تُفضي إلى الموت والمعاناة بدلًا من الحماية واللجوء الآمن.
حيث احتج المهاجرون ونشطاء حقوق الإنسان في روما اليوم السبت على اتفاقية المهاجرين الإيطالية مع ليبيا، بعد يوم من مخاوف من وفاة حوالي 20 شخصًا في أحدث حادث غرق قارب في البحر الأبيض المتوسط.
وبموجب اتفاقية مثيرة للجدل عام 2017 تم تجديدها في ظل حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني اليمينية المتشددة، تمول إيطاليا وتدرب خفر السواحل الليبي.
في عام 2017، وقّعت إيطاليا اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، بهدف الحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.
بموجب هذه الاتفاقية، تموّل إيطاليا وتدرب خفر السواحل الليبي لاعتراض القوارب في البحر، وإعادة المهاجرين إلى ليبيا، بدلاً من السماح بوصولهم إلى السواحل الأوروبية.
تسببت الاتفاقية في جدل واسع، إذ تتهمها منظمات حقوقية بأنها تؤدي فعليًا إلى إعادة المهاجرين إلى ظروف غير إنسانية، حيث يُحتجزون في مراكز وصفتها الأمم المتحدة بأنها “أماكن للتعذيب والانتهاكات”.
رغم الانتقادات، تم تجديد الاتفاقية عدة مرات، وآخرها في ظل حكومة رئيسة الوزراء اليمينية جورجيا ميلوني، التي تدافع عنها كوسيلة “لمكافحة الهجرة غير الشرعية”. ومن المقرر أن يُعاد تجديدها الشهر المقبل ما لم يتم إلغاؤها أو تعديلها.
فمن المتوقع أن تساعد ليبيا في وقف مغادرة المهاجرين إلى إيطاليا أو إعادة أولئك الذين كانوا في البحر بالفعل إلى ليبيا. ومن المقرر تجديد هذه الاتفاقية الشهر المقبل.
وخلال الاحتجاج، روى العشرات من المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ما عانوه في ليبيا، وتم الوقوف دقيقة صمت حدادًا على أولئك الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط.
وحضر المئات من الأشخاص الحدث، بمن فيهم الناشطة ساريتا فراتيني.
وقالت فراتيني لوكالة فرانس برس: “في وسط البحر الأبيض المتوسط، يوجد خط يسمى خط الموت”.
“في المنطقة الليبية، يتم القبض عليك. وفي الشمال، تموت لأنه لا يوجد أحد هناك”.
يساعد فراتيني المهاجرين على مقاضاة إيطاليا بعد احتجازهم في البحر الأبيض المتوسط من قبل ليبيا وإعادتهم إلى مراكز الاحتجاز هناك.
وقد ندد نشطاء حقوقيون ومعتقلون سابقون بهذه المراكز بسبب الانتهاكات والتعذيب وجرائم أخرى.
عذاب كامل
قالت إيرين ديا، 46 عامًا، من ساحل العاج، لوكالة فرانس برس إنها حاولت الوصول إلى أوروبا ثلاث مرات بالقارب، حيث مات 12 شخصًا في البحر الأبيض المتوسط في محاولتها الأولى.
بعد أن صدت القوات الليبية قاربها، أمضت ستة أشهر في مركز احتجاز الزاوية سيئ السمعة غرب طرابلس.
قالت: “رأيت نساء يتعرضن للاغتصاب بأم عيني” هناك. “أنت لا تأكل . كان الأمر بمثابة عذاب شديد”.
أفادت المنظمات غير الحكومية بتزايد حوادث إطلاق خفر السواحل الليبي النار على قوارب تقل مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط في الأشهر الأخيرة. في
الأسبوع الماضي، أفادت جمعية Alarm Phone الخيرية، التي تدير خطًا ساخنًا للمهاجرين العالقين في البحر الأبيض المتوسط، عن إطلاق نار مميت على قارب قالت إنه كان يحمل 113 مهاجرًا جنوب شرق مالطا.
كما قال خفر السواحل الإيطالي إن المهاجرين الذين أنقذهم لاحقًا قالوا إنهم تعرضوا لإطلاق نار.
إذا لم تتم إعادة القوارب إلى ليبيا، فلا يزال يتعين على المهاجرين البقاء على قيد الحياة في رحلة عبر البحر الأبيض المتوسط.
وقد أودى هذا المعبر بحياة أكثر من 1000 شخص حتى الآن هذا العام، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة.
انتقادات لعملية الإنقاذ
أعلن خفر السواحل الإيطالي يوم الجمعة أنه يبحث عن ناجين من غرق سفينة تقل نحو 30 شخصًا في منطقة بحث وإنقاذ بمالطا، على بُعد حوالي 50 ميلًا جنوب شرق لامبيدوزا.
وأضاف أن خفر السواحل أنقذ سبعة أشخاص، بينما انتشلت سفينة تجارية قريبة أربعة آخرين. كما
تم انتشال جثة واحدة، بمشاركة سفن دورية إيطالية ومالطية وطائرات إيطالية في البحث.
وصرح نيكولا ديل أرسيبريت، المنسق الإيطالي لليونيسف، لوكالة أنباء AGI، بأن امرأة حاملًا لقيت حتفها، وأن “عدة أطفال في عداد المفقودين”.
وقال إن أربعة أطفال كانوا يسافرون بمفردهم من بين الناجين، الذين أبلغوا السلطات أن القارب الصغير المصنوع من الألياف الزجاجية غادر مدينة الخمس في ليبيا قبل أن ينقلب بعد يومين في البحر.
وانتقدت منظمة “سي ووتش إنترناشونال”، التي تدير قوارب إنقاذ المهاجرين، عملية الإنقاذ.
وقالت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت: “علمت إيطاليا ومالطا بالقارب منذ ظهر أمس، بفضل هاتف الإنذار، لكنهما لم ترسلا المساعدة إلا بعد فوات الأوان”.
كما ذكرت منظمة “ألارم فون” أنها أبلغت السلطات عن القارب الذي كان يحمل نحو 35 شخصًا، لكنهم “لم يتحركوا”.
وكتبت المنظمة على مواقع التواصل الاجتماعي: “انقلب القارب، ونخشى أن يكون هناك نحو 20 حالة وفاة. لا يسعنا التعبير عن غضبنا إزاء ترك مجموعة أخرى لتموت عمدًا.
المهاجرون:
شارك عشرات المهاجرين في الاحتجاج، قادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث سردوا تجاربهم القاسية في ليبيا، من الاحتجاز والتعذيب إلى مشاهد الاغتصاب والموت. وصفوا الاتفاق بين إيطاليا وليبيا بأنه سبب مباشر في معاناتهم، ووقفوا دقيقة صمت حدادًا على من قضوا أثناء محاولة عبور البحر.
الناشطون الحقوقيون:
انتقد النشطاء الاتفاقية بشدة، مؤكدين أن إيطاليا شريكة في الانتهاكات التي تحدث داخل مراكز الاحتجاز الليبية. قالت الناشطة ساريتا فراتيني إن البحر المتوسط أصبح “خط الموت”، مشيرة إلى غياب أي إنقاذ حقيقي سواء في الجنوب الليبي أو في الشمال الأوروبي.
المنظمات الإنسانية:
أدانت منظمات مثل “سي ووتش” و”ألارم فون” تقاعس السلطات الإيطالية والمالطية عن التدخل في الوقت المناسب لإنقاذ القوارب. وذكرت أن السلطات كانت على علم بوجود القارب المنكوب، لكنها تأخرت عمدًا حتى فوات الأوان.
الجهات الرسمية:
لم يصدر تعليق مباشر من الحكومة الإيطالية على الانتقادات، لكن خفر السواحل أعلن عن عمليات بحث وإنقاذ جارية، وأكد إنقاذ بعض الناجين، بينهم أطفال كانوا يسافرون بمفردهم، وانتشال جثث من موقع الحادث الأخير.
رد فعل دولي محدود:
رغم فداحة الأوضاع، لا تزال ردود الفعل الدولية محدودة، وسط استمرار الدعم الأوروبي لسياسات تمنع وصول المهاجرين إلى شواطئه، ما يثير تساؤلات أخلاقية حول شرعية هذه الاتفاقيات وأثرها على حقوق الإنسان.