صناعة الوعي «حاجتنا إلى ضبط البوصلة»

د محمد عياش الكبيسي

أي شعب في هذا الكوكب تحتل أرضه، وتسلب ثرواته، فإن بوصلته ستتجه تحديدا إلى هذا المحتل، وستتشكل قضيته الأساس من خلال هذه البوصلة.

هكذا تشكلت ثورة الجزائريين ضد المحتل الفرنسي، وثورة الليبيين ضد المحتل الإيطالي وثورة الفلسطينيين ضد الكيان اللقيط، وثورة السوريين ضد نظام الأسد وجنرالات الحرس الثوري، وبكل تأكيد فالعراق ليس استثناء فلقد ثار على الاحتلال البريطاني، ثم الاحتلال الأمريكي الأخير.

اليوم يعاني كثير من العراقيين من فقدان البوصلة، حيث تمكنت إيران من احتلال العراق بالتنسيق مع المحتل الأمريكي، ولا زالت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة فيه، وعمدت على تدمير إمكانياته الاقتصادية ومؤسساته العلمية، ونشر كل أسباب التخلف والتفرّق والضياع.

وهذا يقتضي أن يتحمل قادة الرأي في المجتمع العراقي مسؤوليتهم في توعية الناس بحقيقة ما يراد بهم وببلدهم، وإلا فإن العراق سيضيع بكل تاريخه وحضاراته وإمكانياته.

تخيل أن شعبا حباه الله بكنوز الثروات فوق الأرض وتحت الأرض، ولكنه يعيش حالة مزرية من الفقر وتهديم البنى التحتيّة، والعصابات المتحكمة فيه تتبجح علنا؛ (كلنا حرامية) ومع هذا ترى من يشغل نفسه من هؤلاء المساكين بانتقاد الدول التي تنعم بالاستقرار والرفاهية! وربما بسبها وشتمها! والغريب أنه بهذا يتماهى مع الجهة التي تحتل بلده وتتحكم بمصيره!

تخيّل أيضا أن مجتمعا يقبع عشرات الآلاف من أبنائه في المعتقلات الرهيبة، والذين تقدم وجبات منهم كل شهر إلى مقصلة الإعدام، فإذا ارتفع صوت لاستنكار هذه الجرائم يأتيك الرد ربما من بعض أقرباء هؤلاء الضحايا؛ بأنه علينا أن نكون (موضوعيين) و (متوازنين)، كيف؟ لماذا لا تنتقدون الدول الأخرى التي فيها اعتقالات أيضا؟ يعني هو فوق المصيبة التي هو غارق فيها يريد أن يفتح عليه عداوات مع كل دول المنطقة وشعوبها وربما كل دول العالم، وقد نبهت إلى هذا (الجنون) بمقالة سابقة (لا تلفوا الحبال على أعناقكم).

من المحزن هنا أن ترى العراقي المذبوح، من الممكن أن يتكلم في أية قضية عدا قضيته، وأنا أقصد هذه الفئات المغيّبة والمضللة، والتي تخضع في الغالب إلى تثقيف مشبوه، وتوعية منكوسة.

أذكر قبل سنوات حضرت تجمعا كبيرا من أهل العلم والفكر، فتكلم كل أهل بلد بقضيتهم، وكاد أن ينفضّ اللقاء دون ذكر اسم العراق! فقال أحد العلماء المصريين -جزاه الله خيرا-: يا جماعة كأننا نسينا شيئا اسمه العراق، فرد عليه كبير العلماء (المحسوب على العراق والعراقيين): مشكلة العراق مشكلة طويلة ومعقدة، ولا ينبغي الخوض فيها.

سألني أحد الشباب العراقيين بحرقة؛ لماذا خطباء المساجد في كل العالم الإسلامي يدعون بالرحمة لكل الشهداء إلا شهداءنا، ويدعون بالتفريج عن الأسرى والمعتقلين إلا أسرانا ومعتقلينا؟ قلت وهل يعلم بشهدائكم وأسراكم أحد؟ وهل ترى أن منشورا هنا، ومقالة هناك يمكن أن تؤسّس لوعي عام بحقيقة مأساتكم؟

إن النموذج الأمثل لضبط البوصلة الصحيحة هو تجربة إخواننا السوريين، فقد حدّدوا هدفهم بدقّة، واستجمعوا طاقاتهم نحوه، ولم ينشغلوا بأية مشكلة خارجية إلا بالقدر الذي يخدم قضيتهم.

ليس معنى هذا أننا نفقد شعورنا كأمة، لا، بل إن تحرر أي شعب من شعوب أمتنا سيكون رافعة للأمة كلها، والذي لا يستطيع أن يعتق رقبته كيف يطلب منه أن يفك القيد عن رقاب الآخرين. نعم باستطاعته أن يصفق لأي قضية لا تتعارض مع سياسة جلاديه، لكنه تصفيق لا ينفع تلك القضايا بحال، بينما يستفيد منها المجرمون في تأكيد أن البلاد لا تعاني من شيء، وأن حرية التعبير وحتى المظاهرات مكفولة للجميع!

أكرر هنا أن السوريين رغم معاناتهم الطويلة والضخمة (أكثر من مليون شهيد، وأكثر من عشرة ملايين مشرد، وبلد مهدم بالكامل) ورغم تقصير العرب والمسلمين تجاههم، إلا أني لم أسمع منهم من يسب أو يشتم عربيا أو مسلما إلا من يرتبط بالمليشيات الإجرامية ويدافع عنها. وهذا يكفي لبيان معنى ضبط البوصلة التي تحتاجه شعوبنا المنكوبة خاصة في العراق واليمن ولبنان.

ربما تكون الفرصة سانحة الآن لتحقيق قدر من الانفراج، في ظل التدافع الذي يعصف بمنطقتنا، لكن هذه الفرصة لمن يمتلك قضية ورؤية، ويعرف ماذا يريد.

د محمد عياش الكبيسي – استاذ شريعة