صراعات إثيوبيا مع السودن وإريتريا تقود القرن الإفريقي للانفجار
هل تنجح الجهود الدبلوماسية في تطويق أزمات المنطقة ؟
- abdelrahman
- 15 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- اثيوبيا, اخبار جريدة الرائد, اريتريا, البحر الاحمر, السودان, القرن الافريقي
الرائد : تبدو منطقة القرن الأفريقي أمام اختبار جديد لقدرتها على احتواء صراعاتها المتشابكة، في ظل تصاعد التوتر بين إثيوبيا والسودان، وتجدد الخلافات بين أديس أبابا وأسمرا حول الوصول إلى البحر الأحمر، وعودة التوترات في إقليم تيجراي، بالتزامن مع استمرار الأزمات الأمنية والسياسية في الصومال.
ولم تعد هذه الملفات أزمات منفصلة، بل باتت تتقاطع عند الحدود والموانئ والممرات التجارية والتحالفات الإقليمية، بما يرفع مخاطر تحول النزاعات المحلية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الحرب السودانية منذ أبريل 2023، وتراجع الاستقرار في أجزاء من إثيوبيا، واحتدام التنافس على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن. وتذهب تقديرات تحليلية حديثة إلى أن منطقة القرن تدخل الربع الأخير من عام 2026 تحت ضغوط متزامنة، تشمل الحرب السودانية،
السودان وإثيوبيا.. خلافات الحدود
يمثل التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا أحد أخطر مفاتيح الأزمة الإقليمية، ليس فقط بسبب الخلافات الحدودية، وإنما لأن الحرب السودانية فتحت الباب أمام تداخل المصالح الأمنية والسياسية بين البلدين. وتأتي الاتهامات السودانية لإثيوبيا بمحاولة السيطرة على مناطق في الشريط الحدودي، ومنها الشقة والدمازين وفق ما يرد في السؤال، في وقت تتبادل فيه الحكومتان الاتهامات بشأن دعم خصوم كل طرف.
وتشير تقارير صحفية إلى أن الخرطوم اتهمت أديس أبابا بدعم قوات الدعم السريع، بينما نفت الحكومة الإثيوبية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها لا أساس لها، وردت باتهام أطراف داخل الجيش السوداني بالتساهل مع خصوم إثيوبيا، ومن بينهم جبهة تحرير شعب تيجراي. كما تحدثت تقارير عن حشد عسكري قرب الحدود بين البلدين، وهو ما يزيد مخاطر تحول التوتر السياسي إلى احتكاك ميداني.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن السودان لا يملك رفاهية فتح جبهة جديدة. فالجيش السوداني يخوض حربًا ممتدة مع قوات الدعم السريع، وأي مواجهة مع إثيوبيا ستفرض عليه توزيع موارده العسكرية والسياسية على أكثر من اتجاه. أما أديس أبابا، فتواجه تحديات أمنية داخلية في تيجراي وأمهرة وأوروميا، ما يجعل انخراطها في صراع حدودي واسع مخاطرة كبيرة.
لكن الحسابات لا تتعلق بالأمن وحده. فإثيوبيا تنظر إلى حدودها الغربية باعتبارها جزءًا من أمنها القومي، وتخشى أن تتحول الأراضي السودانية إلى مجال لدعم جماعات معادية لها. وفي المقابل، ترى الخرطوم أن أي دعم إثيوبي لأحد أطراف الحرب يمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة السودان وسيادته.
البحر الأحمر.. بين أديس أبابا وأسمرة
ومن المهم القول أن الوصول إلى البحر الأحمر يمثل أحد أهم دوافع السياسة الخارجية الإثيوبية. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا، وتعتمد على الموانئ المجاورة لتأمين جزء كبير من تجارتها الخارجية. ولذلك، لم يعد الحصول على منفذ بحري مجرد ملف اقتصادي، بل تحول إلى قضية استراتيجية مرتبطة بمكانة الدولة وأمنها القومي.
غير أن إريتريا تنظر بحذر شديد إلى المطالب الإثيوبية، خصوصًا عندما تتجاوز الحديث عن ترتيبات تجارية إلى لغة السيادة والحقوق البحرية. وقد زادت المخاوف الإريترية من احتمال سعي أديس أبابا إلى انتزاع نفوذ في موانئ عصب أو مصوع، بينما تخشى إثيوبيا من أن تستغل أسمرا التوترات في تيجراي لإضعاف الحكومة المركزية.
ومن هنا، فإن الخلاف البحري لا ينفصل عن الصراع على النفوذ في شمال إثيوبيا. فكلما تصاعدت التوترات في تيجراي، زادت حساسية العلاقة مع إريتريا، وكلما ارتفعت حدة الخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر، اتسعت مخاوف أسمرا من أن تكون هدفًا محتملًا لضغط سياسي أو عسكري.
ورغم أن الطرفين يدركان تكلفة الحرب، فإن غياب الثقة، وتداخل الحسابات الحدودية والأمنية، قد يدفعهما إلى خطوات تصعيدية لا يرغب أي منهما في الوصول إليها. وهنا يكمن خطر الانفجار: ليس بالضرورة في قرار معلن بالحرب، بل في سلسلة من التحركات العسكرية والاتهامات المتبادلة التي قد يصعب احتواؤها.
.تيجراي.. السلام الهش
لا تزال تداعيات الحرب الإثيوبية في تيجراي، التي انتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، حاضرة بقوة في المشهد الإقليمي. فقد أنهى الاتفاق الحرب واسعة النطاق، لكنه لم يحسم بصورة نهائية قضايا الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع سلاح القوات، وترتيبات الحكم في الإقليم.
ومع تجدد الاشتباكات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي خلال عام 2026، عاد القلق من احتمال انزلاق الإقليم إلى حرب جديدة. وأشارت تقارير حديثة إلى تصاعد التوترات العسكرية والسياسية، بما في ذلك اتهامات متبادلة بالحشد العسكري، في وقت لم تُنفذ فيه جميع بنود اتفاق السلام بصورة كاملة.
وتزداد خطورة هذا الملف لأن تيجراي لا يعيش في فراغ جغرافي. فالإقليم يقع على تماس مع إريتريا، ويتأثر بالصراع على الحدود مع أمهرة، كما أن علاقاته التاريخية مع الخرطوم وأسمرا تجعله جزءًا من شبكة أوسع من الحسابات الإقليمية.
وفي حال اندلاع مواجهة جديدة، لن تكون تداعياتها محصورة داخل إثيوبيا. فقد تجد إريتريا نفسها أمام خيارات صعبة، بينما قد تتأثر الحدود السودانية بحركة النازحين والجماعات المسلحة، وتجد القوى الدولية نفسها مضطرة للتعامل مع أزمة جديدة في منطقة تعاني أصلًا من أزمات إنسانية متراكمة.
إلي الانفجار أم التهدئة؟
رغم خطورة المشهد، فإن اندلاع حرب إقليمية شاملة ليس قدرًا محتومًا. فهناك مصالح مشتركة تدفع الأطراف إلى تجنب المواجهة المباشرة، أبرزها الحاجة إلى استقرار التجارة، وتأمين الموانئ والممرات البحرية، ومنع تدفق اللاجئين، والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة في السودان والصومال.
لكن في المقابل، فإن استمرار الأزمات دون تسويات سياسية يرفع احتمال التصعيد التدريجي. فكل طرف قد يرى أن دعم حليف محلي أو تحريك قوات قرب الحدود هو وسيلة لحماية مصالحه، بينما يفسره الطرف الآخر باعتباره عملًا عدائيًا.
وتبدو فرص التهدئة مرتبطة بقدرة القوى الإقليمية والدولية على التحرك قبل وقوع صدام كبير. ويمكن أن تضطلع مصر والسعودية والإمارات وتركيا، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بأدوار مختلفة في الوساطة، لكن نجاح أي جهد يتوقف على وجود إرادة سياسية لدى الأطراف المتصارعة.
تسويات دبلوماسية
من البديهي الإشارة إلي أن منطقة القرن الأفريقي تقترب من مرحلة شديدة الحساسية، ليس لأن حربًا شاملة باتت وشيكة بالضرورة، وإنما لأن عدة صراعات بدأت تتقاطع في الجغرافيا والمصالح والتحالفات. فالحرب السودانية تضغط على الحدود الإثيوبية، والخلاف حول البحر الأحمر يفاقم التوتر بين أديس أبابا وأسمرا، بينما يظل تيجراي جرحًا مفتوحًا، ويواصل الصومال مواجهة أزماته الأمنية والسياسية.
والسيناريو الأكثر ترجيحًا، وفق المعطيات المتاحة، هو استمرار التوترات المتقطعة والضغوط المتبادلة، مع بقاء احتمال التصعيد قائمًا إذا فشلت الوساطات. لكن الفرصة لا تزال موجودة أمام القوى الإقليمية والدولية لمنع تحول القرن الأفريقي إلى ساحة حرب واسعة، بشرط الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها السياسية والأمنية.
فالقرن الأفريقي لا يحتاج إلى تحالفات عسكرية جديدة بقدر حاجته إلى تسويات سياسية حقيقية، وضمانات أمنية متبادلة، واحترام سيادة الدول، وإرادة دولية تمنع تحويل أزمات المنطقة إلى صراع نفوذ مفتوح