صعود القومية الإقصائية يهدد نسيج الديمقراطيات الحديثة
مرض المناعة الذاتية السياسي
- dr-naga
- 6 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الديمقراطيات الحديثة, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, صعود القومية الإقصائية, مرض المناعة الذاتية
الرائد: في وقت تشهد فيه العديد من الديمقراطيات الغربية والشرق أوسطية موجة متصاعدة من الخطابات الشعبوية والقومية الإقصائية، حذّر باحثون ومحللون سياسيون من أن هذه الحركات لا تقدم نفسها بوصفها مشروع تدمير، بل بثوب “الحماية” و”استعادة المجد الوطني”، بينما تقود في الحقيقة إلى ما يشبه “مرض المناعة الذاتية” الذي يهدد بانهيار النسيج الاجتماعي للدول الحديثة.
الاستعارة البيولوجية: حين يتحول الدفاع إلى مرض
تستند التحليلات الحديثة إلى استعارة بيولوجية عميقة، حيث يشبّه الباحثون في علم السياسة القومية الإقصائية بـ”مرض المناعة الذاتية”، وهو الحالة التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم نفسه بدلاً من حمايتها. وكما يحدث في أمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو اضطرابات الغدة الدرقية، تتحول آلية الدفاع إلى المرض ذاته.
وفي هذا السياق، يوضح البروفيسور كاس مودي، أحد أبرز خبراء الشعبوية في العالم وأستاذ العلوم السياسية في جامعة فيينا، أن “الحركات الشعبوية لا تبيع الخوف فحسب، بل تبيع تشخيصاً مبسطاً لمرض معقد، حيث تقدم المهاجر أو الأقلية أو المؤسسة الأكاديمية كبش فداء لمشاكل هيكلية تتعلق بالعولمة والتحول الاقتصادي”. ويضيف مودي، مؤلف كتاب “عصر الشعبوية”، أن “القاسم المشترك بين هذه الحركات هو بناء السياسة على الجهل والارتياب العنصري، وتقديم هذا الجهل بوصفه ‘حساً شعبياً سليماً’ في مواجهة الخبراء”.
خلفية تاريخية: من القومية الكلاسيكية إلى الشعبوية المعاصرة
تاريخياً، تعود جذور القومية الإقصائية إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث ظهرت حركات قومية في أوروبا روجت لفكرة “النقاء العرقي” و”الصفاء الثقافي”. وقد أدت هذه الأفكار في نهاية المطاف إلى كارثة الحرب العالمية الثانية والمحرقة. لكن ما نراه اليوم، وفقاً للمحللين، هو نسخة “مستنسخة” من هذه الأفكار، لكنها تغلف نفسها بلغة ديمقراطية زائفة تتحدث عن “السيادة” و”الإرادة الشعبية” و”حماية الحدود”.
ويشير الدكتور روجر إيتويل، أستاذ السياسة المقارنة في جامعة إكستر البريطانية، إلى أن “الفرق الجوهري بين القومية الكلاسيكية والشعبوية المعاصرة هو أن الأخيرة لا ترفض الديمقراطية شكلاً، بل تعيد تعريفها بطريقة تستبعد من لا ينتمون إلى ‘القبيلة المتخيلة'”. ويضيف في دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس أن “الشعبويين يعتبرون أنفسهم الصوت الوحيد الشرعي للشعب، وأن كل معارض لهم هو بالتالي عدو للأمة”.
الحالة الأمريكية: ترامب و’الصدمة السياسية’
في الولايات المتحدة، تجسدت هذه الظاهرة بوضوح في خطاب الرئيس السابق دونالد ترامب وحركته السياسية المعروفة بـ”الترامبية”. فقد وعدت هذه الحركة باستعادة “العظمة الأمريكية” عبر التخلص من “الغرباء” والمهاجرين والتجارة العالمية، محملةً إياهم مسؤولية التراجع الاقتصادي والاجتماعي.
ويلفت ماتا غودوين، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة كوين ماري بلندن، إلى أن “جاذبية ترامب لم تأتِ من برنامجه السياسي بقدر ما جاءت من قدرته على ترجمة غضب جمهور شعر بالتهميش إلى لغة بسيطة ومباشرة”. ويضيف في تقرير لمعهد السياسة الأمريكية أن “الناخب الشعبوي لا يبحث عن حلول معقدة، بل عن صدمة سياسية تؤكد له أن مشاعره صحيحة وأن نخبه خائن”.
لكن المفارقة، وفقاً للمحللين، أن الدولة لا تصبح أقوى حين تُهين الذين يقطفون غذاءها ويعملون في مستشفياتها ويبنون شركاتها. ويشير تقرير صادر عن مركز بيو للأبحاث إلى أن المهاجرين يشكلون نسبة حيوية من القوى العاملة في القطاعات الزراعية والصحية والتكنولوجية الأمريكية، وأن سياسات الإقصاء تضر بالاقتصاد أكثر مما تفيده.
الحالة الأسترالية: بولين هانسون ووهم أحادية الثقافة
في أستراليا، تتجلى الظاهرة في شخصية بولين هانسون وزعيمها حزب “أمة واحدة”، الذي روج طويلاً لخطاب معادٍ للمهاجرين وخاصة المسلمين والآسيويين. وتكرر هانسون مقولاتها حول “خطر التحول الديموغرافي” و”ضرورة العودة لأستراليا البيضاء”.
لكن الواقع الأسترالي، وفقاً للباحثين، يكذّب هذا الخطاب. فالدولة التي تُبنى على التعدد الثقافي منذ سبعينيات القرن الماضي، تعتمد بشكل حيوي على العمالة المهاجرة والطلاب الدوليين. ويشير تقرير لمعهد لوي الدولي، وهو مركز أبحاث أسترالي مرموق، إلى أن “أستراليا أحادية الثقافة ليست رؤية وطنية جادة، بل خيال يريد العمالة المهاجرة والأطباء والمهندسين من دون الاعتراف بأنهم جزء من أعضائه الحيوية”.
ويضيف الدكتور جيمس كوربت، الباحث في جامعة سيدني، أن “زيارة أي مستشفى أو جامعة أو موقع بناء في أستراليا تكفي لرؤية الحقيقة: الذين يُبقون هذا البلد حياً لا يأتون من لون واحد أو أصل واحد”. ويؤكد أن “التعدد الثقافي ليس نقطة ضعف أسترالية، بل هو أساس قوتها الاقتصادية والاجتماعية”.
الحالة الإسرائيلية: الفقاعة التفسيرية والفاشية الخام
أما في إسرائيل، فالقضية أكثر تعقيداً، وفقاً للمحللين. فهناك لا يعمل الخوف كأداة انتخابية عابرة، بل كبيئة سياسية كاملة بُنيت على مدار عقود. ويشير البروفيسور ييشاي فريدمان، من الجامعة العبرية في القدس، إلى أن “المجتمع الإسرائيلي تربى على فكرة الخطر الوجودي الدائم، مما يجعل من السهل على القادة الشعبويين رفع جرعة الخوف وتحويلها إلى تفويض سياسي”.
ويمثل كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وفقاً للنقاد، الصورة الأخطر لهذه الظاهرة. ففي حكومتهما الحالية، اندمجت القومية بالدين والأرض والهرمية الإثنية، حيث يُنظر إلى الوجود الفلسطيني ليس كشريك محتمل في الصراع، بل كـ”تلوث ديموغرافي” يجب عزله أو قمعه.
ويصف البروفيسور موشيه زوكيرمان، مؤرخ إسرائيلي متخصص في الفاشية، هذه الظاهرة بـ”الفاشية الخام”، حيث “لا يتعلق الأمر بإدارة صراع، بل بإعادة تعريف الإنسان الآخر كخلل وخطر يجب محوه سياسياً”. ويضيف في دراسة لمعهد فان لير في القدس أن “إسرائيل تعيش داخل فقاعة تفسيرية كبرى: تهاجم الفلسطينيين، ترفض التعايش، تزدري القانون الدولي، توسع الاستيطان، ثم تسأل بدهشة مسرحية: لماذا يقف العالم ضدنا؟”.
ويتابع زوكيرمان أن “هذه الظاهرة هي مرض مناعة ذاتية سياسية كاملة: الخوف ينتج العدوان، والعدوان ينتج العزلة، والعزلة تُستخدم لإثبات أن الخوف كان مبرراً منذ البداية”.
التناقض الجوهري: البلورة الهشة مقابل النسيج الحي
يرى المحللون أن المأساة الحقيقية في التفكير الشعبوي تكمن في عدم فهمه لطبيعة الدول الحديثة. فالدول الحديثة ليست “بلورات نقية” صلبة ونظيفة لكنها هشة، بل هي “أنسجة حية” تبقى حية لأن مكوناتها المختلفة تعمل معاً.
ويشرح البروفيسور فرانسيس فوكوياما، من جامعة ستانفورد، أن “الانتماء المدني السليم يقول: أنت جزء من هذا البلد حين تساهم في حياته وتحترم إطاره الديمقراطي. أما القومية الإقصائية فتقول: ستبقى موضع شك ما لم تذوب في القبيلة الأصلية المتخيلة”. ويضيف في كتابه “الهوية” أن “الأمة السليمة لا تحتاج إلى أصل واحد أو دين واحد أو لون جلد واحد، بل إلى قيم مدنية جامعة ومؤسسات عادلة”.
التوقعات المستقبلية: الالتهاب الدائم
وفي الختام، يحذر الباحثون من أن القومية الشعبوية تعد بـ”المناعة” لكنها تنتج “الالتهاب”. وحين يصبح الالتهاب دائماً، يتحول الجسد الوطني إلى آلة لتدمير ذاته. ويشير تقرير صادر عن معهد الديمقراطية الدولي إلى أن الدول التي تتبنى سياسات إقصائية تشهد على المدى الطويل تراجعاً اقتصادياً، وعزلة دبلوماسية، وتفككاً اجتماعياً.
ويخلص البروفيسور كاس مودي إلى أن “أقوى الأنظمة ليست الأكثر نقاءً، بل الأكثر قدرة على التكيف. الغابة المطيرة أقوى من الحقل الأحادي، والنسيج الحي أقوى من البلورة الهشة، والديمقراطية متعددة الثقافات، حين تُدار بالعدالة والقيم المدنية المشتركة، أقوى من أي خيال أحادي ثقافي خائف”.
وتبقى السؤال المطروح: هل ستستيقظ الديمقراطيات قبل فوات الأوان، أم ستسمح لـ”مرض المناعة الذاتية السياسي” بأن ينهش أنسجتها من الداخل؟
المصادر:
– كاس مودي (Cas Mudde)، “عصر الشعبوية” (The Populist Radical Right: A Reader)، جامعة فيينا.
– روجر إيتويل (Roger Eatwell) وماتا غودوين (Matthew Goodwin)، “القومية الشعبوية: لماذا تنجح” (National Populism: The Revolt Against Liberal Democracy)، معهد تشاتام هاوس.
– معهد لوي الدولي (Lowy Institute)، تقارير حول التعدد الثقافي والاقتصاد الأسترالي.
– مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، دراسات حول الهجرة والقوى العاملة الأمريكية.
– معهد السياسة الأمريكية (American Policy Institute)، تقارير حول الشعبوية الترامبية.
– معهد فان لير (Van Leer Jerusalem Institute)، دراسات حول الفاشية والقومية الإسرائيلية.
– فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، “الهوية: السعي للاعتبار وسياسة الاستياء” (Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment)، جامعة ستانفورد.
– معهد الديمقراطية الدولي (International Institute for Democracy)، تقارير حول تأثير السياسات الإقصائية على الاستقرار الوطني.
– مقابلات وتقارير صحفية مع بولين هانسون، دونالد ترامب، إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش.
– تحليلات أكاديمية حول “مرض المناعة الذاتية” كاستعارة سياسية في دراسات الحركات الشعبوية المعاصرة.
